أخبارتقارير و دراسات

إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب “الجُزء الخامس”

✍️ أ . عبد الله أمين الخبير العسكري والأمني

تحدثنا في الأجزاء السابقة عن إجراءات الدولة ومسارت عملها في إعداد نفسها للحرب أو الدفاع ، وقد وصل بنا المشوار إلى الحديث عن المتطلبات المادية والمتطلبات النفسية الواردة تحت عنوان الإعداد المطلوب للقوات المسلحة التي تعد درع الوطن وأدات الدفاع عنه والذود عن حياضه ،حيث سنتحدث عن تلك المتطلبات ــ المادية والنفسية ـ بشكل مقتضب وسريع دون إيجاز مخل أو إطناب ممل .

أولاً : المتطلبات المادية :
1. التسليح ــ تأمين ، تخزين ، توزيع ــ :
في مسار بناء القوات وإعداد الدولة للحرب أو الدفاع ؛ يولي المسؤولون عن الجهد التعبوي والفني أهمية لتحديد منظومات الأسلحة المطلوب امتلاكها في مختلف صنوف واختصاصات القوات المسلحة ، من حيث الكميات والنوعيات ، من ثم ترفع هذه الكشوف إلى وزارة الدفاع كونها المعنية بمخاطبة الجهات المانحة أو البائعة ؛ لارتباط هذا الأمر ـ الشراء أو المنح ـ باعتبارات سياسية بحتة وليست فنية صرفة ، ومن ثم تقوم جهات الاختصاص بتأمين عمليات وآليات التخزين والحفظ والتوزيع .
2. وضعه ـ السلاح ـ ضمن منظومات عمل : كما يقع على عاتق جهات الاختصاص العمل على امتلاك منظومات السلاح وأداوت القتال التي تتناغم مع بعضها البعض ، ويسد أحدها عجز الآخر ويؤمن له الإسناد الفني والعملي ، فليس صحيحاً أن مجرد امتلاك السلاح بغض النظر عن نوعة أو منشأه هو نقطة قوة ؛ فمنظومات الأسلحة تشبه إلى حد كبير نظام عمل اعضاء الجسم ؛ ينسجم و يتناغم بعضها مع بعض، وفي حالة إضافة أي عضو خارجي لا يشبه الجسم أو المنظومة ؛ فإنه لا يلبث أن يشذ عن المجموع العام مسبباً أضراراً جانبية لا يمكن تحملها.

3. الإدامة والإمداد والتأمين :
وفي السياق نفسه ؛ فإن من أهم الأمور المرتبطة بعمليات التسليح ؛ هي عملية الإدامة ، وعدم الانقطاع وتعويض ما ينقص من الأسلحة والعتاد ؛ إن بسبب المناورات والتدريب أو بسبب العمليات العسكرية أو انتهاءً للصلاحية . وحتى تخرج الدول من دائرة الارتهان ، فإنها تعمد في العادة إلى التفاهم مع الدول التي تؤمن من خلالها ما تحتاج من سلاح على تأمين خطوط انتاج ذخائر هذه الأسلحة وعمليات صيانتها ، وبهذا الأمر تكون الدولة قد دخلت في مسار التحرر الكامل من التبعية التسليحية للدولة المرسلة ؛ حتى لو كانت صديقة أو حليفة .

4. شؤون الاعاشة ــــ الطعام والوقود ـــ :
قديماً نسب إلى نابليون أنه قال : أن الجيوش تزحف على بطونها ، وحديثاً ينسب إلى الجنرال باتون واضع أساس سلاح المدرعات الأمريكية والذي تسمى فخر الدبابات الأمريكية باسمه أنه كان يقول : مهمة الجندي أن يأكل ويقاتل ، لذلك فإن الجهات المعنية بالسهر على القوات المسلحة لا بد لها من أن تعمل على تأمين قواتها المسلحة بمختلف صنوف الطعام الصحي والمغذي والمولد للطاقة ، وليس مجرد حشو الجندي بما هب ودب ؛ على اعتبار أنه جندي وعليه تحمل شظف العيش وخشنه ، وهنا تفتح القوات المسلحة بالتنسيق مع مختلف الأجهزة الإدارية للدولة خطوط علاقاتها مع مختلف الجهات المحلية التي تستطيع أن تؤمن ما يلزم من غذاء وماء لعديدها ، كما تقوم بامتلاك ما يكفيها من مستودعات ومضخات الوقود والطاقة على اختلاف أنواعه ، فكما أن الجنود تزحف على بطونها ، فإن الآليات تدور بمحركاتها ، وإلا غدت قطع من الحديد لا تسمن ولا تغني من جوع .

5. وسائل وتجهيزات إعداد الطعام من مطابخ ثابتة وميدانية :
قد يظن البعض أن هذه الأمر من التفاصيل التي يجب أن لا تنشغل فيها القوات المسلحة عن عظائم الأمور من تسليح وتدريب وتأمين للعديد البشري ، ويغفل هؤلاء أن هذه القوات التي تريد أن تقاتل ؛ إن لم تجد ما تملأ به بطونها من طعام وغذاء فإنها لن تقوى على السير على أقدامها لتحقيق أهدافها من تأمين مصالح أو دفع أعداء ، ويركن البعض إلى المقولة التي تلقى على عواهنها والتي تقول : (عسكري دبر راسك ) ، وهنا نشير إلى أن على العسكري أن يكون ذو ملكات وقدرات ومهارات يستطيع من خلالها أن ( يدبر رأسه ) ولكن هذا بعد أن تكون قيادته والمسؤولين عنه قد أمنوا له ما يستطيع من خلاله أن يحقق أهدافه ؛ثم يركن إلى ما تدرب عليه من فنون ومهارات ليدبر نفسه ورأسه في الظروف الصعبة . إن امتلاك التجهيزات المناسبة لإعداد الطعام والشراب وتهيئه بالشكل الصحي وإيصاله إلى مستحقيه من مقاتلين إنما هو بمثابة عملية الإمداد التي تقوم بها الشرايين والاوردة الدموية التي تمد من خلالها اعضاء الجسم بمتطلبات الحياة ، وهنا لا بأس من الإشارة بشكل سريع إلى أن نسبة الذيل ( قوات الدعم الإداري ) للأسنان ( القوات المناورة ) في حرب الخليج الأولى 1992 بلغت في بعض مراحلها نسبة 5 : 1 بمعني أن كل جندي مقاتل في الجبهة كان يحتاج إلى خمسة جنود في المؤخرة لتأمين ما يحتاج من مقومات الصمود الإدارية ، وليس القتالية .

6. آليات إيصال : كما يطلب من الجهات المعنية بتجهيز القوات المسلحة وإعدادها للقتال ؛
أن تمتلك من أدوات وتجهيزات إيصال المتطلبات المادية للقوات المسلحة ؛ ما يمكن من خلاله أن توصل ما تريد متى تريد إلى من تريد وبشكل آمن كل ما يحتاج .وآليات الإيصال قد تتعدد وتتنوع بدأ من وسائط النقل الجوي بمختف أنواعها مروراً بالوسائط البحرية ؛ الثقيل منها والخفيف وانتهاءً بالبرية منها والتي قد تتعدد لتصل إلى الدواب ، حيث ما زلنا نرى أن الجيشين الهندي والباكستاني ما زالا يستخدمان الدواب في إيصال مختلف صنوف الإمداد لقواتهما المرابطة في أعالي جبال كشمير ، بل أكثر من ذلك فإن الجيشين المشار لهما بالإضافة إلى ما يعقدانه من دورات في تدريب جنودهما على قيادة الآليات والمركبات ؛ فإنهما أيضاً يدربونهم على كيفية الرعاية والتعامل مع الدواب ؛ من خيل وبغال وبعض أنواع الثيران المستخدمة في عمليات النقل الجبلي ، كما وتمنحها رتباً عسكرية ؛ ما دون رتبة ضابط ،كما تمنح بعض الجيوش الكلاب البوليسية العاملة في صفوفها رتباً عسكرية تقديراً لجهودها وما تقوم به من خدمات .

ثانياً : المتطلبات النفسية :
كل ما ذكر كان في الشؤون المادية المطلوب العمل على تأمينها وترتيب وسائط إيصالها للجنود في ثكناتهم أو جبهاتهم ، إلا أن امتلاك المتطلبات المادية للجنود لا تكفي من أجل رفع كفاءتهم القتالية وتحويلهم إلى محترفين في مهنهم ، حيث لا بد من إيلاء الناحية النفسية للجنود بالغ الأهمية ، فمعنويات المقاتل في الجبهة هي التي تعوض ما ينقصه من وسائل ووسائط قتال ، والمعنويات كما كان يقول نابليون تمثل ثلثي معادلة النصر في القتال ، وهنا نشير بشكل مقتضب وسريع لأهم الأمور التي تساعد على رفع الروح المعنوية للمقاتل ، ونترك تفصيل الأمر لأصحاب الاختصاص النفسي في علم النفس العسكري ليدلوا بدلائهم ، وفي هذا السياق مطلوب من قيادة القوات المسلحة أن تقوم بــــ :

1. إيجاد الدافع والحافز :
يجب على قيادة القوات المسلحة بمختلف رتبها ومرتباتها العمل على إيجاد الدافع والحافز لدى الجنود من أجل القتال ؛فإن امتلكت الدولة الموارد المالية لإنشاء الجيوش ؛ يجب عليها أن لا تنسى أن هذه الموارد المالية لا يمكن أن تجعل منهم مقاتلين محترفين ، وقديماً قيل : أنك تستطيع أن ترسل الحصان إلى النهر ، ولكنك لا تستطيع إجباره على شرب الماء ، فقد نستطيع أن نجند ونجهز ونطعم و … الجنود ، ولكن لا يمكن أن تجبرهم على القتال ، فالحرب في مستواها الفردي عبارة عن صراع بين شخصين يواجه أحدهما الآخر ، وما لم نزود جنودنا بدافع القتال فإنهم لن يقوموا بالتضحية بنفوسهم ، وأهم ما يمكن أن يوجد الدفاع والحافز للقتال هو امتلاك الجندي لقضية محقة يدافع عنها ويراها ــ القضية ـ متمثلة بقيادة تقوده من الأمام ؛ تضحي قبل أن يضحي . وفي هذا تفصيل يطول شرحه ، نختصره بالقول أن الجاهزية العسكرية ما هي إلا قدرة ورغبة ، والقدرة جئنا على ذكرها ، والرغبة نختصر القول فيها بأنها : ثقة ودافع واستمرارية ، وكلها من مهام القيادة التي يجب أن تعمل على إيجادها وتنميتها لدى المقاتل .

2. تأمين المتطلبات اليومية :
ومن الأمور التي تساعد على رفع الروح المعنوية لدى الجنود ، واكسابهم الصحة النفسية التي تمكنهم من خوض غمار المعارك بكفاءة وحرفية ؛ تأمين متطلباتهم اليومية من غذاء ودواء ووسائل راحة يستطيعون من خلالها تفريغ الشحنات السلبية التي قد تملؤهم أثناء القتال والتدريب ومشاهدة الدماء والأشلاء ، فجهاز الهاتف الآمن الذي يتصل به الجندي مع أهله وأبنائه ليس تفصيلاً لا تجب ملاحظته ، وملعب كرة القدم أو النادي الرياضي أو طاولة التنس قد يكون لها من الأثر في وقت السلم ما للطائرة من أثر في وقت الحرب .

3. تأمين البيئة الداخلية للمقاتل :
ومن الأمور المهمة في المتطلبات النفسية ؛ تأمين البيئة الداخلية للمقاتل ؛ حيث أهله وعائلته ، فما لم تكن الجبهة الداخلية التي تضم الشق المدني لحياة المقاتل مؤمنة ؛ فإنه ـ المقاتل ـ سيعاني من ضغط نفسي غير طبيعي ناتج عن حالة عدم الأمن الناتج عن خطر عمليات التدريب والتأهيل أو الاشتباك مع العدو ، وكذلك من خوفه على عائلته وأهل بيته . و التأمين هنا يشمل كل مناحي حياة المقاتل المدنية ؛ قبل وأثناء وبعد التحاقه في الخدمة العسكرية ، فطبابة أهله ومدرسة أولاده وضمان أن لا يضيع ـ أهله وذووه ــ أو يتوهوا أثناء خدمته وغيابه عنهم ، أو بعد انتهائه من خدمته الفعلية ؛ كلها أمور تساعد في استقراره النفسي الذي ينعكس على كفاءته القتالية أثناء تأديته واجباته الوظيفية .

4. كفاءة وإدامة التدريب والتسليح :
إن اطمئنان المقاتل لكفاءة عمليات التدريب وإدامة التسليح من الأمور التي ترفع السوية النفسية عنده ، فعندما يطمئن المقاتل إلى أن ما يُمد به من أدوات قتال ؛ مباشرة أو مساندة ، تفي بغرض دفع التهديد الذي انتدب من أجله هو ورفاقه في السلاح ، وأن مناهج التدريب ؛ النظرية منها والعملية ملائمة أيضاً لدفع ذاك التهديد ، فإنه يركن إلى حصن حصين ، حيث أن المقاتل الذي يبذل جهده على الصعيد الشخصي في الحفاظ على لياقته وصحته البدنية والنفسية ؛ لا بد له من أن يطمئن إلى أن الطرف الآخر وهو القيادة المسؤولة عنه ، تبذل قصارى جهدها في تأمين ما يساعد في استكمال كفاءته وجاهزيتة القتالية والنفسية من خلال ما تؤمنه له من إمداد بأدوات القتال ووسائطه .

الأمن الوظيفي والاستقرار المهني :

وعلى القيادة العسكرية ومن أجل الحفاظ على الصحة النفسية للمقاتلين أن تقوم بالحاق كل منهم بما يلائمه ويقدر عليه من أعمال ، وأن تضع كلاً منهم في مجال الاختصاص الذي يبدع ويجد نفسه فيه ، حيث يشعر المقاتل بالأمن الوظيفي وأن له أسرة وظيفية ينتمي لها ، فكثرة التنقل من مكان إلى مكان ومن تخصص إلى آخر ؛ تجعل المقاتل في حالة من الضياع وعدم الاستقرار النفسي ، حيث يرى نفسه غير مثمر أو منتج ، ولا يرى حصيلة ما يقوم به من أعمال أمام عينيه كمنجز باد للعيان .
كان ذلك ما اتسع له المقال ــ حتى وإن طال ــ في أهم ما يتعلق بالإعداد المادي والنفسي ، على أن نختم هذه السلسلة في مقالها النهائي في الحديث عن المتطلبات التعبوية لإعداد القوات المسلحة للحرب أو الدفاع .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق