أخبارالشرق الأوسطالملف الإيرانيترجماتشؤون عسكرية

كإشارة لإيران (وإسرائيل)

لم تغادر بعد.. النشاطات العسكرية الأمريكية في المنطقة

#ترجمة_الهدهد

تشير الإدارة الأمريكية منذ بداية عام 2023، ولاسيما في أعقاب الهجوم على أهداف أمريكية على الأراضي السورية في مارس – إلى أنها تعزز إلى حد ما من تواجد قواتها في الشرق الأوسط، وفي بعض الأحيان ترد بقوة على الهجمات “الإرهابية” الموجهة ضدها، وتوطد العلاقة الأمنية مع حلفائها وخاصة “إسرائيل”.

في مواجهة التحدي الإيراني المتفاقم الذي قدمته إدارة بايدن في إحاطة سرية لجميع أعضاء مجلس الشيوخ (16 مايو 2023)، فإنها تعمل في جهدين في وقت واحد: محاولة للتوصل إلى اتفاقيات مؤقتة محدودة وغير رسمية من شأنها أن تحد من اندفاع إيران إلى الأسلحة النووية (مقابل الإفراج عن الأموال، بشكل أساسي من دول الطرف الثالث، والتخفيف من ضغوط العقوبات ؛ ومن ناحية أخرى، تسليط الضوء على الوجود العسكري الأمريكي، من بين أمور أخرى، لردع إيران عن الإجراءات الاستفزازية إذا فشلت الخطوة وزادت التوترات بشأن الملف النووي، والاستعداد لرد عسكري إذا لزم الأمر.

هدف آخر هو “تهدئة إسرائيل” وكبح تحركاتها، لكن من المشكوك فيه أن يكون النشاط الأمريكي، بخصائصه الحالية، قادرًا على تبديد الشكوك بين دول المنطقة بشأن عزم أو إصرار الإدارة الأمريكية، لذلك من المهم الحفاظ على التوازن الدقيق بين الاستفادة من التعاون مع الولايات المتحدة والاستعداد لاحتمال موقف إقليمي مشترك ضد التحدي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية “إسرائيل” في اتخاذ القرارات في المستقبل.

الرسالة الأمريكية: الالتزام بحماية الشرق الأوسط يبقى كما هو..

أكدت نائب مساعد وزير الدفاع (DAS) لشؤون الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأمريكية دانا سترول في مقابلة ضمن مؤتمر جيروزاليم بوست في نيويورك (5 يونيو 2023) أن الإدارة الأمريكية، وخاصة وزارة الدفاع تظل ملتزمة بالدفاع عن الشرق الأوسط، حتى عندما تركز الإدارة جهودها في مساعدة أوكرانيا والحفاظ على توازن القوة والردع ضد الصين.

وأوضحت أن قرابة 30 ألف عسكري أمريكي يتمركزون حاليًا في الشرق الأوسط من جميع الأذرع الأربعة (الجوية والبحرية والبرية والمارينز )، جدير بالذكر أن قاعدة القوات الجوية الأمريكية في العُديد من أكبر القواعد في العالم، ولا تزال قاعدة إنجرليك في تركيا تستخدم من بين أمور أخرى لتخزين الأسلحة النووية.

في نظر الولايات المتحدة إيران هي التهديد الرئيسي لأمن المنطقة، وينوي الرئيس بايدن الالتزام بوعده ومنعها من الحصول على أسلحة نووية، إن أمكن من خلال الوسائل الدبلوماسية، ولكن بدعم الخيار العسكري الموثوق الذي قررت وزارة الدفاع وفقًا لسترول طرحه في اليوم يتطلب فيه ذلك.

على الرغم من أن الرسالة المتعلقة بالجهود الموازية – الدبلوماسية والعسكرية – تهدف من بين أمور أخرى، إلى تهدئة المخاوف لدى “إسرائيل” ولدى أصدقائها ومؤيديها في الجمهور وفي الكونغرس، وكذلك لدى العناصر المؤيدة تقليدياً لأمريكا في الشرق الاوسط، فيما يتعلق بميل الولايات المتحدة إلى الانسحاب من التزاماتها، إلّا أن لها أساسا بقدر معين يظهر في الإجراءات المتخذة في الميدان منذ بداية عام 2023:

  1. في كانون الثاني (يناير) 2023، جرت أكبر مناورة عسكرية مشتركة بين القوات الأمريكية بكافة أذرعها وبين “الجيش الإسرائيلي” Juniper Oak 23 “جونيبر أوك 23” باسمها الأمريكي. إلا أنه تم إجراؤها بطريقة كان من الواضح أنها تستهدف إيران، وأعقب ذلك زيارات إضافية قام بها قائد “القيادة المركزية” الأمريكية الجنرال مايكل كوريلا إلى “إسرائيل”، يجب أن نتذكر أنه منذ نقل “إسرائيل” إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية، وهي أهم شريك عسكري لها، من بين أمور أخرى، كان الجنرال كوريلا حاضرًا جنبًا إلى جنب مع رئيس الأركان “هيرتسي هاليفي”، خلال المناورة السنوية لهيئة الأركان “اللكمة الساحقة”، وهو حدث غير عادي يؤكد بشكل أكبر إلى أي مدى التعاون الذي يزداد إحكامًا يغير التوازن العسكري في النظام الإقليمي.
  1. في منتصف شباط / فبراير، أنشأت وزارة الدفاع والقيادة المركزية الأمريكية مجموعتي عمل مع دول “مجلس التعاون الخليجي” بشأن القضايا الأساسية في أمن النظام الإقليمي: الدفاع المشترك ضد التهديدات الجوية، ضمن ذلك الصواريخ والطائرات المقاتلة، وتأمين الممرات الملاحية. في الخلفية وقفت أحداث السنوات الأخيرة، التي تعرضت خلالها أهداف استراتيجية في السعودية والإمارات لهجوم من قبل إيران أو وكلائها.

3 – في آذار 2023 نُفذ هجومان بطائرات مسيرة على قواعد عسكرية أميركية شمال شرقي سوريا. قتل مقاول مدني وجرح عدد من الجنود، ولا يزال نحو 900 جندي أمريكي يتمركزون في هذه المنطقة يساعدون القوات الكردية (قسد، “قوات سوريا الديمقراطية” باسمها الرسمي) ويعملون على إعاقة طريق الإمداد الإيراني من العراق إلى سوريا ولبنان، والاحتكاك بينها وبين قوات الحرس الثوري والميليشيات الموالية لإيران في سوريا آخذة في الازدياد، رداً على ذلك، وافقت إدارة بايدن على هجمات على أهداف تابعة لإيران في سوريا قُتل فيها 8 من رجال الميليشيات.

على الرغم من أن هذا ردا جزئياً للغاية، وفقًا لمزاعم الجيش الأمريكي فقد كان هناك 78 هجومًا ضد أهداف أمريكية منذ عام 2021، تم الرد على القليل منها فقط، لكن الرئيس أوضح أن الولايات المتحدة “ستتصرف بقوة” إذا استمرت الهجمات، لذلك، فإن أفعال الولايات المتحدة حتى الآن لم تثبت مصداقية هذا التحذير، لكن في مطلع حزيران / يونيو، نُشرت تقارير استخباراتية مسربة تفيد بأن إيران تخطط مجددًا لسلسلة هجمات ضد الأمريكيين في سوريا، تلبية لطموح الروس ونظام الأسد في طردهم من سوريا.

  1. رداً على التهديدات الإيرانية في بداية نيسان / أبريل 2023 (“حتى جندي أمريكي واحد في العراق كثير جداً”) أوضح الأمريكيون أن الوجود في العراق – وإن كان محدوداً للغاية وفي أدوار استشارية فقط – سيبقى كما هو.
  2. خلال شهر مايو ازداد الوجود البحري الأمريكي في منطقة الخليج، بشكل أساسي رداً على نمط المضايقات الإيرانية للممرات الملاحية، بما في ذلك مهاجمة السفن أو الاستيلاء عليها (15 حالة في العامين الماضيين) وابحرت مدمرات أمريكية وبريطانية، كان على متنها قائد الأسطول الخامس الأمريكي برفقة ضباط كبار من القوات البحرية الفرنسية والبريطانية في المحيط الهندي، عبر مضيق هرمز لإظهار وجودهم في الخليج العربي، بينما في نفس الوقت نُشرت تقارير، دون تأكيد رسمي حول تعزيز وجود غواصات البحرية الأمريكية في المنطقة.

6- في سياق آخر، ردًا على النشاط المستفز لطائرات سلاح الجو الروسي في سوريا أعلن مقر القيادة المركزية الأمريكية عن زيادة الوجود الجوي الأمريكي في المنطقة بطائرات مقاتلة شبح من طراز 22-F من قاعدة سلاح الجو الامريكي في لنغلي فيرجينيا.

يبدو أن هذه المجموعة من النشاطات، إلى جانب صورة الوضع في المشروع النووي الإيراني، كانت محور الإحاطة السرية لجميع أعضاء مجلس الشيوخ (16 مايو 2023)، في حين أن الإدارة ملتزمة بالسعي إلى حل دبلوماسي، مثل الاتفاقات المؤقتة المحدودة (“الأقل مقابل الأقل”)، الا أنها تحرص على توضيح أنها لا ترى إيران كشريك ولكن كخصم يهدد أمن المنطقة و الولايات المتحدة وحلفائها، وتنتمي بشكل متزايد الى “المحور” الروسي الصيني، ومع ذلك، استمر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين شاركوا في الإحاطة في انتقاد ردود الإدارة المتساهلة حتى الآن.

أهداف النشاط الأمريكي في المنطقة..

إن نظام الأنشطة الأمريكية في البعد العسكري (حتى لو كانت حدتها بعيدة كل البعد عن الدراماتيكية، بالتأكيد مقارنة بالصدمة التي حققتها اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020)، تخدم عدة أهداف متشابكة مع بعضها بعضا، ويمكن تفسير معظمها على أنها نظام إشارات او تلميحات إستراتيجية:

  1. إلى إيران، في محاولة لتوضيح ما يمكن أن يحدث لها إذا استمرت في التقدم فيما يصفه الأمريكيون مسار التصادم الحالي”، ولم ترد على الاقتراح المطروح على الطاولة لكبح المشروع النووي في مقابل لفتات اقتصادية واسعة النطاق.
  2. إلى “إسرائيل” وأصدقائها الآخرين في الولايات المتحدة كرسالة طمأنة – “الولايات المتحدة لا تزال هنا – والتي يمكن الافتراض أن من بين أهدافها غير المعلنة تفضيل كبح العمليات العسكرية “الإسرائيلية”، في سياق المواقف التي اتخذتها الإدارات الأمريكية عام 1981، 2007 (ولو انها اعترفت بخطئها في هذه الحالة)، وفي الأعوام 2010-2012 في الشأن الإيراني.
  3. ضد موقف له أسس قوية لدى الجمهور والكونغرس، والذي يعتبر إيران عدواً ويعرب عن قلقه العميق (كما فعل العديد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بعد الإحاطة السرية في أيار / مايو) بشأن رد الفعل المتراخي على أفعالها واستفزازاتها، بما في ذلك الهجمات على السعودية والإمارات ودعم روسيا ونظام الأسد والمنظمات الإرهابية.

في الوقت نفسه، وبغض النظر عن الحاجة إلى الإشارات أو التلميحات، يجب أيضًا النظر إلى التغييرات في الإعداد والخطط العملياتية أيضاً بمفاهيم الإعداد لاحتمال – حقيقي – لفشل الجهد الدبلوماسي الحالي والتدهور السريع نحو مواجهة عسكرية إما بقرار أمريكي (احتمالية منخفضة) أو بسبب عمل “إسرائيلي”، ورد إيراني موجه ضد الولايات المتحدة وقواتها ومواطنيها وحلفائها في الخليج، يستوجب رداً دفاعياً وهجومياً من قبل القيادة المركزية.

ضرورة التوازن في سياسة “إسرائيل” أمام التعامل الأمريكي مع التحدي الإيراني..

هذه الخصائص للنشاط الأمريكي، والتي تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تغادر بعد منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، لا تزال بعيدة عن تهدئة مخاوف حلفائها، ومع ذلك فإنهم يضعون “إسرائيل” أمام معضلة، أو بشكل أكثر دقة مع الحاجة إلى الموازنة بعناية بين مجموعتين من الاعتبارات التي يوجد توتر بينهما:

من ناحية أخرى، من المهم الحفاظ على مكانة “إسرائيل” كأهم شريك عسكري للقيادة المركزية الأمريكية في الدفاع عن المنطقة، وضمن ذلك الاستعانة بأكبر قدر ممكن مما يجب أن تقدمه الولايات المتحدة في جوانب التعاون الأمني ​​والاستخباراتي، وتعميق القدرة على العمل معًا في يوم المعركة (interoperability) (إمكانية التشغيل البيني) ودمج “إسرائيل” في الأنظمة الإقليمية الواسعة، مع التركيز على الدفاع ضد الصواريخ والهجمات الجوية (“تحالف الدفاع الجوي للشرق الأوسط، MEADTO). قبل كل شيء يجب أن يظل هدف الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة مركزًا بشكل لا لبس فيه على إحكام التنسيق في مواجهة التحدي الإيراني المتزايد باستمرار.

من ناحية أخرى، يجب على جميع المستويات، السياسية والعسكرية على حد سواء ان تحرص على التوضيح مسبقًا أنه يجب الحفاظ على حرية “إسرائيل” في العمل (الأمر الذي يفيد الولايات المتحدة أيضًا – حيث انها تركز الانتباه على الغرب على الحاجة الملحة إلى احتواء الإيرانيين) أولاً وقبل كل شيء، فإن “إسرائيل” هي التي ستقيّم بناءً على قدراتها الاستخباراتية مع كل الاحترام الواجب لتعميق رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما إذا كانت إيران تقترب مرة أخرى من “الخط الأحمر الأعلى” وتكدس المواد الانشطارية العسكرية.

المصدر| “معهد القدس للاستراتيجية والأمن”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي