أخبارالملف الإيرانيشؤون دولية

تداعيات إطار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران على “إسرائيل”

#ترجمة_الهدهد

وردت أنباء في الأسابيع الأخيرة عن محادثات تجري بين الولايات المتحدة وإيران لتشكيل إطار تفاهمات توافق إيران بموجبها على قيود معينة على برنامجها النووي وتطلق سراح أسرى أميركيين محتجزين لديها، وذلك مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، بما في ذلك الافراج عن أموال إيرانية مجمدة في الخارج، وإذا تحققت التفاهمات ستحصل إيران على تعويضات مالية كبيرة وستكون قادرة حتى على الحفاظ على المواد الإنشطارية التي تراكمت لديها. من وجهة نظر الولايات المتحدة، سيتم تأجيل ضرورة العمل ضد إيران.

في هذا المقال، يتم تحليل معاني إطار التفاهمات وتناقش إمكانية استخدامها من قبل إسرائيل للضغط لتعزيز مصالحها.

كشف وزير جيش العدو “يوآف غالانت” في أيار / مايو، أن “البرنامج النووي الإيراني في أكثر المراحل تطوراً على الإطلاق”. وبحسبه، تمتلك إيران اليورانيوم المخصب بنسبة 20٪ و60٪، وهو ما يكفي لصنع خمس قنابل نووية، إن استمرار تقدم البرنامج النووي الإيراني يسلط الضوء على الإحراج الذي تعيشه “إسرائيل” أمام إيران في مواجهة فشل إستراتيجية منع حصولها على الأسلحة النووية.

في الأسابيع الأخيرة، تم الكشف عن وجود محادثات بين الولايات المتحدة وإيران لتشكيل اتفاقية “غير رسمية وغير مكتوبة”، سيتم بموجبها تقييد برنامج إيران النووي، وستتعهد إيران بموجبها بعدم تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز 60٪، وعدم تكديس مواد إضافية عند هذا المستوى من التخصيب، بالإضافة إلى إطلاقها سراح ثلاثة أميركيين مسجونين في إيران منذ عام 2015 بتهمة التجسس، كما ستطالب الولايات المتحدة إيران بالتعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والامتناع عن مهاجمة القوات الأمريكية في سوريا والعراق.

بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للتقارير سيُطلب من إيران وقف بيع الصواريخ الباليستية إلى روسيا، في المقابل ووفقاً للتقارير ستوافق الولايات المتحدة على الإفراج عن أصول إيرانية بعملة الدولار.

وتشير التقديرات إلى أنه اعتبارًا من يناير 2021 يوجد 10 مليارات دولار محتجزة في العراق، ونحو 7 مليارات دولار في كوريا الجنوبية، ومبالغ مماثلة موجودة أيضًا في الولايات المتحدة وسلطنة عمان والصين واليابان، ويطلق على هذه الأموال اسم “الأموال المحتجزة ” لأنها مودعة في حسابات مصرفية لا يمكن لإيران الوصول إليها بشكل مباشر بسبب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة لبيع النفط الخام. في الخلفية، وردت أنباء عن اتفاقية تبادل أسرى بين إيران وبلجيكا بوساطة عمان، ودفع العراق لإيران 2.76 مليار دولار كسداد ديون بموافقة الولايات المتحدة.

هذه خطوات ثانوية من ناحية إيران مقارنة بالتنازلات التي طُلبت منها بالنسبة إلى العودة الاتفاقية النووية الأصلية – خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015 – وهم يشيرون إلى الاستعداد لتقديم تنازلات، دون مطالبة إيران بالتخلي عن التقدم والإنجازات التي حققتها حتى الآن في المجال النووي. ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أنه حتى المقابل التي تتلقاها إيران بموجب الاتفاقية تعتبر طفيفة مقارنة بـ JPCOA، حيث لا تزال العقوبات الاقتصادية مفروضة عليها.

الوضع الاقتصادي في إيران خطير ومستمر في التدهور، وتحتاج إيران إلى مساعدات اقتصادية بعشرات المليارات من الدولارات لكبح التضخم المتزايد والاحتجاج الشعبي الذي يسببه. بالنسبة لطهران، فإن أبسط خيار للتعامل مع التحدي هو المطالبة بالإفراج عن الأموال المحتجزة، على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات، تؤكد إدارة بايدن باستمرار أنه من الصواب تعزيز الاتصالات الدبلوماسية وتهتم بصفقة تسمح لها بتكريس الاهتمام والموارد للقضايا المدرجة في قائمة الأولويات الوطنية – أولاً وقبل كل شيء الحرب التكنولوجية ضد الصين وبدء الحمله الانتخابية الرئاسية.

ويعبر إطار التفاهم عن الفهم الأمريكي بأن التغيرات الجيوسياسية وعدم رغبة إيران في تفكيك القدرات النووية التي راكمتها لا تسمح بالتوقيع على اتفاق نووي وإمكانية حدوث ذلك في هذه المرحلة تبدو ضئيلة. لذلك، تتطلع الإدارة إلى صياغة صفقة محدودة تمنحها هامشًا من الوقت، في مرحلة أكثر تقدمًا، قد تكون الإدارة قادرة على محاولة توسيعها وربما الاستفادة منها للعودة إلى المفاوضات المباشرة حول العودة إلى اتفاق نووي رسمي.

تثبيت مكانة إيران كـ “دولة عتبة نووية”

وفقًا لإطار التفاهم الناشئ، ستستمر إيران عمليًا في كونها “دولة عتبة” لأنه لا يتضمن تقليصًا للقدرات ولكن فقط تقييدًا وتجميدًا للقدرات. هذا مع تحديد وضعها كـ “دولة عتبة” بموافقة الولايات المتحدة، وبدون ضمانات كافية لضمان عدم تقدمها إلى الأسلحة نووية.

 إن وضع “دولة العتبة” سوف يترك لإيران إمكانية تسليح نفسها بالأسلحة النووية في وقت قصير عندما تقرر أن الظروف تسمح – أو تجبرها حسب رأيها – على التقدم نحو قدرة نووية عسكرية، وهذا يشكل تهديدًا مستمرًا لـ”إسرائيل”، مع عدم وجود احتمال لتفكيك القدرات.

في تل أبيب، هناك قلق واسع النطاق من أن تنفيذ التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران سيقلل من الضغط الاقتصادي الغربي على إيران، بل وسيؤدي لاحقًا إلى اتفاق نووي أوسع، والذي سيكون بمثابة شريان حياة لاقتصاد طهران دون ضمانات لوقف البرنامج النووي وتفكيكه، وبالفعل ستتلقى إيران مبلغاً قد يصل إلى نحو 20 مليار دولار من “الأموال المحتجزة”، على الرغم من أنه يمكن تقدير أن معظم المبلغ سيخصص للاحتياجات الداخلية، وخاصة لإعادة التأهيل الاقتصادي، وأن القليل إن حدث سيخصص لجهود التعزيز العسكري ودعم التمركز الإقليمي. وهذا التقييم تعززه آليات الرقابة الأمريكية على الأموال، حيث تم الإعلان عن تحويل الأموال إلى حسابات يمكن لواشنطن مراقبتها، ومع ذلك، ليس من المستحيل أن تنجح إيران في تجاوز آليات التفتيش الأمريكية لخدمة مساعي مراكمة وتعزيز قوتها العسكرية.

إطار التفاهم – أهون الشرَّين

اليوم، بعد حوالي خمس سنوات، يمكن القول إن الانسحاب الأحادي الجانب لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب من الاتفاق النووي كان خطأ استراتيجيًا، منذ ذلك الحين ساء موقف “إسرائيل” الاستراتيجي ضد التهديد النووي الإيراني، وأصبح استمرار تعزيز القوة الإيراني في الاتجاه الحالي أمرًا خطيرًا، لذلك، فإن أي تغيير في المسار الذي تسلكه إيران هو أمر إيجابي، لكن مصادر في المنظومة الأمنية سارعت إلى القول إن “إسرائيل” تعارض أي اتفاق لا يتضمن مطلب “تفكيك كل قدرات إيران”. وبحسبهم الاتفاق الجيد يجب أن يعيدهم الى الوراء لا أن يجمد الوضع”.

لا تزال المستويات السياسية في “إسرائيل” تتباهى بالضغوط التي مارستها على الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من أجل عدم العودة إلى الاتفاق مع إيران، على أمل التمكن من الوصول إلى اتفاق أفضل، وهي تفعل ذلك حتى الآن، لكن من الأفضل لو أدرك المستوى السياسي والأمني ​​في “إسرائيل” أن نافذة الفرصة للتوصل إلى اتفاق قد أُغلقت، والإصرار “الإسرائيلي” المستمر على “اتفاق أفضل” لا يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع.

من المسلم به أن التفاهمات الناشئة بعيدة كل البعد عن أن تكون مشابهة للاتفاقية النووية لعام 2015 ولا تدعي حل المشكلة النووية الإيرانية، لكن أي تغيير في الاتجاه الحالي وخاصة الحد من البرنامج النووي الإيراني هو خطوة إيجابية لـ”إسرائيل”، أفضل من الوضع الحالي الذي يعني تقدم إيران نحو قنبلة نووية دون آليات ضبط او لجم على الإطلاق.

إن إطار التفاهمات سيحد من تكديس إيران لمواد إضافية بمستوى تخصيب بنسبة 60٪ وتخصيب اليورانيوم بما يتجاوز هذا المستوى، وهذا إنجاز مهم لا ينبغي الاستهانة به.

توصيات لإسرائيل..

أولاً، على “إسرائيل” أن تفهم أن عدم العمل هو أسوأ خيار استراتيجي من بين جميع البدائل، لذلك من المفيد دعم الولايات المتحدة في جهودها لتعزيز إطار التفاهم، وعدم الاستمرار في معارضة الجهود الأمريكية على أمل الحصول على نتيجة أفضل، ويجب على إسرائيل أن تستغل الوقت الذي سيوفره إطار التفاهم الناشئ للاستعداد بشكل أفضل ضد البرنامج النووي، سواء من حيث خطة عملياتية فعالة أو من حيث “الردع الإسرائيلي”.

إن “إسرائيل” تميل أكثر فأكثر إلى نهج “الاعتماد على الذات”، ولذلك عليها أن تستمر في تعزيز وتطوير الخيار العسكري المستقل، لكن يجب أن نتذكر أن التهديد العسكري بالتعاون مع الولايات المتحدة وقيادتها يضاعف من التهديد وتأثيره الرادع، وأن التدهور النسبي في العلاقات بين “إسرائيل” والولايات المتحدة بسبب عدم الاتفاق بشأن “التعديلات القضائية” المطروحة طاولة الحكومة والصراع بشأن القضية الفلسطينية والتوسع في مشروع الاستيطان قلل من فعالية التهديد العسكري المشترك.

في هذا السياق، فإن دعوة رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” للبيت الأبيض ضرورية لتعزيز الردع ضد إيران، ولكن في ضوء التفاهمات الناشئة بين إيران والولايات المتحدة، يجب على “إسرائيل” أن تعمل أكثر من أي وقت مضى لتعزيز التعاون مع الإدارة بشأن القضية النووية وسد الفجوات التي اتسعت مؤخرًا، على “إسرائيل” أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران، رغم أن إطار التفاهم المطروح اليوم ليس مثالياً لها ولا في نظرها.

يتطلب الاعتراف بإيران كدولة عتبة نووية إعدادًا عسكريًا “إسرائيليًا” مناسبًا، لكن من الممكن أن تكون هذه فرصة لـ”إسرائيل” لتلقي مساعدة أمريكية مقابل دعم التفاهمات، وهذا يعني تغييرات أمنية تضمن لها تفوق عسكري نوعي لسنوات طويلة، بما في ذلك في ما يتعلق بالتعامل مع التهديد النووي الإيراني.

يمكن دمج هذا المقابل الذي ستحصل عليه “إسرائيل” في مذكرة التفاهمات الأمنية بينها وبين والولايات المتحدة، والتي سيتم تجديدها في عام 2028. وهناك مقابل آخر لـ”إسرائيل” يتمثل في تعزيز التطبيع بينها وبين السعودية، خاصة إذا قبلت الحكومة الأمريكية بالطلب السعودي وهو السيطرة على دورة تخصيب اليورانيوم، أي الموافقة الأمريكية على تخصيب اليورانيوم في المملكة العربية السعودية (من وجهة نظر الرياض، تعني التفاهمات الجديدة مع إيران أن الولايات المتحدة تقبل أن إيران تسيطر على دائرة التخصيب، وبالتالي لا يوجد عقبة في رأي المملكة العربية السعودية للسماح لها بهذه السيطرة أيضًا).

في الوقت نفسه، يجب على “إسرائيل” الاستمرار في الضغط على الولايات المتحدة من خلال المطالبة بضمانات ملموسة لوقف التقدم المحتمل في البرنامج النووي الإيراني والاستعداد لمزيد من الاتصالات المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة. في الواقع، ليس من المستحيل أن تكون التفاهمات الحالية انفتاحًا على المستقبل الآتي، سيكون من الأفضل لـ”إسرائيل” بالفعل في هذا الوقت، أن تطالب بضمانات بأن تحصل بالتوازي مع الاتصالات المستقبلية بين إيران والولايات المتحدة من واشنطن مقابل في مجالات تتعلق بأمن حدودها والقدرة على التعامل مع التهديدات المحتملة، في الختام، من الضروري إعطاء الأولوية للتهديد الإيراني على أي تحد آخر، بما في ذلك التعديلات القضائية، للتمكين من الإعداد الأفضل لأهم تهديد يواجه “إسرائيل”.

ملخص…

إن استمرار معارضة “إسرائيل” لأي خيار للتسوية أو الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يضر بالقدرة على تنفيذ سياسة فاعلة بالتعاون مع الولايات المتحدة لمنع إيران من التقدم للقنبلة النووية، صحيح أن اتفاقية نووية ملزمة كانت ستوفر ضمانات كانت ستمنع إيران من التحرك نحو العتبة النووية بحيث لا تكون هناك حاجة لإطار تفاهمات غير ملزم، لكن في الاختيار بين أسوأ الخيارات التي تواجه “إسرائيل” – استمرار الحرج الاستراتيجي أمام إيران أو إطار التفاهمات التي يتم صياغتها بين إيران والولايات المتحدة، يفضل إطار التفاهمات التي من المفترض أن تحد من قدرات إيران النووية و إلى حد كبير وقف تقدمها نحو قنبلة نووية.

الحفاظ على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة هو عنصر أساسي للردع “الإسرائيلي” ضد إيران. لذلك، على “إسرائيل” دعم السياسة الأمريكية أيضًا في سياق الاتصالات مع إيران، من أجل تعزيز قدرتها على التعامل مع التهديد العسكري المشترك. في الوقت نفسه يجب على “إسرائيل” أن تسعى جاهدة لإمكانية تعظيم أرباحها، سواء في ضوء مذكرة التفاهمات الأمنية مع الولايات المتحدة أو في مواجهة إمكانية تشكيل تفاهمات واتفاقيات إضافية مع إيران في مستقبل.

المصدر| معهد أبحاث الأمن القومي

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي