أخبارترجماتشؤون فلسطينية

مخيم جنين … النموذج المصغر لغزة

ترجمة الهدهد
إليور ليفي/ يديعوت أحرنوت
ملاحظة: المقال يعبر عن رأي كاتبه
نشر الكاتب إليور ليفي مقالا في صحيفة يديعوت أحرنوت العبرية يتحدث فيه عن مدينة جنين التي يصفها بأنها ” غزة المُصغرة”.

وقال ليفي إنه في ذروة التوتر الأمني الساخن في محافظة جنين قبل حوالي أسبوعين، تجمع مسلحون في المخيم كجزء من استعراض يهدف إلى ترهيب “إسرائيل”.
التظاهرة كانت غير عادية، فإلى جانب المسلحين الذين كانوا يقفون على منصة مرتجلة في أحد شوارع المخيم، ظهر فلسطينيون يرتدون أكفانا بيضاء، كانت وجوههم مغطاة، ويحملون أسلاكًا كهربائية بارزة(أحزمة ناسفة).
كانت هذه الصورة شائعة في الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية، لكنها اختفت منذ ذلك الحين من المشهد الطبيعي في الضفة الغربية، وكان من يلبس الأكفان البيضاء في تلك الأيام هم منفذو العمليات الفدائية التفجيرية الذين كانوا يستعدون لتنفيذ عمليات تفجيرية في قلب “إسرائيل”.

ويضيف الكاتب أنه :” ليس من المؤكد إن كانت الأحزمة الناسفة منذ أسبوعين بالفعل معُبأة بالمتفجرات، لكن في هذه الحالة كانت الرسالة مهمة، وأعلن المسلحون الملثمون “نحذر العدو الصهيوني من القيام بعمل غبي ودخول المخيم لأننا جاهزون”.
وعادت التهديدات بالعمليات الفدائية التفجيرية إلى مكان الحادث وتحديداً في مخيم جنين للاجئين، أصبح المخيم من أعظم رموز الانتفاضة الثانية.

في المعارك التي دارت في مخيم جنين خلال عملية الدرع الواقي(احتلال الضفة الغربية) عام 2002 قُتل 23 جندياً بينهم 13 جنديًا احتياطيًا في يوم واحد من “الجيش الاسرائيلي” بينما ادعى فلسطينيون أن الجيش ارتكب مذبحة ضد السكان الفلسطينيين.

ويزعم الكاتب أن الهالة المحلية للمسلحين عند الجمهور الفلسطيني قد تلاشت على مر السنين، لكن إرث المخيم بين الجمهور الفلسطيني لا يزال قائماً، حيث أدى تسلسل الأحداث في منطقة جنين على مدى الأشهر الستة الماضية إلى إحساس السكان بأن المكان قد عاد عشرين سنة إلى الوراء.

تم إنشاء مخيم جنين للاجئين عام 1953 من قبل الأونروا وهي منطقة استأجرتها الأمم المتحدة من الأردن والذي يعتبر ثاني أكبر مخيم في الضفة الغربية ويبلغ مساحته 473 دونمًا. يقطن المخيم 12000 لاجئ فلسطيني، معظمهم (8.500) تحت سن 40،أي من فئة الشباب، في حين أن معدل البطالة بين شبان المخيم مرتفع فقد بلغت 35٪.

ويشير الكاتب إلى انه مع انتهاء الانتفاضة الثانية وإعادة تأهيل السلطة الفلسطينية (عبر الدعم الأمريكي للرئيس أبو مازن)، بدأ المسلحون في مخيمات اللاجئين يشعرون بأنه قد تم تجاههم تماماً، حيث بدأ الاقتصاد الفلسطيني بالنمو في ظل تغيير اولويات النظام الذي تحول من عرفات إلى أبو مازن، وأعيد بناء المؤسسات الحكومية، وتركت السلطة الفصائل المسلحة الذين كانت رموزا كبيرة عند الجمهور الفلسطيني وراءها.

وقال الكاتب.. بالرغم من انضمام بعض المسلحين إلى قوات الأمن الفلسطينية، إلا أن النواة الصلبة للتنظيمات المسلحة بقيت في أحياء المخيمات محبطة وممتعضة، زاعماً أنه تم البدء في استخدام الأسلحة التي جمعوها واستمروا في تخزينها لأغراض إجرامية بشكل أساسي، فمخيمات اللاجئين في الضفة الغربية ظلت خارج سيطرة السلطة الفلسطينية وأصبح كل دخول للسلطة الفلسطينية إليها مصحوبا بمقاومة وتبادل لإطلاق النار، لذلك فإن التنسيق الأمني مع “إسرائيل” يكاد لا يكون له أهمية في المنطقة طالما أن السلطة الفلسطينية لا تسيطر ميدانيا عى المخيمات.

وبيّن الكاتب أن مخيم جنين للاجئين قد عاد إلى العناوين الرئيسية في السياق الأمني، لكن على المرء العودة إلى الأيام الأولى لأزمة كورونا ، عام 2020 ، لفهم كيف حدث ذلك. في بداية الوباء، وجدت السلطة صعوبة في فرض الإغلاقات والقيود المفروضة على السكان والتي كان الهدف منها تقليل معدلات الإصابة بالأمراض، لذا اتجهت السلطة لتسخير تنظيم فتح في مختلف مناطق الضفة الغربية حتى تتمكن من خلال عناصر التنظيم من مساعدتها في التعامل مع هذه القضية.

مشيرا إلى أن الأمر نفسه حدث في مخيم جنين للاجئين. من جانبه، كان الجيش “الإسرائيلي” في ذلك الوقت أقل نشاطًا في الضفة الغربية في اعتقال المطلوبين، مما سهل على الفصائل المسلحة في منطقة جنين من تجديد نشاطاتها، وبعد ذلك فاجأ أبو مازن الجميع وأعلن عن إجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني. وأعلنت حماس ردا على ذلك أنها قبلت التحدي وبدأت في تشكيل قائمة لمواجهة فتح في المقابل قررت حركة الجهاد الإسلامي كالعادة عدم الدخول في النظام السياسي.
وزعم الكاتب أن “إسرائيل” لم ترغب في أن يتم تصويرها على أنها تساعد فتح، لذلك تم التخفيف من الاعتقالات ضد نشطاء حماس والجهاد الإسلامي في تلك الأيام، ويتساءل الكاتب: كيف يرتبط كل هذا بمخيم جنين؟ ويجب بقوله: “الجهاد الإسلامي له قوة ونفوذ في المنطقة. في الواقع، محافظة جنين هي بؤرة نفوذ التنظيم الرئيسية في الضفة الغربية.
وساعد الحد من تنفيذ الاعتقالات بسبب كورونا والانتخابات على إعادة تنظيم أنشطته وتوسيعها.

ويدعي الكاتب أنه ولأسباب عملياتية، قررت “إسرائيل” تقليص نطاق القوات التي قامت بتأمين منطقة التماس والجدار الفاصل في المنطقة؛ مما أدى إلى زيادة حجم تهريب الأسلحة ، الذي كان مصدرها عناصر إجرامية في “إسرائيل”.

فمنطقة جنين مليئة بالأسلحة غير المشروعة: M-16، كلاشينكوف، بنادق محلية الصنع من طراز كارلو، مسدسات، معامل لإنتاج العبوات الجانبية والناسفة والتي يتم إلقائها على قوات الاحتلال، وربما أيضاً عدد من الرشاشات الثقيلة تم حفظها لمثل هذه الأيام.

إبن المُخيم

ويسترسل الكاتب في وصف الواقع الذي يمر مخيم جنين فمنذ بداية وباء كورونا، أغلقت “إسرائيل” المعابر بينها وبين السلطة الفلسطينية أو قلصت النشاط هناك كان معبر جلبوع (الجلمة) هو احداها والذي يمثل الشريان الاقتصادي الرئيسي لجنين.
في نهاية كل أسبوع، يأتي عشرات الآلاف من فلسطيني الداخل المحتل 1948 من “إسرائيل” للتسوق وقضاء بعض الوقت في جنين، بفضل هذه الحركة، ازدهرت مئات الأعمال في المدينة، ولكن ادى إغلاق المعبر الى توجيه ضربة قاضية للتجار والتي كانت السبب في ازدهار تجارة الأسلحة.

ويزعم الكاتب أن: هذا الوضع لعب لصالح الجهاد الإسلامي في جنين بشكل عام وفي مخيم اللاجئين بشكل خاص، حيث اكتسب التنظيم هناك مزيدا من القوة والنفوذ، فعلى عكس المخيمات الأخرى، داخل مخيم جنين للاجئين ، يتم إجراء تدريب عسكري للنشطاء بشكل منتظم، وبين بانه اي اقتحام للجيش “الإسرائيلي” للمخيم، يواجه بنيران المقاتلين من التنظيمات المسلحة، ويلاحظ ان هذا واقع لا وجود له في أي مخيم آخر للاجئين في الضفة الغربية، وهو جزء من روح المكان الذي يصنف نفسه على أنه المتصدر للمقاومة المسلحة، وعاصمة الشهداء،وواقعيا هناك معادلة في المخيم: ان اي اقتحام من قبل الجيش “الإسرائيلي” للمخيم لن يمر دون رد مسلح.

يشير الكاتب إلى انه في مخيّم جنين للاجئين، هناك شراكة مصيرية نادرة بين الفصائل: على عكس الاستقطاب الموجود في خارج المخيم بين حماس وفتح، على سبيل المثال، داخل المخيم يقاتل المسلحون من مختلف الفصائل جنبًا إلى جنب، وكل من يأتي إلى مخيم جنين يسمع عبارة “ابن المخيم” والذي يعبر عن الولاء الكامل لسكان المخيم من الفلسطينيين، بغض النظر عن انتمائهم التنظيمي.

ولهذا السبب استنسخ مخيم اللاجئين نموذج غزة في إقامة الغرفة المشتركة لكافة الفصائل المقاومة

ويزعم الكاتب أن الغرفة المشتركة تتكون من عناصر من الجهاد الإسلامي وحماس وفتح، الذين ما زالوا يصرون على تسمية أنفسهم كتائب شهداء الأقصى، رغم أن هذه الهيئة لم تعد موجودة بالفعل، القاسم المشترك بينهم هو كراهية السلطة الفلسطينية ومؤسساتها والرغبة في محاربة إسرائيل بكل الطرق.

أما عن عمل الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة فتبدأ عملها فور ورود تقرير عن نشاط “للجيش الإسرائيلي” في المخيم أو في إحدى القرى المجاورة. حيث ترسل الغرفة المسلحين إلى الميدان باستخدام الرسائل النصية على تطبيق الواتس أب أو التليجرام، بالإضافة إلى ذلك، يتواجد على مداخل المخيم مجموعة من المراقبين، تتمثل مهمتهم في تصوير وتعقب وتحديد أي حركة مرور مشبوهة في المنطقة – بما في ذلك سيارات القوات المستعربين (وحدات خاصة لجيش العدو).

الذين يديرون هذا النظام هم رؤساء المنظمات داخل المخيم، رئيس حركة الجهاد الإسلامي في المنطقة هو بسام السعدي، وهو أحد قيادات حركة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية.

أما كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح فهي تحت قيادة جهاد أبو كميل، في حين من يدير نشاطات حماس التي تعتبر أقل هيمنة في المخيم هو جمال أبو الهيجا أحد الأسري في السجون “الإسرائيلية، إلا أنه لا يزال هو من يدير الأمور من سجنه، ويعتقد الكاتب انه وعلى مدى الأشهر الستة الماضية، كانت قوات “الأمن الإسرائيلية” تعمل في جنين والقرى المجاورة. وأدت العملية إلى اعتقالات ونحو عشرين شهيدا معظمهم مطلوبون ونشطاء مسلحون.

وقد حولت هذه العمليات جنين إلى برميل حقيقي من المتفجرات، بما في ذلك إطلاق النار من قبل السكان المحليين على كل اقتحام للجيش للمخيم، وأدى هروب الأسري الستة من سجن جلبوع – والذين جميعهم من سكان محافظة جنين وخمسة منهم أعضاء في الجهاد الإسلامي (باستثناء زكريا الزبيدي) – زاد من اشتعال هذه المنطقة.

مقاولون من الباطن

يشير الكاتب إلى أن الظاهرة الفريدة التي تحدث في جنين هي تشجيع حماس على تحويل الجهاد الإسلامي إلى مقاول من الباطن لها في المنطقة، ففي الأشهر الأخيرة، كانت حماس تمول العمليات العسكرية للجهاد ، والأخيرة تستخدم هذا التمويل لشراء أسلحة في محاولة لتنفيذ عمليات فدائية.

وينقل الكاتب عن مصدر في المخيم زعمه إن حركة الجهاد الإسلامي لديها قائمة أسعار بالعمليات الفدائية توزع على الشباب المحليين؛ إذ يقدمون لهم عرضًا يصعب عليهم مقاومته”، ويزعم بأن العرض الذي يقدم للشبان في المخيم بأنه سيتلقى 300 دولار لو تمكن من إصابة احد جنود العدو في عملية إطلاق النار، وإذا لم يصبه فستلقى 100 دولار فقط.
ويستمر الكاتب في مزاعمه بان هؤلاء الشبان يخضعون لأول مرة لتدريبات عسكرية داخل منطقة المعسكر، (لان المخيم خارج سيطرة الاحتلال والسلطة)
ويضيف الكاتب انه في الأشهر الأخيرة أصبحت منطقة معبر الجلمة بين “إسرائيل” وجنين أيضًا منطقة تدريب، حيث يطلق مسلحون فلسطينيون من المخيم ومحيطه النار عليها ويلقون قنابل ناسفة عليها، ويحذر الكاتب بقوله انه من الصعب أن نرى في الأفق حلاً للمشكلة التي يسببها مخيم جنين لكل من “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية دون عملية عسكرية مكثفة تطهره من الأنشطة المسلحة و”الإجرامية” الموجودة فيه.

مبينا أنه وعلى الرغم من التصريحات المختلفة حول هذا الموضوع، فإن مثل هذه العملية ليست مطروحة حاليًا على الطاولة، بسبب العواقب المصاحبة لها، والتي يمكن أن تقوض استقرار السلطة الفلسطينية والاستقرار الأمني النسبي بشكل عام في الضفة الغربية فمثل هذه العملية يمكن أن تثير ردا من حركة الجهاد الإسلامي من قطاع غزة.

ويختم الكاتب مقاله بانه: حتى ذلك الحين، تواصل “إسرائيل” تنفيذ عمليات مكافحة “الإرهاب” بشكل متكرر نسبيًا داخل المخيم وحوله، ويساعد النشاط الاقتصادي بفتح معبر الجلمة وتشجيع دخول عرب “إسرائيل” إلى المدينة، على أساس أن التنمية الاقتصادية يهدئ الاجواء ويخلق ضغطا داخليا فلسطينيا على التنظيمات المسلحة للحد من نشاطها.

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى