أخبارتقارير و دراسات

السياسي واستثمار الأوراق الخارجية للهروب من المشاكل الداخلية

✍️ الخبير العسكري والأمني أ . عبد الله أمين
شبكة الهدهد

يقول أهل الفن من الساسة والسياسيين ؛ أن صنعتهم ــ السياسة ــ هي فن الممكن وفن اغتنام الفرص وجمع نقاط القوة وأوراقها من أجل تحقيق أهدافهم الوطنية والقومية ، غير متغافلين أو ناسين أهدافهم الشخصية والذاتية ، وأن أدوات فعلهم التنفيذية هي الدبلوماسية وما تشتمل عليه من أعمال ونشاطات وفعاليات من قبيل : التفاوض والمراسلات والعلاقات واللقاءات و … .

استهلالاً بهذه المقدمة رأينا أن نشارك أهل الفن واصحاب الصنعة ــ وإن كنا لسنا منهم ونتطفل على عالمهم ــ في خاطرة حول كيفية استثمار القادة السياسيين أوراقهم الخارجية في دفع أهدافهم الوطنية والشخصية نحو التحقيق ، أو للفرار من أزمات ومعضلات داخلية استعصت على الحل ، فيهرعون ــ السياسيين ــ إلى الجغرافيا الخارجية ليعوضوا بعضاً مما افتقدوه في الداخل . وحتى تكتمل الصورة ؛ رأينا أن نبدأ هذه الخاطرة بتعريف السياسية والدبلوماسية كمصطلحات ، معتذرين من أهل الفن والصنعة لاقحام أنفسنا فيما لا نجيده ، وليأخذوا قولنا انطلاقاً من القاعدة التي تقول : وبضدها تتميز الأشياء .

قيل في تعريف السياسة : أنها العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية وتعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياءَ سواءً أراد أو لم يرد ، وتمتاز بأنها عامة وتحتكر وسائل الإكراه كالجيش والشرطة وتحظى بالشرعية ، كما تعرف بأنها: كيفية توزيع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين .
أما في تعريف الدبلوماسية : فقد قيل أنها فن إدارة العلاقات الدولية ، وهذا تعريف بدأ التداول فيه نهاية القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1796، كما عُرفت عند قيام الثورة الفرنسية بمعنى التفاوض، وعُرف الدبلوماسي بأنه المفاوض.

وعليه … فإن السياسي مستخدماً ما لديه من أدوات دبلوماسية ؛ وبصفته وكيل مكلف عن أصيل هو الشعب ؛ يسعى جهده ويبذل ما لديه من طاقة من أجل تحقيق ما التزم به من أهداف أمام ناخبيه أو موكّليه ، ليضمن بتحقيقها ــ الأهداف ــ الرفاهية والعيش الكريم والعزيز والهانئ لهم ــ لموكليه ــ . كما أنه يرى أن في تحقيق هذه الأهداف الوطنية والقومية جزءاً من تحقيق أهدافه الذاتية والشخصية ؛ فأن يقال أن في عهد السياسي الفلاني تم انجاز الهدف الفلاني أو تأمين المتطلب الشعبي العلاني ، فذلك تخليدٌ لاسمه ــ السياسي ــ في تاريخ دولته وشعبه ، وهذا بحد ذاته إنجاز شخصي يسعى له كل من عمل في هذا الحقل واغبرت قدماه في ميادينه . وكسائر النشاطات والفعاليات البشرية فقد يخفق الفاعل وقد ينجح ، ويتقلب السياسي أثناء حركته من موقف إلى آخر ويستخدم مع كل موقف ما يناسبه من أدوات وأوراق ؛ ومن جملة هذه الأوراق ؛ تلك الخارجية من علاقات أو أزمات أو فرص أومقدرات يرى السياسي أنها ــ الأوراق الخارجية ــ قد تساعد في تحقيق أهدافه الوطنية أو كمهرب من أزمات داخلية استعصت على الحل ، فيذهب ليفتش عن إنجاز خارجي علّه يقدر على تصريفه داخلياً على شكل زيادة شعبيته أو التقليل من معارضته من خلال محاولة ترتيب أولويات عمل معارضيه ليقدم التعامل مع التناقض الخارجي على المتطلب الداخلي ، كون الإنجاز الخارجي يمكن أن يصرف داخلياً على أنه نوع من أنواع الرصيد الشعبي والمعنوي لبني جلدته بجعلهم جزءاً من متطلبات الفعل الدولي أو الإقليمي ؛ وفي هذا سببٌ من أسباب الرفعة والعزة ورفع مستوى الرضى عن الذات ؛ الشخصية والوطنية .

وكمصاديق على ما ذكرنا من أن السياسي قد يلجأ إلى الساحات الخارجة ليؤمن أهدافاً وطنية أو يهرب من مشاكل داخلية ؛ نرى في أيامنا هذه مجموعة سياسيين يستخدمون هذه الأداة بشكل متزايد ، نأتي على ذكرهم لا على سبيل الجمع بينهم في القيمة أو المكانة ؛ وإنما كمصاديق ندلل بهم على أصل فكرة هذه المقال المشار لها في عنوانه ، فكلهم لديه من المشاكل الداخلية والمعارضة المحلية ، ما يستوجب الانكفاء على الذات وغلق الأبواب والتفرغ لحلها وتهدئة نارها ، من ثم التفرغ للعمل الخارجي وتوسيع المجالات والهوامش .

فدونالد ترامب مثلاً لديه مشاكل داخلية على كل الصعد ، فقد دهم بلاده ما فاجأ سائر دول العالم من جائحة كورونا ، فأتت على إنجازاته الإقتصادية التي كان يعول عليها كبطاقة رابحة نحو الفترة الرئاسية الثانية له ، فتتضع وضعه وساء موقفه ، ثم ساءت إدارته للملف الصحي ، فتولد عنه عدم رضىً شعبي ، نتج عنه حالات قمع للسود من أبناء بلده ، فصدق فيه المثل : أن المصائب لا تأتي فرادى ، بل بالجملة . وأمام هذا الموقف وبدلا من أن يتفرغ لمشاكله الداخلية ؛ تراه يهرب منها بالاتجاه إلى الصين وروسيا وإيران وفنزويلا وسوريا وكوبا والاتحاد الأوربي بجملته ، فيفتح مع الجميع ملفات خلاف ؛ أقل ما يقال فيها أنه يمكن أن تؤجل إلى حين ، ولكنه يصر على التعامل معها كلها وفي نفس الوقت ، محملاً هذه الدول مسؤولة الجائحة والانهيار الاقتصادي والمشاكل المجتمعية الناتجة عنها ، علّه بذلك يستطيع أن يجيش ناسه وشعبه في وجه ما يصوره لهم على أنه خطر خارجي يجب التنبه له الآن قبل فوات الأوان ، ومن ثم نأتي إلى الداخل ومشاكله القريبة الناتجة عن تلك الدول البعيدة !!!! فل ينجح ؟

أما نتن ياهو ، فهو يصارع منذ ما يقارب السنة والنصف داخلاً متفجراً من ملفات فساد إلى معارضين يدفعون به نحو السجن كفاسد تجب محاكمته ، ومنذ الأكثر من شهر لا تتوقف المظاهرات الليلية عن الخرج في ليالي السبت أمام مقر إقامته تطالبه بالاستقالة ، وجيشه يعيش في حالة من عدم الاستقرار الناتج عن عدم وجود ميزانية سنوية ثابتة يستطيع معها تنفيذ خططه السنوية بشكل مريح ومستقر ، في ظل تهديد من الشمال والجنوب ؛ ومع ذلك فهو ــ نتن ياهو ــ لا ينفك عن القيام بالمغامرات الخارجية والتعرض لدول يتمنى أن ترد على النار بالنار فتخمد نار الخارج ما اشتعل من نار في الداخل مستخدماً تقنية التفجير التي ستخدم في إطفاء حرائق آبار الغاز الخارجة عن السيطرة ، حيث يعمد عمال الإطفاء إلى تفجير شحنة ناسفة تولد طاقة انفجارية أكبر بكثير من ألسنة اللهب المشتعلة من جراء تسرب الغاز ، فتطفئ المتفجرات ما أشعلته النار !!! فهل ينجح هذا الآخر باستثمار نار الخارج لإطفاء نار الداخل ؟

أما ماكرون فرنسا الذي عجز عن إسكات مظاهرات اصحاب الستر الصفراء التي كانت وما زالت تطالبه بالاصلاح وتلبية متطلباتهم المعيشية ، خرج إلى ليبيا ليقارع تركيا ، وحضر إلى لبنان ليصلح ما عجز عنه كل العربان ، مستخدماً لغة في الخطاب ؛أقل ما يقال عنها أنها لغة مستكبرة متعالية ؛ فإن كانت تصلح زمن ديغول الذي كان يعامل لبنان على أنها محمية فرنسية ، فهي لا تصلح للبنان اليوم الذي شب عن الطوق ويعتمل في داخله من الغضب ما يمكن أن يفجر حرباً أهلية ثانية ، لقد هرب ماكرون من مشاكل فرنسا ومتطلبات شعبها وجاء ليحل مشاكل لبنان ونظامه السياسي الذي لو تفرغ له ــ ماكرون ــ بدوام كامل 7 / 7 و 24 / 24 لما حل عشر ما فيه من مصائب . فهل يكون القدر حليفه فيوفر له بضاعة خارجية يقدر على بيعها داخلياً ، فيستظل بظلها من حر ناره الداخلية !!!

أما عن عبد الفتاح السيسي ؛ فحدث ولا حرج ؛ سد النهضة ومشاكله وخطورته وتهديده لأصل وجود مصر كهبة للنيل ، إلى الكورونا ، إلى صحراء سيناء وما يعتمل في ترابها من مخاطر ناتجة عن سوء تقدير وإدارة وغياب تنمية ، ومستوى بطالة وضيق عيش يكاد يفتك بالشعب المصري ، وكلها مشاكل بحاجة إلى أوقات ومقدرات وعقول تعمل على حلها ؛ وستتعب في ذلك ، ومع ذلك تراه يفتح ملف ليبيا إنطلاقاً من مبدأ أن عدم استقرارها يعني تهديد الأمن القومي المصري ــ كأنه ليس مهدد ــ وبدل من حشد الطاقات وتأمين الموراد لاغلاق ملفات الداخل ، يعبئها كلها لمواجهة تركيا في ليبيا وفي المتوسط ، وهو الذي يعلم ـــ على سيبل المثال ـــ أن ترسيم الحدود البحرية بين مصر وتركيا ، يعطيه من الميزات والمكاسب أكثر بكثير من تلك التي تمنحها إياه اتفاقية الترسيم مع اليونان . وهنا أيضاً نرى السياسي يهرب للخارج من لظى الداخل !! فهل يفلح ؟

أما أردوغان وإيران ؛ فقد سارت بأخبارهما الركبان ؛ فهما في الهم الكردي مشتركان ، وفي الأزمة السورية مختصمان ، وفي التهديد من قبل أمريكا والكيان يكادان يستويان ، وال ( كورونا ) قد اجتاحت البلدان ، فغدى شعبيهما تحت وطأة ألمها أنّان ، واقتصادهما من قلة السياحة ورخص النفط أصبح مرهق تعبان ، وكلاهما لديه من المعارضة الداخلية ما تشيب له الولدان ، ولكنهما بحثاً عن حل مشاكلمها أو الهروب منها للخارج يلجآن ؛ فالأول في سوريا غرقان ويكاد في في صحراء ليبيا أن يصبه التوهان ومع عربان الخليج في حالة من الغليان ، والثاني فإنه يواجه أمريكا في أفغانستان وفي سوريا خسر كثير من خيرة القادة والشبان ، وفي اليمن فحاله تشبه حالة أرودغان مع العربان ؛ فهما عند الأعراب في أزمتها متهمان ؛ فهل يساعدهما طقس الخارج من التخلص من حر الداخل والغليان ؟ علمها عند ربي الملك الديان .
كان هذا ما خطر في الوجدان ، من هاوٍ غير فنان ، فإن أصبنا فمن الملك المنان ، وإن أخطأنا فمن النفس والشيطان .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى