أخبارالشرق الأوسطالملف الإيراني

التطبيع مع السعودية – مصالح تواجه التحديات

#ترجمة_الهدهد

تقف أمام “إسرائيل” حاليًا فرصة تاريخية للترويج لاتفاقية سلام مع المملكة العربية السعودية تحت رعاية الولايات المتحدة، في ضوء التقاء غير مسبوق للمصالح بين الدول الثلاث، والواقع أن هذه صفقة شاملة كبيرة، يعتمد تحقيقها كاملة على تنفيذ مكونات مختلفة من قبل كل لاعب من اللاعبين، لكن الطريق إلى الترويج للاتفاق ما زال طويلا ومليئا بالمطبات، وهذا أولاً وقبل كل شيء في كل ما يتعلق بتطوير دائرة الوقود النووي الكاملة في السعودية والحفاظ على التفوق النوعي لـ”إسرائيل”، هذا إلى جانب الصعوبات المتوقعة بسبب المطالب السعودية في المجال الفلسطيني وجهود التخريب من قبل المحور الراديكالي وضيق الوقت في ظل الانتخابات الرئاسية والكونجرس في الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2024.

المصلحة السعودية – الضمانات الأمنية الأميركية..

يهدف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلى تحويل السعودية إلى قوة اقتصادية عالمية ضمن رؤيته لعام 2030، التي لن تعتمد فقط على موارد النفط المتضائلة، لا تكون عرضة للتهديدات من قبل إيران، وذلك من خلال اعتماده على الولايات المتحدة التي تعتبر في نظره المفتاح لتحقيق أهدافه، ولتحقيق هذه الغاية، فهو يهدف إلى تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، والذي سوف يقوم على ثلاث ركائز: ضمانات أمنية أمريكية قوية لأمن المملكة العربية السعودية؛ وتوريد أنظمة الأسلحة الأكثر تقدمًا (مثل الطائرات المقاتلة من طراز F35 وأنظمة الدفاع الجوي)؛ وتطوير برنامج نووي مدني كامل في المملكة، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم.

وفقاً لنهج ولي العهد، يجب أن يحظى الاتفاق بموافقة الكونغرس، لتقليل خطر قيام إدارة أخرى بإلغائه قدر الإمكان، وفي المقابل، ولي العهد مستعد لترويج لاتفاق تطبيع مع “إسرائيل”، وذلك إلى حد كبير، من خلال الفهم بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لإقناع كل من “إسرائيل” والإدارة والكونغرس بالموافقة على مطالبه بعيدة المدى، أبعد من ذلك، التطبيع مع “إسرائيل” يتناسب مع وجهة نظره، بأن تخفيف التوترات الإقليمية هو خطوة ضرورية على طريق الازدهار الاقتصادي، وتشكل عمليات المصالحة مع إيران وسوريا في الأشهر الأخيرة، وفي وقت سابق أيضاً مع تركيا، طبقة أخرى من هذا المفهوم.

المصلحة الأميركية: صد الصين والتحالفات الإقليمية..

تبذل الحكومة الأمريكية جهودًا كبيرة للترويج للاتفاق الثلاثي، وهو ما انعكس في سلسلة الزيارات التي قام بها كبار المسؤولين الحكوميين إلى المملكة في الأشهر الأخيرة، والاجتماعات المحتملة الشهر المقبل للرئيس “بايدن” مع ولي العهد السعودي ابن سلمان، على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي، ومع رئيس الوزراء نتنياهو في الولايات المتحدة، قد تشكل خطوة حاسمة على طريق التشكيل للتفاهمات بين الطرفين.

وراء الجهود الأمريكية للترويج للاتفاق هناك مصالح متنوعة، تهدف الولايات المتحدة إلى استعادة علاقاتها مع المملكة العربية السعودية لتكون بمثابة ثقل موازن للتعاون المتزايد بين المملكة والصين على المستوى الاستراتيجي وفي مجالات الطاقة والتكنولوجيا، وهو ما انعكس في زيارة الرئيس شي للمملكة (ديسمبر 2022) واتفاق المصالحة بين السعودية وإيران بوساطة الصين (مارس 2023)، علاوة على ذلك، هناك قلق في واشنطن من أن رفض طلبات ولي العهد قد يدفع السعودية إلى تعميق علاقاتها مع الصين وروسيا.

ومن وجهة نظر الإدارة، فإن اتفاق السلام بين المملكة و”إسرائيل” قد يؤدي إلى استعادة مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وإظهار أنها في الواقع القوة الوحيدة القادرة على إطلاق عمليات مهمة في المنطقة، بل إن الاتفاقية تتناسب مع مفهوم الرئيس “بايدن” لتعزيز التعاون المتعدد الأطراف وتحمل القدرة على تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط، وذلك، من بين أمور أخرى، من خلال إقامة علاقات دبلوماسية بين “إسرائيل” ودول أخرى في العالم الإسلامي وتعزيز المشاريع الاقتصادية الإقليمية واسعة النطاق.

 علاوة على ذلك، ترى الإدارة أن هذه العمليات لها أيضًا آثار مباشرة على قدرة “إسرائيل” ودول الخليج على التعامل مع التهديدات المتزايدة من إيران، من بين أمور أخرى من خلال إنشاء تحالفات دفاعية وتعاون أمني عميق، وأخيرا، قد يساعد الاتفاق “الإسرائيلي”- السعودي “بايدن” في الفترة التي تسبق الانتخابات، بسبب التأثير المحتمل على أسعار الوقود.

العائق الفلسطيني، ليس في محور الاهتمام بل شرط ضروري..

هناك بالفعل وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بمركزية القضية الفلسطينية في مجموعة الاعتبارات السعودية والأمريكية، لكن يبدو أنه حتى لو لم تكن القضية على رأس سلم أولويات الطرفين، فإن هناك تفاهما بينهما على ضرورة تقديم حل يتكامل مع التطلعات الفلسطينية ومبادرة السلام العربية، وبخلاف ذلك، فإن أي اتفاق يتم التوصل إليه سيواجه معارضة قوية من السلطة الفلسطينية والدول العربية الأخرى، وكذلك من الملك سلمان وعناصر أخرى داخل المملكة، وقد أظهر اللقاء الثلاثي في ​​مصر، بمشاركة أبو مازن والرئيس السيسي والملك عبد الله، يقظة الفلسطينيين والدول العربية في هذه القضية، ويبدو أن تعيين السفير السعودي في الأردن سفيرا غير مقيم لدى السلطة وقنصلاً في القدس، إشارة إلى الأهمية التي تنوي السعودية منحها للقضية الفلسطينية.

وفي الوقت الراهن، هناك ضبابية يحيط بالمطالب السعودية في هذا الشأن، وقد تكون المطالب المحتملة، على أقل تقدير، اعتراف “إسرائيل” بمبدأ الدولتين، وتجنب اتخاذ المزيد من الإجراءات الأحادية الجانب لتوسيع المستوطنات، وإخلاء المواقع الاستيطانية غير القانونية، ووقف سياسة العقاب الاقتصادي، ومن الممكن أيضًا أن تطلب المملكة العربية السعودية من “إسرائيل” نقل أراضي إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، هذا، مع ربط التقدم في عمليات التطبيع بموقف “إسرائيل” من التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية.

ومع ذلك، فإن سياسة الحكومة الحالية تجاه النظام الفلسطيني، وخاصة المفاهيم التي يقودها الوزيران “سموتريتش” و”بن غفير” لتوسيع المستوطنات وضم الأراضي في الضفة الغربية، توضح أنه في تركيبتها الحالية، فإن قدرة الحكومة على الاستجابة، حتى للحد الأدنى من المطالب من جانب المملكة العربية السعودية، محدود للغاية.

جهود الإحباط من جانب المحور الراديكالي

يضاف إلى ذلك الجهود المتوقعة من المحور الراديكالي، وعلى رأسه إيران وحزب الله وحماس، لنسف عملية التطبيع، بسبب التأثيرات المباشرة على وضعهم الاستراتيجي والأمني ​​(لعبة المجموع الصفري في مواجهة “إسرائيل”)، ومن المرجح أن تحاول إيران العمل بطرق مختلفة لعرقلة الترويج للاتفاق، أولا وقبل كل شيء، من خلال تشجيع الأعمال المسلحة ضد “إسرائيل” في النظام الفلسطيني، وذلك بناءً على تقييم مفاده أن التصعيد الأمني ​​سيصعب على جميع الأطراف دفع الصفقة إلى الأمام، وعلى الأقل يؤدي إلى تأخيرها.

كسر الحواجز في المجال النووي..

إن السماح للمملكة العربية السعودية بتطوير برنامج نووي مدني شامل، وخاصة القدرة على تخصيب اليورانيوم على أراضيها، ينطوي على تحديات عديدة ومتنوعة، والسابقة السعودية قد تدفع دولا أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها مصر وتركيا، إلى المطالبة بتطوير برامج مماثلة في أراضيها، بما يؤدي إلى نشوء سباق نووي في الشرق الأوسط، وعلى المدى الطويل، هناك خطر من أن تسعى المملكة العربية السعودية إلى استخدام المعرفة التي اكتسبتها لتطوير برنامج نووي عسكري، وذلك خاصة في ظل ما ينشر عن اتصالات محتملة بينها وبين باكستان في المجال، وتصريحات ولي العهد السابقة بأن إيران إذا حصلت على السلاح النووي فإن السعودية ستعمل أيضا على الحصول عليه، علاوة على ذلك، فإن أي اتفاق في المجال النووي مع المملكة العربية السعودية قد يكون له أيضًا عواقب على اتفاقيات التفتيش المحتملة مع إيران.

الإطار الزمني لبلورة الصفقة

ومن المرجح أن تكون الفترة الزمنية لقدرة الرئيس “بايدن” على استثمار رأس المال السياسي المطلوب لدفع الصفقة محدودة حتى منتصف العام المقبل على الأكثر، ويرجع ذلك إلى دخول النظام السياسي الأمريكي إلى اللمسات الأخيرة من التحضير لانتخابات الرئاسية والكونجرس (نوفمبر 2024)، ومن أجل الموافقة على الاتفاق، سيكون مطلوبا من الرئيس “بايدن” جمع دعم ما لا يقل عن 16 عضوا جمهوريا في مجلس الشيوخ (مطلوب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ – 67 عضوا في مجلس الشيوخ)، وهذا على افتراض أن جميع أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين الــ 51 سيدعمون الاتفاق، بما في ذلك أولئك الذين لديهم موقف عدائي تجاه ولي العهد السعودي، ولذلك، يبدو أنه إذا لم ينجح الطرفان في صياغة اتفاق في الأشهر المقبلة، فسيعني ذلك بالضرورة تأجيله على الأقل حتى صيف عام 2025، عندما تحدد الإدارة الجديدة سياستها بشأن القضايا الخارجية.

المعاني والتوصيات

تواجه دولة “إسرائيل” بقيادة نتنياهو منعطف حاسم تاريخي لتعزيز اتفاق السلام مع أهم دولة في العالم العربي والإسلامي، وهذا اتفاق سيغير التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط لسنوات عديدة قادمة، ولذلك، أولا وقبل كل شيء، يقترح أن يعلن رئيس الوزراء عن إلغاء كامل لخطوات لتغيير النظام القضائي من أجل وقف تآكل القوة الاستراتيجية الشاملة لـ “إسرائيل” وإعادة العلاقات مع الإدارة الأمريكية إلى مسارها الطبيعي.

نظراً للتداعيات الاستراتيجية للاتفاق، فإن “الحكومة الإسرائيلية” مطالبة بإجراء دراسة متعمقة مع الجهات ذات الصلة في البلاد للفوائد والمخاطر الموجودة في طلبات ولي العهد السعودي، من الناحية العملية، يجب على الحكومة التأكد من حفاظ الولايات المتحدة على التفوق النوعي الذي يتمتع به “جيش العدو الإسرائيلي” والتأكد من إنشاء آليات أمنية كافية لتشديد الرقابة والقيود على البرنامج النووي المدني الذي تطمح المملكة العربية السعودية إلى إنشائه.

 وفي هذا السياق، يجب على “إسرائيل” أن تعارض أي خطة من شأنها أن تسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، نظرا للمخاطر الكثيرة الكامنة في ذلك، وكما ذكرنا، الخوف من أن يؤدي ذلك إلى اختراق الحواجز وسباق نووي في الشرق الأوسط.

معهد السياسات واستراتيجية /الدكتور هار تسفي

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي