أخبارمقالات إستراتيجية

قراءة في الموقف والدلالات التعبوية

المقذوفات القوسية في الضفة الغربية

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

أولاً: الموقف

تجدد محاولات إطلاق صواريخ من شمال الضفة الغربية؛ وتحديداً من محيط مدينة جنين، حيث شهدت المنطقة مؤخراً ثلاث محاولات إطلاق صواريخ بدائية الصنع باتجاه مغتصبة “رام أون” القريبة من مدينة جنين، ولكن لم تصل تلك الصواريخ إلى أهدافها، الأمر الذي رفع منسوب التخوف لدى أجهزة العدو الأمنية والعسكرية، من أن هناك بداية تحول في امتلاك وتشغيل قدرات نارية من قبل فصائل المقاومة قد بدأت تلوح نذره في الأفق، مما يعني أن رحلة (الألف ميل) قد بدأت.

وأنهم -العدو- قد يجدون أنفسهم أمام موقف يشبه ما واجهوه، ويواجهونه الآن في غزة؛ إن هم غضوا الطرف عن هذا الأمر، أو تعاملوا مع هذه المحاولات بخفة واستهزاء، أو نظروا إلى هذه الصواريخ على أنها ألعاب نارية أو (صواريخ عبيثه) كما سماها بعضهم، لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنها غير قادرة على رسم معادلات وفرض نهايات، وإذا بها -الصواريخ- في غزة تدلك مغتصباتهم، وتصل مدننا المحتلة في مناطق 48، وتحيل أمنهم إلى رعب، وحياتهم إلى ضنك.

مشيرين هنا إلى أن هذه المحاولات الأخيرة، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ فقد حاول المقاومون إطلاق صواريخ من شمال الضفة الغربية مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000، وعاودوا الكرة في شباط عام 2002 إبان حملة “السور الواقي” التي شنها العدو على مدن الضفة وقراها.

وفي عام 2005 اعترف العدو بأن هناك جهوداً متزايدة لتأسيس بنية تحتية بالضفة لتصنيع وإطلاق الصواريخ، فقد تم -حسب زعم العدو- في تلك الفترة إحباط 8 خلايا منها 4 لحماس و4 للجهاد وفتح، خططت وحاولت أن تقوم بتطوير قدراتها في هذا المجال.

إذاً فمحاولات الاطلاق الأخيرة لم تكن (مقطوعة من شجرة)، وليست منبتة عن سياق عام للمقاومة؛ وإنما هي امتداد لمحاولات سابقة بدأت؛ ولا نظن أنها ستتوقف إلى حين بلوغها أهدافها المرجوة.

وهنا تأتي هذه الورقة لتقرأ دلالات هذه الموقف، وتقترح تصوراً لمتطلبات التطوير والإدامة، ثم تختم بمجموعة من التوصيات، لنكون بذلك قد شاركنا ولو بجهد المقل في هذه المسيرة المباركة، والتي ستختم بالنصر والفتح المبين، “ويسألونك متى هو، قل عسى أن يكون قريباً”.

ثانياً: الدلالات التعبوية

إن التدقيق في الموقف السابق، وبحث جزئيات المشهد الكلية؛ منذ بدأت فصائل المقاومة محاولات امتلاك قدرات نارية قوسية في الضفة الغربية، وصولاً إلى ما تم في الأشهر الأخيرة من معاودة كرة الإطلاق، يسوقنا إلى استنتاج مجموعة من الدلالات السياسية والتعبوية، يمكن إجمال أهما بما يأتي:

  1. وجود قرار سياسي مستعد لتحمل أكلاف هذه النقلة النوعية

إن أول الدلالات الممكن تصورها من تلك المحاولات هي: وجود قرار سياسي بامتلاك هذه القدرات النارية؛ تُرجم على صورة تخصيص جزء من القدرات المالية والفنية لتحقيق هذا الهدف؛ بغض النظر عن الأكلاف الأمنية والسياسية الممكن تصورها من قبل هذه العدو، والتي ستترجم -الأكلاف- بحملات مطاردة وتعقب لكل من يقف خلف هذه النشاطات والفعالات؛ بغض النظر أكان من أهل الداخل، أو مستقر في الخارج، ممن يساهمون في بناء وتطور هذه القدرات، ورفد الميدان بالمعارف والخبرات.

  1. وجود بنى تحتية وأصول بشرية قادرة على الدخول في هذه المربعات العملياتية

الدلالة الثانية هي: وجود بنى تحتية، وأصول بشرية وفنية، قادرة على قبول تحدي العمل في هذا المربع، وتأمين متطلبات النجاح في امتلاك هذا النوع من القدرة وتطوريها، في سباق مع الزمن العدو، وصولاً إلى مرحلة ما يسمى عملية الاستقرار في الإنتاج، والمطلوبة لتصبح هذه القدرات النارية تهديداً ذو مصداقية على العدو ومغتصباته ومغتصبيه في الضفة الغربية، وغلاف مدنها، في عمق أراضينا المحتلة عام 48.

  1. وجود جهات تخصصية وفنية داعمة وراعية ومواكبة لهذه الانعطافة النوعية

كما أن من دلالات هذه التطور النوعي في استخدام المقذوفات القوسية في الضفة الغربية؛ وجود جهات تخصصية؛ فنية وإدارية تقف خلف هذه العمل، وتلك الجهود، قادرة على تطوير هذه القدرات والنهوض بها، وتأمين المتطلبات الفنية والبشرية لتحسينها، الأمر الذي يقلق العدو، ويضعه أمام حائط مسدود، وعدم قدرة على جز (عشب) هذه القدرات، لكون جذورها ممتدة -شمالاً وجنوباً وشرقاً-، وغير قبالة للقلع أو النزع.

  1. بداية تشكيل تهديد ذي مصداقية على الأصول الاستراتيجية المعادية المنتشرة في منطقة الضفة الغربية

لقد كان “العدو الإسرائيلي” وما زال يتعامل مع القدرات الصاروخية في غزة على أنها مشكلة إستراتيجية، وتهديد يمكن التعامل معه بطرق مختلفة؛ لا تبدأ بضرب مراكز ثقلها؛ تصنيعاً وتطويراً وتشغيلاً، ولا تنتهي بتقيدها عبر معادلات سياسية وقواعد اشتباك عسكرية، تحد من تهديدها، ولكنه على لسان كبار قادته الأمنيين والعسكريين قال سابقاً، ويقول الآن: “إن هذه القدرات إذا وصل 10% منها إلى الضفة الغربية؛ فإنه سوف يكون أمام معضلة إستراتيجية تتطلب تعبئة كامل القدرات، وتخصيص مختلف الإمكانيات -الأمنية والعسكرية والمدنية- للقضاء على هذا التهديد قبل بلوغه حد اللا عودة”، وشبه عن طوق السيطرة، الأمر الذي يتطلب منا -في حركات المقاومة والمحبين لها والداعمين-، قبول هذا التحدي، ومنع العدو من تحقيق هدفه بالقضاء على هذه القدرات ومن يقف خلفها، لتتمكن المقاومة من امتلاك ما يتطلبه الميدان من هذه القدرات، كماً ونوعاً وقدرة تدميرية.

  1. وجود قدرات تأمين وحماية معقولة للحفاظ على الأصول البشرية والفنية لهذه القدرات القتالية

إن تكرار محاولة الإطلاق أكثر من مرة، ومن نفس المربع الجغرافي، يشي بأن الجهات العاملة في هذا المجال، لديها من الدراية والقدرة والاحاطة الأمنية، والمعرفة الجغرافية بمحيط عملها تحركها، وديموغرافية وجودها، ما يُمكّنها من الحفاظ على الذات والقدرات؛ تصنيعاً وإنتاجاً وتشغيلاً؛ مرة بعد أخرى؛ في جهد يراكم خبرات، ويحقق الإنجازات؛ ستصل مع الأيام إلى مستوى محترم يرفع له العقال، ويصنع تهديداً ذو مصداقية على العدو، وتوقفه (البعيد) على رجل ونص.

  1. تهديد كامل العمق الفلسطيني بامتلاك مديات ممكن الوصول لها

إن أهم دلالات هذا الموقف هو القدرة على تهديد كامل عمق العدو، ومراكز ثقل العدو البشرية والاقتصادية والسياسية، بأقل الجهود، وأقصر المديات، فأبعد مدننا – أريحا – تفصلها عن منطقة “غوش دان”، والتي تمثل أهم مركز ثقل بشري للعدو، تفصلها عنها مسافة لا تتجاوز 67 كلم، مما يعني أننا لا نحتاج إلى إمكانيات كبيرة جداً لامتلاك قدرات تصنيعية وتشغيلية، تهدد أصل وجود هذا الكيان المؤقت، أما قلقيلية فلا تبعد سوى 21 كلم، ومدن مثلث الرعب في الشمال حيث نابلس وجنين وطولكرم، فتبعد بالترتيب عن تل الربيع مسافات 48 و 65 و35 كلم، والخليل بخزانها البشري والعشائري والتنظيمي، فلا تبعد عن تل ربيعنا سوى 65 كلم.

  1. إمكانية عالية للمناورة العملياتية عند تشغيل هذه القدرات النارية

إن المسافات القصيرة لمدننا في الضفة الغربية عن مركز ثقل العدو البشري والسياسي والاقتصادي في “تل أبيب”، يعني أن ما هو مطلوب من قدرات نارية من حيث الحجم والوزن، لتحقيق التهديد على العدو، يمكن المناورة به وتشغيله بإمكانات بشرية قليلة، وتحضيرات أولية غير معقدة، مما يوفر عامل أمن، وهامش سلامة، عالية للجهات المشغلة، وهذه ميزة غير متوفرة في كثير من ساحات الاشتباك مع هذا العدو، لا في غزة جنوباً أو في لبنان شمالاً.

هذه بعض دلالات هذا الموقف الذي نحن في صدده، أما عن متطلبات التطوير والاستدامة، فإننا سنأتي عليها في العنوان التالي.

ثالثاً: متطلبات التطوير والاستمرارية

  1. قاعدة معلومات وبيانات فنية وجغرافية وديموغرافية

إن أهم متطلب من متطلبات الاستدامة والتطوير هو: امتلاك قاعدة بيانات فنية ومعرفية وجغرافية، تُعنى الأولى -القاعدة الفنية والمعرفية- بتطوير هذه القدرات، وترتبط الثانية بجغرافيا التشغيل، التي يجب أن تُعرف بشكل دقيق، لما تؤمنه هذه المعرفة من تحديد للمدى والنوع المطلوب امتلاكه، فضلاً عن معرفة محيط العمل الديموغرافي الذي يساعد في رعاية أصل التأمين المطلوب للحفاظ على هذه القدرات الفنية والأصول المادية والبشرية المنتجة والمشغلة لها.

  1. تحديد الهدف من امتلاك هذه القدرات

أما المتطلب الثاني فهو معرفة الهدف من استخدام هذه القدرات، كون هذا التحديد وتلك المعرفة، تلعب دوراً محورياً في تأمين المتطلبات وتخصيص القدرات، فعندما نعرف أن أهدف مقذوفاتنا تلك لا تبعد عن مرابضنا ونقاط إطلاقنا، وبحد أقصى ال- 70 كلم، تمكننا هذه المعرفة من (التغميس) في الصحن مباشرة، والبحث عما هو مطلوب من أدوات ومعدات وتجهيزات أولية، تفي بهذا الغرض، دون هدر للطاقات والأوقات.

  1. إدارة المعركة برؤوس باردة وبعيداً عن ردات الفعل

كما أن إدارة المعركة المستخدم فيها هذه القدرات النارية يحتاج إلى رؤوس باردة، وتحكم في العواطف وردات الفعل، فهذه أسلحة ليست من النوع الفردي الذي يمكن استخدامه (كل ما دق الكوز بالجرة) لذلك يجب أن توضع مجموعة سياسات وضوابط، وقواعد اشتباك، تقول متى تستخدم هذه القدرات وكيف؟ وأي اشتباك مع العدو يستلزم خروج هذه الوسائط النارية إلى حيز التشغيل؟ وما هو الهدف الذي ستضربه؟ إن استخدام هذا النوع من النيران، قد يجر ردات فعل غير متوقع ولا محتمل من العدو؛ قد يُحمّل البيئة الحاضنة للمقاومة ما لا تطيقه من أكلاف، الأمر الذي يجب التنبه له، وحساب عواقبه، ليبنى على الشيء مقتضاه.

  1. ترك الفعل يتحدث عن نفسه وتجنب الدخول في مزايدات تنظيمية وحزبية

نحن في مرحلة تحرر وطني، واشتباك مع العدو على أكثر من محور، وفي أكثر من مضمون، وموضوع، ولسنا في مرحلة منافسات حزبية، أو مناكفات تنظيمية، لذلك يجب عدم الانجرار إلى مربع: فعلوا، فلنفعل! وقصفوا؛ فلنقصف! يجب الخرج من هذا المربع، وترك الفعل يتحدث عن نفسه؛ زماناً ومكاناً ومناسبة، إن ما يحكم تشغيل هذه القدرات هو الموقف التعبوي والميداني، وليس المماحكات والمنافسات الفصائلية والحزبية، فالجهة الوحيدة المطلوب مماحكتها، بل محقها هي العدو، وفقط العدو.

  1. حماية سلاسل (التوريد) البشرية والمادية

من قواعد تشغيل القدرات القتالية البشرية، قاعدة تقول: “لا ترسل تشكيلاً لا تستطيع إمداده أو استرجاعه“، وقياساً على هذه القاعدة؛ فعندما تقرر جهة ما أنها ستدخل مربع امتلاك مثل هذه القدرات القتالية؛ عليها أولاً أن تبحث سبل حماية سلاسل توريها البشيرة والمادية، التي تؤمن استمرار سير العمل، وخطوط الإنتاج والتصريف سليمة، فلا يحصل جفاف في توريد وتأمين المتطلبات، ولا عسر في الهضم (الاستثمار والتشغيل)، فالجفاف يؤدي إلى الهلاك! وعسر الهضم (تخزين دون قدرة على الاستخدام) قد يفضي إلى الموت.

  1. عدم الزج بكامل القدرات وتغطية كل المساحات

كما يجب عدم تشغيل كامل القدرات المملوكة، والاحتفاظ بجزء منها ليوم كريهة وسداد ثغر، والحرص على تغطية أكبر قدر من مساحات الأهداف، الأمر الذي يعيق قدرة العدو على توقع مكان وزمان التشغيل، ما يساعد في الحفاظ على القدرات المادية والأصول البشرية، التي تقف خلف هذه الأعمال، وترعى تطورها وتحسين قدراتها، في الانتاج، والاستثمار والتشغيل.

  1. تشتيت مراكز ثقل هذه القدرات، التحضيرية والتشغيلية

ومن المهم من أجل الحفاظ على هذه القدرات وإطالة عمرها؛ العمل على تشتيت وتوزيع مراكز ثقلها -البشرية والفنية- في أكثر من مكان، وأكثر من مدينة، ليصعب على العدو تتبع أثرها والقضاء عليها، فإن هو حيّد مجموعة هنا أو مقر تصنيع هنا، فإنه لن يقضي على كامل القدرة، كون توزعها ونشرها، يحافظ عليها من أن تُستأصل بشكل كامل، أو يقضي عليها إلى غير رجعة.

  1. رعاية تطوير القدرات البشرية والفنية

كما يجب أن يراعى تطوير هذه القدرات، وأن تفرد لها المساحات، وتخصص لهذه العملية القدرات والأوقات، وهنا يجب أيضاً رعاية أصل عملي يقول إن: “هذا العمل ومسار بنائه يخضع لظروف الميدان الأمنية واللوجستية”، لذلك لا يجب أن توضع المجموعات العاملة في هذا المجال تحت ضغط المطالبة بالإنجاز، والإسراع في الأعمال، مما يؤدي إلى عجلة في الإجراءات، وحرق للمراحل لا تحمد عقباها.

كانت هذه ثمانِ نقاط متعلقة بمتطلبات التطوير، والاستدامة، والاستمرارية، وإطالة عمر الأعمال والأفراد، حتى يصلب عود العمل، فيعصى على الاقتلاع أو الجز، ونختم هذه الورقة بمجموعة من التوصيات، نوجزها بالآتي:

  1. الابتعاد عن الاحتكاك مع العدو في مراحل البناء ومراكمة الخبرة، خاصة في المربعات التي تتضمن وجود الأصول البشرية أو المادية لهذه الأعمال.
  2. فصل خطوط التطوير والإنتاج والتصنيع عن جهات التشغيل والتفعيل.
  3. رعاية أصل التأمين الشامل -أفراد، معلومات، مقرات-.
  4. رعاية أصل تأمين البيئة وعدم تعريضها للخطر، حتى تساعد في إطالة عمر الأعمال والأفراد.
  5. فرض دخول العدو -الأصيل أو الوكيل- على مصادر تأمين المتطلبات البشرية والمادية لعمليات الإنتاج والتصنيع، هذه الفرضية تؤخذ بعين الاعتبار من أجل إحكام حلقات العمل ورفع منسوب أمنه في مراحله الخمسة والتي تشمل: “تأمين المواد الأولية، تصنيع وإنتاج، تجريب أولي، نقل وتخزين مرحلي، تشغيل وتفعيل القدرات”.
  6. رعاية أصول السلامة المهنية أثناء العمل والتحضير، تجنباً لوقوع الأخطاء والخسائر في البيئة الداخلية العضوية، أو الحاضنة الشعبية.

هذه بعض الأفكار والتوجهات التي نعتقد أن فيها ما يفيد في امتلاك وتطوير وتشغيل القدرات الصاروخية، أو المقذوفات القوسية في الضفة الغربية.

والله غالب على أمره لكن أكثر الناس لا يعلمون

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي