أخبارتقارير و دراسات

إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب “الجُزء الرابع”

✍️ أ . عبد الله أمين الخبير العسكري والأمني

تحدثنا في الأجزاء السابقة من سلسلة إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب عن تعريف هذا المسار وأهميته في التحضير والتهيئة والإعداد المسبق لما يشكل الدرع الواقي للدولة ومكوناتها المادية والبشرية ومصالحها الحيوية من أن تؤتى على حين غرة وتفاجأ في وقت هي ليست مستعدة فيه لصون وحدتها وحقن دماء شعبها ،كما تطرقنا هناك إلى المتطلبات السياسية والاقتصادية والمجتمعية اللازمة للعمل في عملية الإعداد تلك ؛ حيث قيل في حينه أن هذه المتطلبات والإجراءات المنبثقة عنها ؛ إنما يتم العمل عليها والتحضير لها في وقت السلم ، كونها من طبيعة الأشياء التي تتم مراكمتها شيئاً فشياً وخطوة إثر أخرى ، مراعية تطور التهديدات الخارجية والقدرات الداخلية . وسنتكلم في ما تبقى من هذه السلسلة عن أهم المتطلبات والإجراءات اللازمة لإعداد القوات المسلحة للحرب أو الدفاع ، ونبدأ بقطب الرحى في هذه المتطلبات وواسطة العقد فيها ألا وهي المتطلبات البشرية ، حيث هي ــ المتطلبات البشرية ــ عماد القوات المسلحة وبدونها تغدو القدرات المادية عبئاً لا طائل منه وهدراً للموارد لا يرجى معه نفع .

1. المتطلبات البشرية :
1. تحديد الاستعداد المطلوب :
بناءً على التهديد المتصور والمخاطر الناتجة عنه ؛ يقوم أهل الاختصاص في القوات المسلحة بتحديد ما هو الكم العددي ( الاستعداد ) المطلوب من أجل ردع العدوان قبل وقوعه والدفاع عن المصالح قبل أن تهدد أو تحصيلها ــ المصالح ــ عندما يستدعي الموقف استخدام القدرات العسكرية ذلك ؛ وفي حال حصل العدوان ؛ يكون للدولة من القدرات البشرية ما تستطيع معه امتصاص زخم هذا العدوان عند انطلاقه إبتداءً ومن ثم العمل على وقف تمدده ومعالجة تداعياته انتهاءً .

2. استيعاب العديد :
بعد تحديد الكم ( الاستعداد ) ، تضع الجهات المختصة الخطط لعمليات استيعاب هذا العديد من حيث تأمين أماكن الاستقبال والإيواء ؛ من منشآت ومقرات وتجهيزها بالبنى التحتية ووسائل الراحة المعيشية لاستقبال واستيعاب هذه القدرات البشرية ، كما تعمل جهات الاختصاص على تأمين ما يلزم هذه القوات من صنوف الإعاشة والغذاء والكساء ، من حيث أماكن التأمين والتخزين وطرق الإيصال والتوزيع .

3. تحديد صنوف القوات والاختصاصات :
كما يقع على عاتق الجهات المختصة في القوات المسلحة تعليل الصنوف والاختصاصات المطلوب أن تتضمنها المؤسسة العسكرية لأخذ المصادقة عليها من قبل الجهات السيادية في الدولة ، فهل المطلوب أن تتضمن المؤسسة العسكرية كامل الصنوف المتعارف عليها في الدول من القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي والاختصاصات المساندة لها ؟ أم أن التهديد المتصور والمصالح المطالب تأمينها والدفاع عنها لا تقتضي امتلاك مثل هذا الصنوف وتلك الاختصاصات ؟

4. التنظيم :
كما تقوم الجهات العسكرية في الدولة بتحديد شكل التنظيم القتالي الذي سوف تتم بناءً عليه هيكلة القوات المسلحة ، فهل سيكون سقف التنظيم القتالي هو الفِرق مثلاً ؟ ثم ما دونها من وحدات وتشكيلات من ألوية وكتائب وسرايا ، أم هل سيكون سقف التنظيم ما دون الفرقة وما يتشعب عنه من تشكيلات ؟ ثم ما هو الاستعداد (الكم ) البشري المستوعب في كل وحدة قتالية من تلك الوحدات المعتمدة ؟

5. التأهيل والتدريب :
بعد أن يتم تأمين العديد واستيعابه في المؤسسة العسكرية ، تأتي المهمة الأصعب والأطول والمستدامة والتي تشكل صلب عمل المنظومة العسكرية وقت السلم ألا وهي : تعليل عملية التدريب في مختلف مستوياته ؛ الفردية والجماعية والتخصصية ، وتأمين ما يلزم هذه العملية من منشآت وأصول ثابتة ومضامين علمية ومعرفية ، وكوادر بشرية تباشر عملية التدريب ، وما هي الأهداف السلوكية المطلوب إكسابها لعديد القوات المسلحة كنتيجة منطقية لمسار التدريب المقر . وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تطوير العملية التدريبية من حيث المنشآت والأصول والمضامين والمعارف والأهداف السلوكية ؛ مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتطور التهديد الداخلي أو الخارجي المتصور أو إجراءات التأمين والدفاع المطلوبة للدفاع عن المصالح الحيوية للدولة والشعب ، وهو ما يشكل أصل الهدف والمهمة التي من أجلها تنشأ القوات المسلحة وترعى ، كما ترتبط العملية التدريبية كذلك بالقدرات المادية التي يتم رفد وتزويد تلك القوات بها .

6. رفع الجاهزية ( قدرات ورغبات ) والمحافظة عليها :
وحيث أن القوات المسلحة إنما يتم بناؤها وتأسيسها للدفاع عن مصالح الدولة ورد العدوان عنها ، وحيث أن الاعتداء والتعدي من قبل الآخرين على مصالح الدولة أو أراضيها ليس شيئاً دائماً مستمراً ، وإنما هو أمر ظرفي ناتج عن تعقد الموقف السياسي وتحوله إلى موقف عسكري ؛ فإن القوات المسلحة تقضي أغلب أوقاتها في معسكراتها وثكناتها أو مرابطة على حدود دولها ، وهذا أمر ــ المكوث في الثكنات والثغور ــ يعد من أهم الأمور التي قد تؤثر على جاهزية ومعنويات القوات المسلحة كنتيجة طبيعية لعدم ممارسة أصل المهمة التي أعد لها الجنود ألا وهي القتال ؛ فإنه والحال كذلك يقع على عاتق قيادة المؤسسة العسكرية أن تحافظ على القوات المسلحة في مستوى عال من الجاهزية القتالية من حيث تطوير القدرات وتوليد الرغبات ، من خلال البرامج العملية والتعبوية والنظرية والنفسية المخصصة لهذا الأمر .

7. آليات التعبئة :
كما يطلب من جهات الاختصاص في القوات المسلحة أن تقترح على المستوى السياسي الآليات المناسبة لتعبئة القوات المسلحة بشقيها ؛ العاملة والاحتياط ، وطلب سن القوانين والتشريعات المطلوبة لمثل هذه العمليات ، وقت السلم والحرب ، واعتماد مستويات التهديد ومعاييره التي تستدعي طلب التعبئة والتجنيد ، والتدريب على عمليات التعبئة هذه بشكل مستمر في وقت السلم ، في ظروف أقرب ما تكون إلى ظروف المعركة .
8. الاحلال والتعويض : كما يطلب من جهات الاختصاص في القوات المسلحة تعريف واعتماد آليات الاحلال والتعويض للقوات العاملة بقوات الاحتياط أو القوات الشعبية ؛ من حيث الظرف الموجب والآليات المطلوبة لهذه العملية ومتطلباتها الإدارية والتعبوية .

9. نظام خدمة الاحتياط :
تقوم قيادة القوات المسلحة بتنظيم عمل العديد البشري المسرح من الخدمة العسكرية بسبب انقضاء المدة الزمنية المطلوبة منهم ، بحيث يتم تعريف آليات استدعاء واستيعاب وإسناد هذا الاحتياط ، والمدد الزمنية الدورية المطلوب حضورهم فيها من أجل عمليات الانعاش التدريبي والمحافظة على الكفاءة القتالية. وهنا لا بد أن نشير إلى أننا لا نتحدث عن الاحتياط العامل في التشكيلات المسلحة والذي يتشكل من أصل العديد الفعلي العامل في تلك القوات ؛ وإنما نتحدث عن الاحتياط الخامل الذي أنهى الخدمة العسكرية المقررة عليه أصولاً .

10. تخصيص القدرات :
إن أحد مزايا بناء القوات المسلحة بمختلف صنوفها واختصاصاتها ؛ أنها لا تنمو نمواً متساوياً ، وإنما نمواً مرتبطاً بالتهديد المتصور مستقبلاً أو المصالح المراد تأمينها والدفاع عنها ، لذلك فإن القدرات المادية والبشرية المرصودة للقوات المسلحة العاملة ، لابد من العمل على تخصيصها ( رصدها ) بناءً على سلم أوليات مرتبط بالمصلحة أو التهديد ، وهنا يأتي دور المستوى التخصصي ــ قيادة القوات المسلحة ــ بالتعاون مع المستوى السياسي ــ وزارة الدفاع ـــ في تعليل واعتماد هذا التخصيص ؛ فأي الصنوف أو الاختصاصات سوف يأخذ موازنات وعديد أكثر من غيره ، ولماذا ؟
كانت هذه من أهم الأمور والإجراءات المرتبطة بالمتطلبات البشرية الخاصة بمسار إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب أو الدفاع ، على أن نتحدث في الجزء التالي عن المتطلبات والإجراءات المادية المطلوبة في هذا السياق .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق