لماذا قررت “إسرائيل” محو الخط الأخضر سراً؟

ترجمة الهدهد
هآرتس/ آدم راز

اندلعت عاصفة إعلامية الشهر الماضي بسبب قرار بلدية “تل أبيب” تعليق خرائط الفصول الدراسية “لإسرائيل” في مدارس المدينة والتي تُظهر الخط الأخضر “خط الهدنة الذي اتفقت عليه إسرائيل والدول العربية عام 1949″، بعد حرب 1948 وحتى عام 1967 كان هذا الخط يمثل الحدود الشرقية الفعلية “لإسرائيل” ويرسم حدود أراضيها السيادية، لم يَظهر الخط على الخرائط الرسمية لـ “دولة إسرائيل” طوال سنوات الاحتلال وتعمدت ذلك، وفي أعقاب قرارات سرية اتخذتها الحكومة الأمنية نهاية عام 1967 بدلاً من الخط الأخضر تقرر الإشارة إلى حدود “إسرائيل” (غير الرسمية) عبر خطوط وقف إطلاق النار في حرب الأيام الستة، والتي تشمل أراضي الضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان.

ومنذ ذلك الحين لم تُوَزع الخرائط الرسمية التي طبعها “مسح إسرائيل”، “وهي وكالة حكومية تبين أراضي الدولة كما كانت عشية حرب 1967 وما تشكلت بعد ذلك”، وتمتد “إسرائيل” (ليست كدولة أو أرض) من البحر الأبيض المتوسط في الغرب إلى نهر الأردن في الشرق، ربما كان القرار السياسي في عام 1967 بمحو الخط من الخريطة الرسمية يهدف إلى إبقاء جميع الخيارات مفتوحة حول مستقبل هذه المناطق، ومع إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة وتحويلها في نظر الكثيرين، إلى جزء لا يتجزأ من “إسرائيل”، فتحول محو الخط من كونه عملية لرسم خرائط إلى واقع سياسي، وفي الواقع تم نسيان الخط الأخضر ولم يعد بالنسبة للعديد من “الإسرائيليين” موجوداً بشكل ملموس.

إن رد فعل رئيس بلدية “معاليه أدوميم”، “بني كشريئيل” على قرار مجلس مدينة تل أبيب هو انعكاس دقيق للواقع السياسي “لإسرائيل”، “كشريئيل”، و”دولة” تل أبيب وقادتها يعتقدون أن حدود “أرض إسرائيل” تنتهي في غوش دان [العاصمة تل أبيب]، قائلاً: “أدعوهم لمغادرة شوارع شينكين وابن جويرول [في تل أبيب] والمجيء إلينا في معاليه أدوميم ليروا ما هي المستوطنة عن قرب”.

وبعيداً عن الخطاب المعادي لتل أبيب، والذي هو شائع في دوائر معينة، فإن موقف رئيس البلدية، الذي يرى أن معاليه أدوميم جزء من “إسرائيل”، يعكس موقف دولة طويل الأمد، وفي الواقع أن هيتيشفوت (المصطلح المحايد سياسياً الذي يستخدمه كشريئيل ليعبر عن “الاستيطان”، بدلاً من هيتناهلوت، الكلمة المستخدمة عادةً بسخرية، للإشارة إلى الاستيطان في الأراضي المحتلة) هي مشروع دولة، ومع ذلك كما أدرك صناع القرار جيداً أنه كان من الضروري منذ البداية أن يكون هناك غموض بشأن هذه القضية.

وفي أكتوبر 1967 في اجتماع للجنة الوزارية للأمن بشأن “محو” الخط الأخضر، ومشروع الاستيطان الغير واضح، أوضح وزير الجيش “موشيه ديان”: “أنه لا تَظهر نوايانا التوسعية، ومنذ ذلك الحين أظهرت إسرائيل نواياها بشكل قاطع “، فمن جانبه صرح “مناحيم بيغن” أنه لا يوافق على مصطلح “توسع” [ هيتباشتوت، بالعبرية]، كما أنه لا يوافق على مصطلح “احتلال”، فهي صياغة سيئة للغاية.

تم تخصيص عدد من الاجتماعات “للقيادة الإسرائيلية العليا” في أكتوبر ونوفمبر 1967 لمستقبل الخط الأخضر على الخرائط التي تنشرها الدولة، وبالنسبة للمشاركين كان من الواضح أن القرار بشأن هذا الموضوع ليس بالأمر الهين، وفي أعقاب قرار الحكومة في ذلك الخريف بإلغاء خطوط الهدنة لعام 1949، قدم وزير العمل “إيغال ألون” قراراً إلى اللجنة الوزارية للأمن قال فيه: “اقتراحي بسيط، أن يتم أخذ لقطة للواقع الحقيقي المعترف به كما هو”.

“تحديد خطوط جديدة”

كما قال وزير التربية والتعليم آنذاك “نفتالي بينيت”: “ليس هناك خط أخضر، إنما هناك إسرائيل واحدة، ثم أشار إلى عدد من المدن ذات السيادة في كل من الضفة الغربية وإسرائيل”.

ما كان يقصده هو أن تنشر الدولة خرائط تستند إلى “حالة وقف إطلاق النار” في حرب الأيام الستة وليس خطوط الهدنة لعام 1949، بعبارة أخرى محو “حدود إسرائيل الشرقية” المعترف بها من الخريطة الرسمية، كما أوضح ألون في أحد الاجتماعات: “المنطق هو التالي، حيث قررت الحكومة أنه عند إعلان حرب الأيام الستة، لم تعد اتفاقيات الهدنة قائمة، مع كل ما يترتب على ذلك، وإذا لم تكن هناك خطوط هدنة، فليس هناك حدود، ونحن نقوم على وضع خطوط جديدة، خطوط توضح حالة وقف إطلاق النار”.

وكان جميع الوزراء تقريباً يؤيدون مشروع القرار، الذي وافق عليها رئيس الوزراء آن ذاك “ليفي إشكول”، موضحاً في إحدى النقاشات: “اليوم تعتبر هذه خريطة ليست أكثر من مجرد صورة للوضع القائم، لكن هذا لا يعني أنها الخريطة النهائية”، وكان الوزراء على علم بنتائج هذا القرار، وأشار وزير التجارة والصناعة “زئيف شريف” إلى أن “نشر خريطة دائرة المساحة الحكومية عمل سياسي مهم وخطير”، لهذا السبب قال إشكول إنه “يفضل ألا تكون لدينا آراء منقسمة حول هذا الأمر”.

وشرح وزير الشرطة “إلياهو ساسون”، الذي أيد القرار أيضاً، المنطق الذي وجده فيه: “الأراضي الخاضعة للإدارة هي ثلاثة أضعاف مساحة دولة إسرائيل السابقة، فهناك دول تعرف أننا احتللنا هذه المنطقة أو تلك، لكنها لا تتخيل حجم الأراضي التي احتللناها، وإذا أعطيناهم خريطة نضع عليها علامة منفصلة على الأراضي التي يديرها جيش العدو الإسرائيلي فسوف يرون كم كانت إسرائيل صغيرة وسيرون حجم الأراضي الخاضعة لإدارة الجيش أيضاً، ويجب ألا نضع خريطة كهذه في أيدي أولئك الذين يريدون منا الانسحاب من الأراضي الخاضعة للإدارة”.

خلال المناقشات العديدة التي جرت كانت القضية الأكثر اثارة هو العنوان الذي ستحمله الخريطة: “دولة إسرائيل” أم مجرد “إسرائيل”؟ وأشار “ألون”: “أنه من أجل تفادي مزاعم الضم، سيكون عنوان الخريطة هو إسرائيل والعنوان الفرعي هو خريطة خطوط وقف إطلاق النار”.

وخُصصت إحدى المناقشات لمسألة الرقابة والمخاوف من أن يصبح قرار محو الخط علنياً قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي كان من المقرر عقده في غضون أسابيع قليلة، وكان وزير الخارجية آن ذاك “أبا إيبان” هو الذي طلب عدم طباعة الخرائط إلا بعد انتهاء اجتماعات الجمعية العمومية، وهذا ما حدث، ومع ذلك فالقضية لم تكن مسألة دبلوماسية فقط، بل كانت أيضاً قضية محلية، في الواقع قال “إيبان” في إحدى المناقشات: “أعتقد أن هناك أسباباً داخلية وخارجية لمسح الخط من الخريطة”.

ربما كان أحد هذه الأسباب الرغبة في إقامة مستوطنات في مرتفعات الجولان، في ذلك الوقت لم يكن معظم الوزراء يطمحون إلى مشروع استيطاني واسع في الضفة الغربية، لكن الأمور كانت مختلفة فيما يتعلق بهضبة الجولان، وأوضح ألون أن ترك الخرائط وعليها الخط الأخضر أمر “يمكن أن يحبطنا فقط فيما يتعلق بهضبة الجولان”.

لقد كان محقاً، ففي نظر مُعظم “الإسرائيليين”، تعتبر المستوطنات التي أقيمت في مرتفعات الجولان منذ ذلك الحين يشوفيم – مصطلح محايد سياسياً – وليست “هيتناهالويوت”، المصطلح المستخدم للإشارة إلى مستوطنات ما بعد عام 1967.

وافق رئيس الوزراء آن ذاك “ليفي إشكول”، على إزالة الخط الأخضر، موضحاً في إحدى المناقشات، “اليوم هي خريطة ليست أكثر من مجرد صورة للوضع الحالي، لكن هذا لا يعني أنها الخريطة النهائية”.

كما أشار وزير العدل آن ذاك “يعقوب شمشون شابيرا” إلى إخفاء هذا القرار وآثاره، فلقد تم نشر خرائط [خطوط] وقف إطلاق النار عشرات المرات، ما هو السر هنا؟ السر هو أن الحكومة قررت نشر خريطة من هذا النوع كخريطة رسمية”، وهكذا فإن قرارات اللجنة الوزارية للأمن بشطب الخط الأخضر من الخرائط الرسمية صنفت على أنها “سرية للغاية” ولم تنشر منذ سنوات.

لم يكن القصد من محو الخط هو ترسيم حدود جديدة “لإسرائيل”، لكن هذه المسألة ظهرت خلال المناقشات، و”يجب أن تكون هناك ملاحظة تفيد بأن هذه ليست خريطة لحدود الدولة، بل لخطوط وقف إطلاق النار”، وقال وزير الاعلام “يسرائيل جليلي”: “إن ذلك يزيل كل التعقيدات منه، لكن في الممارسة العملية، انقسمت مسألة الحدود إلى عدة قضايا”.

وكتب المدير العام لوزارة الداخلية “مئير سيلفرستون” في سبتمبر 1967 إلى وزيره، “حاييم موشيه شابيرا”: “أن وزير الدفاع (وربما وزراء آخرين) يفضلون مقاربة طمس الحدود بين الدولة والأراضي الخاضعة للإدارة، لهذا السبب هم لا يريدوننا أن نعبث في الأمر عن طريق مراقبة الحدود على أساس قانون الدخول إلى إسرائيل”.

“إسرائيل موحدة”

يجدر التذكير بأن بلدية تل أبيب لم تكن أول هيئة أرادت إعادة الخط الأخضر إلى الخرائط، فالموضوع نوقش على مر السنين، ففي عام 2006 عندما شرعت وزيرة التربية والتعليم “يولي تامير” في معرفة ما إذا كان يمكن إعادة الخط الأخضر إلى الخرائط في الكتب المدرسية، حيث أثار ذلك ضجة سياسية لفترة قصيرة، بسبب حقيقة أن الخط الأخضر لا يظهر في الخرائط الرسمية، وأن تاريخ وجوده لم يتم تدريسه بشكل صحيح في نظام التعليم، ما قد جعل من الممكن تكرار تفشي الجهل لعقود من الزمن حول “حدود أراضي إسرائيل” السيادية، حيث لا يوجد فيها خط أخضر، لتكون “إسرائيل” أرض موحدة، فجميع المناطق بدرجة السيادة نفسها.

وقال وزير التربية والتعليم “نفتالي بينت” بعد سنوات: “نحن نعتبر أن أرض إسرائيل بأكملها واحدة دون تمييز”.

إن قرار محو الخط الأخضر من منشورات “مسح إسرائيل” تم تبنيه أيضاً في خرائط أخرى، وبحلول ديسمبر 1967، طُبعت خرائط جديدة تحدد “المسارات الجديدة” لجمعية حماية الطبيعة في “إسرائيل”، وتحتوي الخريطة على المسارات الجديدة التي تم تحديدها في صحراء يهودا المحررة، والتي سيتجول فيها آلاف الشباب في غضون أيام قليلة خلال نزهات هانوكا لحركات الشباب”، حسبما ذكرت صحيفة لاميرهاف كما (عضو حزب جاليلي وألون)، وتمت الإشارة إلى أن الخط الأخضر، كما ورد في المقال “تمت إزالته تماماً من الخريطة”.

كانت الاعتبارات واضحة للغاية في النقاشات حول هذه المسألة، وأشار رئيس الوزراء إشكول صراحةً إلى الاعتبار الخفي الكامن وراء محو الخط الأخضر ثم إبقاء القرار سراً.

“آدم راز” باحث في معهد أكيفوت لأبحاث “الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”، الذي أجرى الدراسة التي استندت إليها هذه المقالة.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى