أخبارالشرق الأوسطمقالات إستراتيجية

النظام الفلسطيني: نجاح استخباراتي عملياتي في مواجهة استراتيجية خطيرة

ترجمة الهدهد

أصبحت الأحداث التي تجري في الضفة الغربية تهديداً كبيراً للأمن القومي العام لـ “إسرائيل” في الدائرة العملياتية، حيث تنجح المنظومة الأمنية ​​في إحباط معظم الهجمات القاتلة، لكن بالدائرة السياسية تتبنى “الحكومة الإسرائيلية” سياسة خطيرة تجاه النظام الفلسطيني، ما يسرع من خطوات زوال السلطة وتمركز إيران وحماس في مناطق الضفة الغربية.

يجب أن يضاف ذلك إلى أعمال “الإرهاب” القومي التي يقوم بها المستوطنون اليهود ضد الفلسطينيين، وهذا يقوض “سلطة الحكم الإسرائيلية” في الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه يضر بمكانة “إسرائيل” الدولية وعلاقاتها مع دول المنطقة.

هذه التهديدات تم التعبير عنها في البيان الاستثنائي الذي نشره رئيس الأركان ورئيس الشاباك ومفوض الشرطة، والذي أوضحوا فيه أن هذا “إرهاب قومي” وأنه يجب العمل على القضاء عليه.

في الجانب الاستراتيجي الواسع، تؤدي سياسة “إسرائيل” تجاه القضية الفلسطينية إلى اتساع التصدعات في العلاقات الاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية وتقويض العلاقات الحيوية مع العالم العربي، بطريقة تضر بشكل أساسي بقدرة “الحكومة” على صياغة رد شامل للتعامل مع التهديدات المتصاعدة من إيران وحلفائها في المنطقة، ولتعزيز التطبيع مع السعودية.

إن تقويض الواقع الأمني والتصعيد الأمني ​​في الضفة الغربية وخاصة في جنين ونابلس، هو نتيجة لعدد من الخطوات العميقة، التي تتطور تدريجياً إلى تهديد ملموس للأمن القومي لـ “إسرائيل”.

أولاً وقبل كل شيء، يتعلق الأمر بضعف السلطة الفلسطينية والمكانة الضعيفة لأبو مازن الذي يقترب من عامه الـ 90، بالرغم من أن السلطة الفلسطينية لا تزال تسيطر على مناطق الضفة الغربية، إلا أنها فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على الحكم شمال الضفة الغربية، وتمتنع الأجهزة الأمنية الفلسطينية عن العمل في المنطقة.

في الخلفية يقبع الركود السياسي المستمر والصورة السلبية للسلطة الفلسطينية في نظر الجمهور الفلسطيني، وخاصة جيل الشباب، هذا إلى جانب “تحركات إسرائيلية” غيرت واقع الحال في الضفة الغربية، وعلى رأسها توسع الاستيطان، بشكل يقلل تدريجياً من إمكانية تعزيز الفصل بين الشعبين في المستقبل.

على المدى الطويل، فإن إهمال المسار السياسي تجاه الفلسطينيين بالرغم من النجاحات العملياتية لقوات الأمن في إحباط أعمال المقاومة، يمكن أن يجر “إسرائيل” إلى واقع الدولة الواحدة ويجرها إلى مشاركة أكبر على الأرض.

من ناحية أوسع، خلال العام الماضي وللمفارقة، حدث تحسن في المستوى الاقتصادي بالضفة الغربية، وهذا ينعكس في عدد من الجوانب، بالمقام الأول تراجع معدل البطالة واستقرار القوة الشرائية في جميع أنحاء الضفة الغربية، كل هذا يتناقض مع الضعف العام الذي تظهره السلطة.

ربما يتجسد تفسير هذا الوضع المعقد في تعمق “التأثير الإسرائيلي” على الاقتصاد الفلسطيني.

يأتي ذلك نتيجة الأجور التي يكسبها العمال الفلسطينيون جراء العمل داخل “إسرائيل”، والتي تزيد بضعفين إلى ثلاثة أضعاف عن رواتب الموظفين في مناطق السلطة الفلسطينية، على المدى الطويل، يمكن أن يشكل تعميق “النفوذ الاقتصادي الإسرائيلي” أساساً للانصهار السياسي الاستراتيجي في المستقبل.

إلى جانب كل هذا، فإن موجة الإرهاب القومي من قبل المستوطنين اليهود ضد السكان الفلسطينيين تشكل ضرراً للأمن القومي لـ “إسرائيل”، وذلك لأن هذه الأعمال الإرهابية تهدف إلى تشجيع ردود الفعل المضادة من قبل السكان الفلسطينيين، وإثارة الانتقادات الدولية والإقليمية، والإضرار بشرعية قوات الجيش للعمل في الميدان.

في بيان مشترك حاد وغير معتاد نشره ممثلون عن الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، وُجهت انتقادات لاذعة لـ “إسرائيل” ومطالبتها باعتبارها القوة المُحتلة في المنطقة العمل على الحفاظ على أمن السكان الفلسطينيين ومعاقبة مرتكبي أعمال العنف من المستوطنين، بالإضافة إلى ذلك، تضطر المنظومة الأمنية إلى تحريك القوات للتعامل مع الإرهاب اليهودي بشكل يضر بالقدرة على التعامل مع “الإرهاب الفلسطيني”.

علاوة على ذلك، فإن قرارات الحكومة لتشجيع بناء أكثر من 5000 وحدة سكنية استيطانية، وإنشاء وشرعنه بؤراً استيطانية جديدة ونقل مدرسة “حومش” الدينية إلى موقع جديد، تجسد تغييراً مستمراً في الواقع بالضفة الغربية، حتى بدون بيانات وتصريحات عامة أو اعتماد استراتيجية منتظمة، بطريقة يمكن أن تحول فكرة الدولة الواحدة إلى واقع قائم وتقليل إمكانية الفصل بين المجتمعين.

يضاف إلى ذلك انتهاك الالتزامات التي قطعها رؤساء وزراء “إسرائيل” في السنوات الـ 20 الماضية للحكومة الأمريكية، وذلك بطريقة تؤدي إلى زيادة استياء واشنطن من سياسة الحكومة والخوف من أنها تحاول تغيير الواقع على الأرض وتعزيز عمليات الضم التدريجية.

هذه الخطوات من قبل الحكومة، إذا تم تنفيذها فعلياً، سيكون لها تأثير سلبي على جهود الترويج للتطبيع مع السعودية وتعميق التعاون بشكل علني بالتأكيد مع الدول العربية السنية.

قرار المغرب بتأجيل اجتماع “منتدى النقب” المزمع عقده في تموز / يوليو القادم، والإدانات الشديدة من قبل السعودية والدول العربية الأخرى لهذه الإجراءات ستكون بمثابة عنوان لما هو متوقع من أضرار محتملة على علاقة “إسرائيل” مع الدول العربية.

حماس كمولد لتصعيد متعدد الساحات

في السنوات الأخيرة، كانت حماس تروج لسياسة التفريق أو التمايز العكسي أمام “إسرائيل”، من ناحية هي تحافظ بشكل عام على الهدوء في قطاع غزة مقابل الحصول على مزايا اقتصادية كبيرة بما في ذلك خروج 17000 عامل دخول البضائع، بطريقة تسمح لها بتعزيز حكمها في القطاع، ومن ناحية أخرى تعمل حماس على الترويج لسياسة إشعال المنطقة من خلال القيام بأعمال “إرهابية” ضد المستوطنين من الضفة الغربية ومن لبنان، هذا إلى جانب تعزيز قبضتها على الأرض، كما تجلى في فوزها في أيار (مايو) الماضي في الانتخابات التي أجريت في جامعتي النجاح وبير زيت اللتين كانتا معاقل لفتح.

كما تعمل إيران على تأجيج الاضطرابات في الضفة الغربية، بشكل رئيسي من خلال توفير الأموال التي تغذي البنى التحتية لـ “الإرهاب” المختلفة، حسب مفهوم طهران تشكل كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ساحة عمق أخرى في الحملة الواسعة ضد “إسرائيل”.

في ضوء ذلك، تعمل إيران باستمرار على تعميق علاقاتها مع حماس والجهاد الإسلامي، كما يتضح من الزيارات الأخيرة إلى طهران التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، وزعيم الجهاد الإسلامي زياد النخالة.

على هذه الخلفية، فإن عمليات التعزيز العسكري الإيراني، وتقوية المحور الاستراتيجي مع روسيا والصين، وتجديد العلاقات مع العالم العربي وإمكانية التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة حول الملف النووي إلى جانب صورة ضعف “إسرائيل” يعزز من الثقة بالنفس المتزايدة لدى إيران وحلفاءها في المنطقة، ويعكس الهجوم على مفترق “مجدو” وإنشاء معسكر متقدم لحزب الله في منطقة مزارع شبعا هذا الاتجاه.

توصيات

  • من الواضح تماماً اليوم أن التعديلات القضائية تشكل تهديداً ملموساً لأمن “إسرائيل” القومي وقوتها الاستراتيجية، لذلك يجب على الحكومة أن تتصرف بوضوح للتخلي التام عن التحركات أحادية الجانب لتغيير النظام القضائي.
  • في الوقت نفسه، يجب على “إسرائيل” تغيير سياستها تجاه النظام الفلسطيني، والعمل على استقرار السلطة الفلسطينية، في هذا السياق من الضروري تجنب العقوبات المالية التي من شأنها تقويض مكانة الحكومة الفلسطينية بشكل أكبر والعمل على مواصلة التعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في جميع أنحاء الضفة الغربية.
  • إلى جانب ذلك، يجب على الحكومة كبح السياسة الأحادية الجانب للتوسع الاستيطاني، والعمل بجد وحيادية للقضاء على أعمال الإرهاب التي يمارسها المستوطنون اليهود ضد السكان الفلسطينيين.
  • في الدائرة العملياتية، من المهم مواصلة النشاطات الناجحة، فقط وفقاً للاعتبارات المهنية التي توجهها.
  • من ناحية أخرى، من الضروري الحرص على عدم الانجرار خلف الشعارات الشعبوية التي تكون فوائدها العملياتية منخفضة مخاطرها عالية، خاصة فيما يتعلق بانتشار التوتر في جميع أنحاء الضفة الغربية ومناطق أخرى.
  • في مواجهة حماس، على “إسرائيل” أن تمنع الحركة من إحكام قبضتها على الضفة الغربية وأن تتوخى الحذر وألا تعطي أسباباً لإشعال حرب دينية حول المسجد الأقصى.
  • أخيراً، تستند القوة الاستراتيجية الشاملة على القوة العسكرية الاستخباراتية وعلى استراتيجية سياسية واسعة، وعليه، يوصى بأن تعمل الحكومة، أولاً وقبل كل شيء، على إعادة العلاقات مع الإدارة الأمريكية إلى مسارها الصحيح، والحفاظ على التعاون الاستراتيجي مع الدول العربية، ومنع انهيار السلطة الفلسطينية، أي خيار آخر سيضر بشكل أساسي بقدرة رئيس الوزراء على تعزيز الهدفين الفائقين اللذين حددهما في بداية فترة ولاية حكومته، التعامل مع القضية النووية الإيرانية وتعزيز التطبيع مع المملكة العربية السعودية.

 

المصدر: معهد السياسات واستراتيجية IPS – بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي