أخبارالشرق الأوسطالملف الإيرانيمقالات إستراتيجية

التطبيع بين مصر وإيران وعواقبه على كيان العدو

ترجمة الهدهد

انتشرت أخبار وتقديرات في الأشهر الأخيرة بشأن تطبيع وشيك بين إيران ومصر بعد عقود من القطيعة، ففي يونيو 2023، أفادت الأنباء أن البلدين توصلا إلى اتفاق مبدئي بشأن تشكيل لجنة مشتركة لمناقشة تجديد العلاقات والتنسيق الأمني ​​بينهما، ومن المتوقع أن يشمل التطبيع إقامة علاقات دبلوماسية كاملة ورفع مستوى مكتب المصالح في البلدين إلى سفارات وعقد اجتماع قمة على مستوى وزراء الخارجية أو الرؤساء.

أعرب الزعيم الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين في حكومته صراحة عن أملهم في تجديد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بينما بقيت مصر صامتة نسبيًا حتى الآن، وفي تطرق نادر للتقارير صرح وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أن هذه “تكهنات”، لكنه أضاف أن مصر تتابع عمليات التطبيع بين إيران ودول الخليج، ولا يستبعد حدوث تغيير في الخط التقليدي تجاهها متى وجدت ذلك مفيدًا.

تأتي الاستكشافات الإيرانية المصرية خلال فترة “انفراج إقليمي” أبرزها تجديد العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في نيسان/ أبريل الماضي، رحبت القاهرة بالتطبيع السعودي الإيراني، لكنها لا تزال تدرس ما إذا كانت هذه الخطوة ستؤثر على سياسة إيران في مجموعة متنوعة من القضايا الإقليمية وكيف ستؤثر.

خلفية تاريخية..

تعود القطيعة الدبلوماسية بين مصر وإيران إلى بداية الثورة الإسلامية عام 1979، عندما استضاف الرئيس أنور السادات الشاه المخلوع في بلاده، إضافة إلى ذلك، فإن جذور التوتر بين الدولتين تكمن في معارضة الجمهورية الإسلامية لاتفاقية السلام بين “إسرائيل” ومصر، وبعد اغتيال السادات عام 1981، أصبح القاتل خالد الإسلامبولي بطلاً في إيران، وأطلق النظام الثوري على أحد شوارع طهران اسمه وأصدر طابعًا بريديًا تخليدًا لذكراه.

خلال رئاسة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (1997-2004)، كان هناك بعض التحسن في العلاقات بين البلدين، لكن إيران استمرت في دعم أنشطة الجماعات الإسلامية الراديكالية التي عملت ضد نظام الرئيس حسني مبارك، تم تسجيل تحسن آخر بعد صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر (2012)، لكن هذا لم يدم طويلًا، ويرجع ذلك أساسًا إلى دعم النظام الجديد في مصر الانتفاضة ضد نظام الأسد في سوريا.

اتسم عقد حكم عبد الفتاح السيسي حتى الآن بعلاقات باردة لكن دون أزمات عميقة بين البلدين، وعلى عكس حلفائها في الخليج، رأت مصر أن إيران تشكل تهديدًا ثانويًا بعيدًا عن أمنها القومي، وأن المنظمات الإسلامية المتطرفة تمثل تهديدًا مركزيًا وأكثر واقعية.

على الرغم من أن القاهرة تمقت تعزيز إيران لقوتها النووية، ونفوذها المتزايد في المنطقة العربية، إلا أنها لا تزال تعتبر جماعة الإخوان المسلمين هي الخصم الرئيسي والمباشر من ناحيتها.

الانفراجة التي تتضح الآن، هي نتيجة المحادثات التي جرت في العامين الماضيين وتضمنت محادثة بين السيسي ووزير الخارجية الإيراني على هامش مؤتمر دولي عقد في بغداد في آب / أغسطس 2021، ولقاء بين وزير المخابرات المصري ونائب الرئيس الإيراني في نوفمبر 2022، ومحادثات بين وفود استخباراتية من البلدين.

 وتسارعت وتيرة الحوار بين الطرفين منذ أبريل الماضي عقب تجديد العلاقات بين إيران والسعودية، ويجري بوساطة عمان والعراق الذي يستضيف المحادثات بين الطرفين.

المصالح المتبادلة..

بالنسبة لإيران ومصر، فإن التطبيع لا يعني إلغاء أو تسوية جميع خلافاتهما، بل يعني تعاونًا عمليًا في تعزيز المصالح المشتركة – الثنائية والإقليمية، وترى إيران أن تحسين العلاقات مع مصر جزء من جهد مستمر، خاصة من جانب الحكومة الحالية في طهران، لتعزيز العلاقات بينها وبين الدول العربية السنية، وخاصة دول الخليج، وينظر إلى هذا الاتجاه في إيران على أنه فرصة لتحسين موقعها الإقليمي وتعزيز الردع ضد “إسرائيل”.

لا شك أن تجديد العلاقات مع لاعب رئيسي في العالم العربي مثل مصر، سيقدم من قبل طهران على أنه إنجاز سياسي مهم، وكتعبير آخر، عن تغيير ميزان القوى الإقليمي لصالحها واعتراف متزايد بمكانتها من قبل الدول العربية، بما في ذلك المعسكر الموالي للغرب.

يعتبر تحسين العلاقات مع العالم العربي في نظر إيران فرصة لموازنة الخطوات الإشكالية في المنطقة، وعلى رأسها التطبيع بين “إسرائيل” وعدد من الدول العربية وجهود “إسرائيل” لتعزيز تحالف إقليمي مناهض لإيران.

 لإيران أيضًا مصلحة مادية في تحسين العلاقات مع مصر، ما قد يوفر لها فرصة لتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية في المنطقة، بما في ذلك عبر قناة السويس وزيادة صادراتها إلى مصر، وهذا تعبير عن استراتيجية “اقتصاد المقاومة” التي تبنتها طهران لتحسين مواجهتها لنظام العقوبات الدولي من خلال زيادة التجارة مع الأسواق الإقليمية.

من جانبها، تعطي مصر أيضًا أولوية عالية للاعتبارات الاقتصادية في صياغة سياستها تجاه إيران، وتوجد إمكانية الربح في عدة مجالات :

 التجارة:

زيادة بيع البضائع المصرية في السوق الإيرانية.

 السياحة:

 وتوسيع السياحة الدينية الإيرانية لتشمل المواقع الشيعية في البلاد وجنوب سيناء، حيث أعلنت مصر في مارس / آذار تسهيلات في منح تأشيرات الدخول للسياح الإيرانيين.

إعادة الإعمار:

مشاركة مصرية في مشاريع إعادة إعمار العراق وسوريا، والتي تشكل مجال نفوذ إيراني، ربما بتمويل خليجي.

 الطاقة:

 المساعدة الإيرانية في تسخير لبنان وسوريا للتعاون في مجال الغاز في شرق البحر المتوسط​​، أو في تحييد الجهات التي يمكن أن تنسفه وعلى رأسها حزب الله، بالإضافة إلى ذلك، قد تشتري مصر النفط من إيران عبر العراق رهناً برفع العقوبات الأمريكية.

على الصعيد الأمني​​:

تهتم مصر بمساعدة إيران في منع النشاط العدائي للحوثيين في باب المندب، وفي الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر على طريق قناة السويس، وهو مصدر دخل رئيسي للعملة الأجنبية (بلغت عائدات القناة في 2022-2023 9.4 مليارات دولار)، وتخشى مصر أيضًا من أنشطة تخريبية إيرانية في شبه جزيرة سيناء، والتي تم الكشف عنها في الماضي، في يونيو 2022، حيث أفادت الأنباء أن مصر حذرت إيران من التخطيط لهجمات ضد السياح “الإسرائيليين” في سيناء انتقامًا لعمليات الاغتيال المنسوبة إلى “إسرائيل”، بالإضافة إلى ذلك ترغب القاهرة في منع غزة من أن تصبح قاعدة عمليات إيرانية ضد “إسرائيل”، وتسعى جاهدة للتعاون الإيراني مع جهود مصر للتوسط بين فصائل المقاومة الفلسطينية و”إسرائيل”، والدفع قدما بترتيبات المصالحة الفلسطينية الداخلية ومنع التعاون بين العناصر الفلسطينية في غزة وشمال سيناء.

تحديات في طريق التطبيع..

نهج مصر الأساسي للتطبيع مع إيران لا يزال متشككا ومتحفظًا، ونقطة الانطلاق في القاهرة هي أن تقارب طهران مع الدول العربية لا يعكس تغييراً استراتيجياً في طموحاتها الإقليمية، بل لاعتبارات المنفعة، التي تحد من نوع ونطاق الاتفاقات التي هي جادة في التوصل إليها مع جيرانها، وستتأثر مواصلة خطوات التطبيع بمتغيرين رئيسيين:

أولاً، نجاح التجربة السعودية الإيرانية:

في العقد الماضي، تجنبت مصر تقاربًا كبيرًا مع إيران بسبب مجموعة من تحالفاتها السياسية والاقتصادية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والحاجة إلى أخذ مواقفهما في عين الاعتبار، على الرغم من أن التطبيع السعودي الإيراني يهيئ على ما يبدو لخطوة مصرية إيرانية مماثلة، يرى البعض أنه اختبار لطبيعة التغيير الذي حدث في سياسة إيران الإقليمية، والتي ستحدد نتائجها ما إذا كان سيحدث هناك توسع عربي – إيراني أوسع وأعمق.

ثانيًا، ضوء أخضر أمريكي:

في مصر يسود انطباع على نطاق واسع بأن واشنطن تفضل التركيز في الوقت الحالي على الحرب في أوكرانيا والقتال ضد الصين، ولا تستبعد تقاربًا عربيًا إيرانيًا من شأنه أن يسهم في الاستقرار والهدوء في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، يمكن الافتراض أن مصر لن تطبع علاقاتها مع إيران إلا بعد التأكد من أن ذلك لن يؤدي إلى أزمة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، ولا سيما في فترة الضائقة الاقتصادية، حيث تحتاج إلى استمرار المساعدات الاقتصادية الأمريكية السنوية ودعم واشنطن لها في المؤسسات المالية الدولية التي تمنحها قروضًا مثل صندوق النقد.

توصيات لـ”إسرائيل”..

من وجهة نظر “إسرائيلية”، مسألة التطبيع بين مصر وإيران ليست لعبة محصلتها صفر، حيث أن تحسين العلاقات بين البلدين لن يأتي بالضرورة على حساب العلاقات بين مصر و”إسرائيل” أو يضر بالمصالح “الإسرائيلية” الحيوية، وبالتالي يجب على “تل أبيب” أن تدرس العملية بموضوعية بحسب محتوياتها، على غرار مصر، لـ”إسرائيل” مصلحة أيضًا في تخفيف التوترات في المنطقة، وتعزيز أمن الممرات الملاحية في البحر الأحمر، وزيادة التعاون في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في مجال الغاز، وكبح الجهاد الإسلامي وحماس في غزة، والحد من التهديدات القادمة من إيران ووكلائها الإقليميين، وعلاوة على ذلك، لـ”إسرائيل” مصلحة في تحسين الوضع الاقتصادي في مصر وزيادة استقرارها الداخلي.

من ناحية أخرى، فإن توطيد العلاقة العربية الإيرانية – وداخلها العلاقة المصرية الإيرانية – يحتوي أيضًا على تحديات لـ”إسرائيل” فهذا سيساعد إيران في تحركاتها للخروج العزلة الإقليمية، وتعزيز نفوذها في المنطقة وإضعاف المعسكر الإقليمي الذي تشكل على إثر “اتفاقات إبراهام” ومن بين أمور أخرى على خلفية التعامل مع تهديد الأمن الإيراني المشترك.

 إن تضييق الخلاف العربي الإيراني مع استمرار التصعيد الحالي بين “إسرائيل” والفلسطينيين قد يؤدي إلى مزيد من تأجيل “منتدى النقب”، الذي تشارك فيه مصر أيضًا، ويسرع بعودة الصراع (الإسرائيلي – الفلسطيني) لمركز جدول الأعمال الإقليمي.

تتضمن سيناريوهات التهديد الإضافية التي قد تنشأ عن التقارب المصري الإيراني، على الرغم من أنها أقل احتمالًا، مرور السفن الإيرانية عبر قناة السويس لتهريب النفط أو الأسوأ من ذلك السلاح، وهو تعزيز متفق عليه لموطئ قدم إيراني في قطاع غزة، والحاق ضرر بالتقارب المسجل في السنوات الأخيرة بين “إسرائيل” ومصر و دق إسفين في التنسيق الأمني ​​بين تل ابيب والقاهرة.

في الختام، تُنصح “إسرائيل” بعدم معارضة أي تطبيع مصري – إيراني تلقائيًا، بل السعي لجعل مضمونه يتماشى مع المصالح “الإسرائيلية”، ولهذه الغاية، يجب على “إسرائيل” إجراء حوار مع القاهرة، وكذلك مع واشنطن وأصدقائها الخليجيين في محاولة لتشكيل اتجاهات الانفراجة الإقليمية، وحتى الاندماج فيها قدر الإمكان.

 إن التحسن في العلاقات “الإسرائيلية” المصرية في السنوات الأخيرة في مجالات الأمن والطاقة والسياحة يمنح “تل أبيب” وسائل للتأثير على القاهرة، حتى لو كانت التوترات الأخيرة في الساحة الفلسطينية تقلل من جدواها.

المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي/ أوفير فينتر / وراز تسميت

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي