أخبارترجماتشؤون عسكريةشؤون فلسطينية

تحليل| هل تحولت جنين إلى غزة وكيف يمكن وقفها؟

#ترجمة_الهدهد

إن العملية في مخيم جنين للاجئين، التي خطط لها ونفذها “جيش العدو الإسرائيلي”، توفر إنجازات عملياتية مهمة لكنها محلية ومؤقتة، لذلك، من المرجح أن تكون هناك حاجة لعمليات إضافية في المستقبل “لجز العشب” للبنية التحتية للمقاومة في جنين، وربما في مدن أخرى في الضفة الغربية.

ومع ذلك، فإن العمل العسكري وحده لا يمكن أن يوفر إجابة شاملة لتحديات الأمن والاستقرار في الضفة الغربية لوقت طويل: يجب أن يكون موجودًا كجزء من استراتيجية وسياسة متماسكة وواضحة للمستوى السياسي، لكن هذا غير موجود في حكومة تتأرجح بين نموذجين، أمني و”مسياني متشدد”، فيما يتعلق بـ الضفة الغربية بشكل خاص والنظام الفلسطيني بشكل عام.

كان الهدف الأمني ​​المناسب لعملية “بيت وحديقة ” التي استمرت يومين، هجوم واسع النطاق على البنية التحتية للمقاومة في مخيم جنين، لقد أصبح المخيم هدفا محصنًا ودخوله خطيرًا، وملجأً للمقاومين من جميع أنحاء الضفة الغربية؛ وأصبح خطرا بأن يتأسس كمركز لإنتاج الوسائل القتالية، الأمر الذي من شأنه أن يحول مرج ابن عامر إلى “غلاف جنين”.

لقد شكلت العملية خطوة مكملة لجهود عملية “كاسر الأمواج” على خلفية تفاقم “خطر الإرهاب”: كثرة الهجمات على الطرق، إطلاق نار على المستوطنات ومواقع الجيش وقواته، استخدام متفجرات عالية الجودة وقوية، ومحاولات لإنتاج الصواريخ الأولى في الضفة الغربية، وإطلاق تهديدات تجاه “إسرائيل” – كما أثبت الهجوم القاسي في تل أبيب أثناء العملية.

العملية الأخيرة اشتملت على تسلسل عملياتي، مع نطاق وكثافة أعلى من المعتاد، ودمج قوات لواء “الكوماندوز” مع القوات الجوية، و”الشاباك”، وحرس الحدود والاستخبارات، تمثلت إنجازاتها الرئيسية في “تدمير البنى التحتية الإرهابية الدائمة” – غرف القيادة، ومخزونات الأسلحة ومختبرات المتفجرات، والعبوات على الطرق، أما بالنسبة لمسلحي مخيم جنين والمطلوبين، فكان الإنجاز أكثر تواضعاً، حيث قُتل 12 مسلحا منهم فقط، واعتقل 30 شخص، وأصيب نحو 100 بجروح، بمن فيهم اشخاص لا علافة لهم بالمقاومة.

كما هو معتاد مع قوات حرب العصابات، منذ بداية العملية اختارت العناصر المسلحة في جنين التماهي بين السكان المدنيين والمنطقة السكنية، وإخفاء أسلحتهم وتجنب القتال، من أجل البقاء على قيد الحياة، من جانبه، تصرف جيش العدو بطريقة مركزة بناءً على معلومات استخبارية، ولم يسع إلى احتكاك كبير أو قتال من منزل إلى منزل ويبدو أن معظم الضحايا أصيبوا بهجمات من الجو.

وحاولت الأحزاب السياسية وصف العملية بأنها تغيير للواقع على نمط عملية “السور الواقي” التي ركّزت كما أذكر على احتلال مساحة كبيرة والاحتفاظ بها وتطهيرها، من الناحية العملية، خطط جيش العدو ونفذ عملية غارة هادفة متعددة الأذرع والوحدات، موجهة استخبارايا، ومحددة، ومسيطر عليها وحذرة من حيث نطاق القوات (قوات ات بحجم لواء)، وشدة ومدة قوتها ومستوى الاحتكاك.

في نهاية العملية سيعود المسلحون إلى المخيم، لكن الأمر سيستغرق لهم وقتًا حتى يصلوا إلى البنية التحتية التي تم تدميرها، لهذا السبب، سيتمتع جيش العدو بحرية أكبر في العمل في جنين، لكن التحدي يظل في مراكز مسلحة أخرى في شمال الضفة الغربية، على سبيل المثال في نابلس وطولكرم، ومع مرور الوقت سيتم تجديدها أيضًا في مخيم جنين للاجئين.

كان تركيز العملية وحصرها صحيحًا، نظرًا لاتجاه تعقد عمليات من هذا النوع في قلب سكان مدنيين كلما طال بقاء القوات في الميدان: تفقد القوات ميزة المبادرة والمفاجأة وتتحول بشكل تدريجي أهدافا، عدد الضحايا ينتج عنه دورة تصعيد قد “تنتقل” إلى ساحات أخرى (كما يتضح من إطلاق الصواريخ من غزة)؛ وتزداد احتمالية الفشل العملياتي وتتآكل شرعية استخدام القوة العسكرية.

إذا، على المستوى التكتيكي والعملي، ستحقق العملية فوائد، حتى لو كانت محلية ومؤقتة، لكن الأسئلة الأكبر هي – ما الهدف الاستراتيجي والسياسي الذي خدمته؟ وكيف تنوي “إسرائيل” تحقيق الاستقرار في المنطقة على المدى الطويل؟ من الواضح تمامًا أن الاتجاه الاستراتيجي لحكومة العدو ليس في مكانه وأن نموذجين يتقاتلان فيها فيما يتعلق بالسياسة في الضفة الغربية.

أحد النماذج، بقيادة وزراء من اليمين المتطرف “المسيحاني”، هو السيطرة العسكرية “الإسرائيلية” المباشرة على جميع مناطق الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك المدن، كما كانت قبل اتفاقيات أوسلو، كأساس لضمان الأمن. ويدعو هذا النهج أيضًا ضم الأراضي على نطاق واسع، والتوسع غير المقيد للمستوطنات، وتفكيك السلطة الفلسطينية كنظام حكومي يدير حياة ما يقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني.

النموذج الثاني، الذي لا يشاركه وزير جيش العدو “يوآف غالانت” وجميع رؤساء منظومته الأمنية، يميز بين المناطق الحيوية حيث توجد لـ “إسرائيل” فيها مسؤولية أمنية مباشرة (مناطق “ب ” و”ج”) والمدن الفلسطينية ومحيطها (مناطق “أ”)، التي فيها الفلسطينيون أنفسهم من خلال السلطة الفلسطينية وأجهزتها مسؤولين عن الأمن، لكن “إسرائيل” تتحمل مسؤولية متزايدة.

كلما قلَّ عمل السلطة، فعلت “إسرائيل” أكثر، حيث يجر ضعف السلطة الفلسطينية جيش العدو إلى الفراغ، هذا النهج يرى في تعزيز السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني ​​معها، عناصر مهمة لضمان الأمن والاستقرار في الميدان، ومنع نقل المسؤولية عن الجوانب المدنية لحياة الفلسطينيين لـ “إسرائيل” وجيشها.

من الواضح أن السياسة “الإسرائيلية” وقوات “الجيش الإسرائيلي” و”الشاباك”، لن تسمح بتكرار ما حدث مع “غزة” في جنين أو أي مدينة فلسطينية أخرى في الضفة الغربية، ولكن إلى جانب النشاط العملياتي الحازم ضد العناصر المسلحة فإن جهود تحقيق الاستقرار مطلوبة أيضاً، مثل تشجيع دول الخليج على تعزيز التنمية الاقتصادية للشعب الفلسطيني وتشغيل الشباب، والاستفادة من “قناة العقبة / شرم الشيخ” التي أنشأتها الإدارة الأمريكية لتعزيز قدرات الحكم للسلطة الفلسطينية وخلق حافز لها للعودة والسيطرة على المناطق التي فقدت قبضتها فيها.

لن يكون استقرار المنطقة بمرور الوقت ممكنًا إلا إذا اختارت “إسرائيل” التصرف على أساس النموذج الأمني​​، وكبح التحركات “المدمرة” للاستقرار والهدوء الأمني ​​التي يقودها أتباع نموذج السيطرة الكاملة – تسريع البناء الاستيطاني والبؤر الاستيطانية غير القانونية، هدم منازل الفلسطينيين، وإلغاء الانسحاب أحادي الجانب، والعودة إلى مستوطنتي “أفيتار” و”حومش” خلافا للالتزامات الدولية، إضعاف السلطة الفلسطينية وأجهزتها، ودعم الوزراء في حكومة العدو لاعتداءات المستوطنين اليهود ضد القرى الفلسطينية. ومهاجمة رؤساء المنظومة الأمنية (“قوة فاغنر”) وقادة جيش العدو وقواته.

يجب التأكيد: على عكس “الكلمات المغسولة ” الشائعة، فإن الأمر لا يتعلق بأفراد يأخذون القانون بأيديهم، بل يتعلق بمجموعات كبيرة من مثيري الشغب المجرمين، الذين يرتكبون جرائم خطيرة، في مواجهة عجز قوات الأمن، والذين يجعلون رائحة “إسرائيل” في العالم كريهة. إن التراخي في تطبيق القانون ضد هذه العناصر يساهم في فقدان الحكم في “إسرائيل”، وهو الأمر الذي تشكو منه الحكومة في كثير من الأحيان ولكنها في الواقع تعمل على زيادته.

خلاصة القول، سيواصل جيش العدو تقديم رد أمني على “الإرهاب” المتزايد، على حساب الإضرار باستعداده للحرب في الشمال، ومع ذلك لن يتم إرساء استقرار الوضع في الضفة الغربية على المدى الطويل بالوسائل العسكرية وحدها، وهذا يتطلب إستراتيجية متماسكة للمستوى السياسي وليس تسوية مستحيلة بين شيء ونقيضه، بين تثبيت الصراع وإدارته، وتصعيده من أجل حسمه باحتلال وضم كامل، في نهاية المطاف يتعين على “إسرائيل” أن تقرر ما إذا كانت تريد الاستمرار في التركيز على الأهداف الاستراتيجية التي حددتها لنفسها – كبح جماح إيران النووية وإقامة علاقات مع المملكة العربية السعودية – أو الاستمرار في الانغماس في “الوحل الفلسطيني”، الذي يتم جر “إسرائيل” إليه من قبل الوزراء “سموتريتش” و”بن غفير” من جهة، والمحور الراديكالي بقيادة إيران من جهة أخرى بشكل يعرض للخطر مستقبل “إسرائيل” كدولة يهودية وديمقراطية وآمنة وعادلة.

وأخيرًا، فإن الوضع المعقد والمتدهور والمتفجر في الضفة الغربية وإمكانية امتداد القتال إلى ساحات أخرى يشكلان تحديًا خطيرًا يتطلب وقف الدوامة التي ألقيت فيها “إسرائيل” بمبادرة الانقلاب القانوني، والتي أدت إلى اندلاع مواجهة داخلية وضرر بالصمود “الوطني” والردع.

وفي هذا الصدد فإن العملية في جنين هي تذكير آخر بالحاجة الملحة بالتخلي عن هذه الخطوة الضارة وغير الضرورية والتركيز على التحديات الاستراتيجية الكبيرة والحقيقية التي تواجهنا، والتي تتطلب “الوحدة الوطنية” والصمود والقيادة.

القناة 12/عاموس يادلين | أودي أبينثال

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي