أخبارمقالات إستراتيجية

السلطة تلعب في ملعب التطبيع بين السعودية والكيان

ترجمة الهدهد

تعمل الإدارة الأميركية على تنفيذ مبادرة إقليمية تتضمن عنصر التطبيع “الإسرائيلي” السعودي، حتى الآن، انصب الاهتمام الإعلامي في الكيان بشكل أساسي على المطالب السعودية من الولايات المتحدة مقابل الموافقة على التطبيع مع “إسرائيل”، والتي تشمل اتفاقية دفاع أميركية سعودية، التصريح بتشغيل دائرة وقود نووي كاملة في أراضي المملكة، وبيع أسلحة أمريكية متطورة للسعودية، ويتبين أن هناك عنصرا آخر في المبادرة الناشئة وهو “الرزمة الفلسطينية”، غرضها الأساسي الخروج من المأزق السياسي في الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني وإحياء حل الدولتين.

ليس من الواضح حتى الآن ما الذي تتضمنه “الرزمة الفلسطينية” وما هو وزنها ضمن المبادرة الأوسع، رئيس حكومة العدو “بنيامين نتنياهو” نفسه، في إشارة إلى مسألة التطبيع مع السعودية، قلل من أهمية القضية الفلسطينية بالنسبة للسعوديين، وكذلك العديد من كبار المسؤولين “الإسرائيليين.

لكن يبدو أن القضية الفلسطينية ستحتل مكانة مركزية في التطبيع بين الكيان والسعودية، مقارنة بـ«اتفاقيات إبراهام».

ويرجع ذلك إلى التوقعات السعودية من “إسرائيل” والولايات المتحدة بشأن القضية الفلسطينية والتزامهما بحل الدولتين.

موقف السعودية…

من المسلم به أن المملكة العربية السعودية أبدت على مر السنين اهتماما محدودا نسبيا بالصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني، كما أظهرت شعورا بالاشمئزاز من التعامل مع هذه القضية، وعلى وجه الخصوص، النفور من سلوك القيادة الفلسطينية – كلا القيادتين، السلطة الفلسطينية وقيادة حماس في قطاع غزة. لكن الرياض أكثر التزاما بالقضية الفلسطينية مقارنة بأبو ظبي، بسبب مكانة السعودية ودورها كزعيمة للمنطقة العربية والإسلامية (السنية)، كونها “حارسة الأماكن المقدسة” وادعائها قيادة التحركات الإقليمية، فالعائلة المالكة والملك سلمان نفسه (وهو “أكثر “ولاء” للفكرة الفلسطينية من ابنه ولي العهد ) مضطرون إلى الاستماع إلى أصوات المعارضين للتطبيع وفق “اتفاقات إبراهام” (نحو 80 % من المواطنين السعوديين)، وإلى المؤسسة الدينية (رغم تقليص صلاحياتها)، وأيضاً إلى مشاعر الشارع العربي بشكل عام.

والدليل على ذلك، أن السعودية تقدم الترويج للحل السياسي للصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني كشرط للتطبيع معها، وهي تلتزم رسميا بتحقيقه استنادا إلى معايير «مبادرة السلام العربية» المستندة إلى المبادرة السعودية، وذكر كبار المسؤولين في المملكة أنه بالنسبة للسعودية، فإن المبادرة هي أساس للمفاوضات وليست إملاء، لذلك، من المقدر أن تتوقع الرياض تغييرات من جانب كيان العدو تجاه الفلسطينيين، ستتمكن من تسجيلها كإنجاز حقيقي لتعزيز حل الدولتين، ولو بشكل تدريجي، ر وفي كلمة ألقاها ولي العهد محمد بن سلمان، أمام اجتماع دول الجامعة العربية في مايو/أيار 2023 في الرياض، أكد أن “القضية الفلسطينية على رأس جدول أعمال المملكة”، مع الإشارة إلى المبادرة العربية و القرارات الدولية الأخرى ذات الصلة بهذا الشأن.

صحيح أن المسؤولين في المملكة يتحدثون بصوتين، إن الاختلاف في الفروق الدقيقة بين القيادة السعودية – بين ولي العهد ووالده الملك، أو وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وحتى بين التصريحات المختلفة في أوقات مختلفة وأمام جماهير مختلفة – يسلط الضوء على الخلاف في قيادة البيت الملكي وربما أيضًا الرغبة في الحفاظ على الغموض ومساحة للمناورة السياسية، وذلك من أجل تمكين المملكة من اتخاذ خطوات اندماجية مدروسة تجاه إسرائيل اقل من طلب إقامة الدولة الفلسطينية، مع التكيف والحفاظ على المرونة بحيث لا تشكل القضية الفلسطينية عائقاً أمام التطبيع مع الكيان والحصول على المقابل من الولايات المتحدة.

منذ تشكيل الحكومة الحالية في الكيان وعلى خلفية التصعيد الأمني ​​الذي تشهده الساحة الفلسطينية وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، تزايدت بشكل كبير حجم وشدة الإدانات من السعودية تجاه سياسات حكومة نتنياهو وتجاه تصريحات الوزراء الإسرائيليين، مع التركيز بشكل خاص على اقتحام “بن غفير” إلى المسجد الاقصى، ويعتبر هذا التطور دليلاً على رغبة المملكة في زيادة انخراطها في القضية، وفي الوقت نفسه إشارة لحكومة العدو بأن حريتها في العمل على الساحة الفلسطينية محدودة.

إن التعيين الأخير لسفير سعودي غير مقيم لدى أراضي السلطة الفلسطينية، والذي سيعمل أيضًا كقنصل في القدس الشرقية، وكذلك إعادة تحويل الميزانية إلى المستشفيات في القدس الشرقية، هي إشارات أخرى للكيان، وكذلك للأردن والسلطة الفلسطينية، أن السعودية تنوي زيادة انخراطها في القضية الفلسطينية وربما حتى في المسجد الأقصى، كما حاولت الرياض، ولو بشكل عملياتي منخفض، تعزيز المصالحة/الوحدة بين السلطة الفلسطينية وحركة فتح وحماس.

الموقف الفلسطيني

ويبدو أن قيادة السلطة ومنظمة التحرير قد تعلمت الدروس من معارضتها الحازمة لـ “اتفاقيات إبراهام”، وهي الآن مستعدة للقيام بدور فعال في التحركات التي تعزز التطبيع السعودي “الإسرائيلي”، ولم تحصل السلطة على أي فائدة من رفضها المشاركة في المبادرات الإقليمية التي انطلقت على أساس “اتفاقيات إبراهام”.

سبب آخر لسلوك القيادة الفلسطينية الذي لا يستبعد التطبيع هو المكانة الرفيعة للسعودية في الفضاء الإقليمي والإسلامي: التطبيع بين السعودية والكيان دون مكون فلسطيني مهم سيزيد من إضعاف الموقف الفلسطيني ويدفع بالقضية الفلسطينية إلى هامش الترتيبات الإقليمية.

ومن وجهة نظر قيادة السلطة، فإن الانضمام إلى محادثات التطبيع “الإسرائيلي” السعودي هو أيضًا وسيلة لكبح جماح تحركات حكومة العدو، التي يُنظر إليها على أنها تهدف إلى إلغاء خيار الدولتين، فضلاً عن ذلك فإن المشاركة في عملية إقليمية واسعة النطاق لابد وأن توضح أهمية السلطة الفلسطينية، التي بدأت تفقد شرعيتها وتفقد نهج التسوية الذي تتبناه.

مقارنة بالشرعية المتزايدة لدى الفلسطينيين لمفهوم “المقاومة” التي يتبناها معارضو السلطة، وخاصة حماس، وكتعبير عن تغير الموقف، التقى محمود عباس في نهاية شهر يوليو/تموز مع الفصائل الفلسطينية في مصر في محاولة فاشلة لتعزيز المصالحة والوحدة؛ وفي بداية أغسطس التقى بالملك الأردني عبد الله ثم عقدت قمة تنسيقية ثلاثية بين الملك عبد الله والرئيس المصري السيسي وعباس.

إن استعداد قيادة السلطة الفلسطينية للعب في ملعب التطبيع يشير إلى محاولتها اغتنام الفرصة وتشكيل مساحة فلسطينية محدثة، بل واستعدادها لتأطيرها في اتفاق انتقالي/مؤقت مع الكيان، كوسيلة لتسوية مستقبلية على أساس حل الدولتين، إن المشاركة في عملية التطبيع، إذا اكتسبت زخماً، ستمنح السلطة تأثيراً على تصميم أو صياغة العملية، وتحسن موقفها في الداخل والخارج، بل وتزيد من قدرتها على الحصول على مقابل والتزامات من كل من “إسرائيل” والسعودية.

المعاني بالنسبة لـ”إسرائيل”..

التطبيع مع السعودية سيحسن بشكل كبير من مكانة كيان العدو الاستراتيجية الإقليمية والدولية، وله القدرة على إحداث تحولات متعددة من قبل تجاهها، ومع ذلك، من أجل دفع التطبيع، سيُطلب من حكومة العدو إعلان الالتزام بحل الدولتين للصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني، وبمبادئ المبادرة العربية، وتجنب الضم من جانب واحد، والحفاظ على سلطة فلسطينية فاعلة، وإذا تلخصت وانتهت المطالب من “إسرائيل” بهذا الشكل، سوف يتعزز مفهوم “اليمين الإسرائيلي”، والذي بموجبه لا توجد حاجة لاتفاق على الساحة “الإسرائيلية” الفلسطينية من أجل إقامة علاقات رسمية مع غالبية العالم العربي، وأن “إسرائيل” تستطيع عمليا (وليس بالضرورة رسميا) مواصلة ضم الضفة وليس هناك جهة ستوقفها.

لكن يبدو أن المستوى التصريحي لن يرضي البيت الملكي السعودي وإدارة بايدن، لذلك، من أجل إقامة التطبيع، سيكون مطلوباً من الكيان “حزمة فلسطينية” تشمل إجراءات فعلية مثل: تجميد توسيع المستوطنات وإخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية ومناطق الرعي في الضفة الغربية، وتجنب دخول قوات جيش العدو إلى المنطقة (أ) الخاضعة لسيطرة السلطة، أو على الأقل تقليصها؛ و تعزيز السلطة وتوسيع نطاق عملها والحفاظ على الوضع الراهن في المسجد الاقصى مع التركيز على حظر صلاة اليهود في المسجد، وسيُطلب من قيادة السلطة إعادة سيطرتها، خاصة في شمال الضفة الغربية، سحب الدعاوى القضائية المرفوعة ضد كيان العدو في المحاكم الدولية في لاهاي، وسيُطلب من إدارة بايدن الوقوف على التزاماتها السابقة تجاه الفلسطينيين بإعادة فتح مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وعودة القنصلية الأمريكية للشؤون الفلسطينية في “القدس الشرقية”.

ويبدو أن الجزء السعودي من “الحزمة” سيكون عبارة عن مساعدات مالية كبيرة، تنقذ السلطة من الإفلاس وتقدم مشاريع لتحسين الاقتصاد وإمدادات الطاقة والمياه وتوفير فرص العمل ونسيج الحياة للفلسطينيين.

حكومة العدو، بالتأكيد في تركيبتها الحالية، ستجد صعوبة في توفير هذه المكونات في “الرزمة الفلسطينية”، ليس هذا فحسب، فمن الممكن أن يصل مستوى المطالب من الكيان فعلياً إلى المطالبة بنقل مناطق من المنطقة (ج) الواقعة تحت سيطرة “إسرائيل” إلى سيطرة ومسؤولية السلطة، وذلك كدليل على تغير اتجاه من قبل حكومة العدو، من تنفيذ خطوات “الضم الزاحف” إلى تهيئة الظروف لتسوية مستقبلية على أساس مفهوم الدولتين.

ينبغي النظر إلى اتفاق التطبيع الناشئ على أنه فرصة لإنقاذ الكيان (غير القادر على إنقاذ نفسه) من المنحدر الحاد الذي ينزلق عليه نحو واقع “الدولة الواحدة” (وهو الوضع الذي يعارضه غالبية الجمهور في الكيان)، ولتحقيق هذه الغاية، من الضروري تعزيز ترتيب انتقالي مع السلطة، يتمحور حول نقل أكثر من مناطق رمزي، أي 15-30% من المنطقة (ج)، إلى سيطرة السلطة، إلى جانب تجميد البناء في المستوطنات خارج الكتل الاستيطانية وشرق مسار الجدار الفصل العنصري، إضافة إلى إزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية.

إن الهدف من تحصين صورة الكيان اليهودي والديمقراطي والآمن، هو وقف الانجراف نحو واقع “الدولة الواحدة” من خلال إجراءات الانفصال السياسي والجغرافي والديموغرافي عن الفلسطينيين، إن الترتيب الذي يتضمن نقل الأراضي إلى السيطرة الفلسطينية من شأنه أن يزيد من المطالب التي يريدها كيان العدو من المملكة العربية السعودية ويفتح الباب أمام اندماجه في المنطقة، لكنه لن يكون ممكنا إلا بشرط تغيير تشكيلة او تركيبة حكومة العدو.

المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي/ يوئيل جوزانسكي / أودي ديكال

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي