أخبارمقالات إستراتيجية

الذكاء الاصطناعي وأثره في تطور مفهوم الحرب

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

أولاً: مقدمة:

الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (A.I) مصطلحٌ بدأ يطرق أسماعنا ويشغل تفكيرنا، كما شُغلنا من قبل عندما طرحت مصطلحات القوة الناعمة أو الخشنة أو الذكية، حيث سال حبرٌ كثيرٌ في هذا المجال تعريفاً بالمصطلحات، وضبطاً للمفاهيم، ليبنى على هذه المفاهيم مقتضياتها.

ومضت سنون كثيرة حتى استقرت هذه المفاهيم – القوة الناعمة والخشنة والذكية – وأصبح هناك تقريباً فهم واحد لدى أهل الاختصاص للدلالة عليها، ولم يعد هناك خلافٌ جذريٌ في مدلولاتها؛ فيكفي أن تذكر اسم واحدة منها، ليفهم عليك مُخاطبك ما الذي تريد أن تقوله أو أن تدلل عليه.

والآن ها هو مصطلح آخر – الذكاء الاصطناعي – يدخل علينا بكل ما يحمله من تعقيد، وما يكتنفه من غموض وخلاف في الدلالة والمدلول عليه، أو ما يترتب على هذا العمل من نتائج، أو ما يمكن أن ينتج عنه من مشاكل وأزمات، وهل أن هذا الأمر خطرٌ في ذاته على البشرية؟ أم أنه من النتائج التي تفتقت عنها أذهان الآدميين، الأمر الذي يعني أنهم مالكو زمامه، وأنه لن يشكل خطراً عليهم، وأن كل ما يتطلبه هذا الأمر هو السيطرة على منتجاته ومخرجاته.

وهنا اختلف أصحاب الاختصاص، وأهل الفن – الذين لا ندعي أننا منهم – في القدرة على السيطرة على هذا المجال العلمي، وهل أن مخرجاته يمكن السيطرة عليها أم لا؟ أسئلة ما زالت في طور البحث والنقاش، وتقصي الإجابة عنها بين أهل (الذكر) في هذا العالم البِكر.

فقد اختلفوا على مدارس ومذاهب وآراء، بين من يرى أن هذا العالم غير قابل للسيطرة عليه، وأنه سيسب هلاكاً لجنس البشر كما قال “جفري هينتون” الأب الروحي لهذا العلم حيث قال: “هذه التقنية إذا وقعت في الأيدي الخاطئة فقد يكون ذلك كارثياً على البشرية”.

أو كما ذهب “غاري ماركوس” عندما قال: “الخطر في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي لا نحكم السيطرة عليها”.

وبين من يرى أنه وبما أن هذا العلم وتطبيقاته من منتجات العقل البشري – وهو كذلك – فإن من صممه وصنعه وطرحه للاستخدام؛ لا بد أنه مالك لزمام أمره، وقادرٌ على السيطرة عليه، وهذا محل خلاف ندعه لأهل الاختصاص يغوصون فيه ليحرروا (مُحكَمه) من (متشابهه)؛ تحليلاً وتقييماً وخلوصاً إلى نتائج.

إلّا أن الدافع لكتابة هذه الورقة هو: إلقاء حجر في بركة هذا العالم يكون محفزاً لأهل الفن العسكري للجلوس مع أهل هذا الفن التقني والعلمي، ليبحثوا سوياً في آثار استخدام تقنيات وتكنيكات “الذكاء الاصطناعي” على إدارة الحرب وساحات المعارك – العسكرية منها والأمنية -، كون عدونا المحتل لأرضنا فلسطين من ذوي الكعب العالي في هذا المجال، كما أنه بدأ يتحدث في الآونة الأخيرة بأنه قد شرع في توظيف هذا العلم في استهداف مقاومينا ومجاهدينا في فلسطين.

ويكفي المرور على حاجز من الحواجز التي تفصل مدننا وقرانا عن بعضها بعضا لترى كم الكاميرات والمستشعرات وأجهزة المراقبة – المرئية وغير المرئية – وهي كلها من مغذيات منظومات “الذكاء الاصطناعي” التي ترفع من كفاءته وتزيد من شراسته، ويكفي رؤية وسائل الإدخال هذه للدلالة على أننا في صراعنا مع عدونا هذا قد دخلنا في مربع لعبه، والمساحة التي يتقن التحكم بها.

لذلك ستتحدث هذا الورقة في أمور كلية وعناوين عريضة، ولن تغوص في عمق هذا البحث، كون كاتب هذه الورقة ليس من أهل الاختصاص العلمي في هذا المجال، وإنما قارئٌ مبتدئ، هاله ما قرأ عن توظيف عدونا لهذه التقنيات في استهداف مقاومينا، فرأى أن الواجب عليه أن يقرع جرس الخطر، ويحفز همم أهل الاختصاص، للإدلاء بآرائهم، علّنا نحقن دماً هنا، ونتقي دماراً هناك، ونفشل خططاً، ونحبط إجراءات.

ستخوض هذه الورقة في عباب هذا البحر اللجيّ عبر عناوين تبدأ بتعريف المصطلح والمفهوم وبشكل موجز، ثم ستتحدث عن خطورته وأهمية ما يمكن أن ينتج عن استخدامه وتوظيف مخرجاته، ثم تقترح مجموعة من المقترحات التي نعتقد أنها يمكن أن تكون أرضية للبحث في كيفية اتقاء (شر) هذا الوافد الجديد.

ثانياً: المفهوم وأصل الفكرة:

لن نتحدث عن أنواع “الذكاء الاصطناعي” الأربعة – الآلات التفاعلية، أو الذاكرة المحدودة، أو نظرية العقل، أو الوعي الذاتي- وارتباط كل واحدة منها بمقدار تعقيد التي سبقتها، فهذا بحث خارج الاختصاص، وإنما سنكتفي بالقول بأن “الذكاء الاصطناعي” قائمٌ على فكرة تمكين الوسائل التقنية والكمبيوترية من الوصول إلى كم هائل من المعلومات، وفي شتى المجالات، بحيث تستطيع هذه الوسائل التقنية تعليم ذاتها واقتراح حلول لمشاكل أو مواقف يتم التعامل معها، أو الإجابة على أسئلة تطرح عليها، دون تدخل من عامل بشري في عملياتها الداخلية، على عكس عالم البرمجة الذي يقوم على توقع مخرجات بناءً على ما تم التعامل معه من مدخلات، هذا باختصار شديد.

بمعنى أن الأجهزة التقنية قادرة على تطوير نفسها وطرح مخرجاتها بناء على فهمها هي، بعد مقارنتها ومراجعتها لقاعدة البيانات التي تتعامل معها أو القادرة على الوصول لها، وهنا يكمن الخطر الذي يقول عنه أهل الاختصاص والذي يسمونه “التحيز أو الميل” بحيث يتم تمكين هذه التقنيات من الوصول إلى نوع معين من المعطيات، فيضمنون -تقريباً- توقع أو سَوق المخرجات بالاتجاه الذي يريده المتحكم أو المشغل البشري.

ثالثاً: أهميتها والخطر المتوقع منها:

إذا كان ما ذكرنا يمثل التفسير البسيط والعلمي -والذي يحتاج إلى تدقيق وتمحيص من أهل الاختصاص أكيد- ليبنى على الشيء مقتضاه، فإن بعض الأهمية والخطر في هذه التقنيات يكمن في الآتي:

  1. شرعنة الخطأ، والتشكيك في الصحيح:

إن أول المخاطر الناتجة عن هذا العلم يمكن أن يكون في شرعنة ما هو خطأ، وتخطيئ ما هو صحيح، يعني، وبما أن “الذكاء الاصطناعي” يمكن أن يتم التحكم به عن طريق ما يوضع بين (يديه) من معطيات فهذا يعني أنه يمكن أن يتم توجيهه ليقدم نتائج أو إجابات خاطئة لمواقف مفترضه، أو أن يتم التلاعب بأحداث صحيحة وقعت فعلاً ولا تحمل شبهة خطأ أو ما يثير للشك، يتم التلاعب بها بحيث يُقدح في صحتها، أو ما تريد أن تدلل عليه.

عندها سنقع في محذور تآكل الثقة المعرفية، عبر ضرب مصداقية المصادر الموثوقة، أو منح المصداقية لمصادر غير موثوقة.

  1. التلاعب في المخرجات بناء على الانتقائية في المدخلات:

الخطر الثاني والممكن تصوره، هو التلاعب بالمدخلات من أجل ضمان التحكم في المخرجات، فالجيوش التي تعتمد في بعض إدارتها لقدراتها القتالية -النارية والبشرية- على الذكاء الصناعي إن كانت تدير هذه القدرات عبر تلك التقنيات من أجل زيادة سرعة عمليات القيادة والسيطرة والتوجيه، مثل هذه الجيوش أو القطع العسكرية، إن لم تكن مالكة لزمام هذا العلم، وقادرة على التحكم به وسد ثغراته، فإنها قد تقع فريسة التلاعب في معطيات تقديراتها للمواقف، مما يعني ضرب أهم مركّب من مركبات اتخاذ القرار، عنينا به “تقدير الموقف” القائم على معطيات صلبة أو ذات مصداقية عالية.

هنا لا ضير من ذكر الآتي، وهو أن بعض الجيوش التي بنت عقائدها القتالية على نظرية “الحرب غير المتكافئة”، مع أنها تستخدم التقنيات وأدواتها في قيادتها وسيطرتها على قدراتها النارية والبشرية؛ إلّا أنها تحتفظ لنفسها وتديم التدريب على العمل وفق الوسائل والسبل التقليدية القديمة، التي لا تحتاج إلى التقنيات العالية، تحسباً لأي موقف قد تجد نفسها فيه غير قادرة على السيطرة على قدراتها ومقدراتها.

  1. التلاعب في الموقف والتقديرات:

في السياق السابق نفسه، فإن قدرة وسائل وتقنيات “الذكاء الاصطناعي” على تطوير وتعليم نفسها، وتقديم الإجابات على أسئلة افتراضية ليس لها جواب غير الذي تراه هو مناسباً للسياق العام، قد يمكنها من تقديم معطيات -صوت وصورة- غير حقيقية أصلاً، مما يعني تضليلها للأجهزة والتشكيلات المنوط بها تقديم تقديرات المواقف.

وهنا يقع المحظور؛ فيعتقد القائد أو الجندي أنه يقود تشكيله أو وسائطه القتالية بذاته وبنفسه -وهذا صحيح- ولكنه يقود بالاتجاه الذي يريد المتحكم البعيد والجالس خلف شاشات البلازما يريد!

  1. تزوير التوجيهات والإجراءات:

إن قدرة “الذكاء الاصطناعي التوليدي” على إنتاج المحادثات الصوتية أو تركيب الصورة الفتوغرافية بحيث يصعب على غير ذوي الاختصاص التحقق من صحتها أو كشف زيفها، يعني أن مالك زمام هذا العلم، قادرٌ على إصدار التوجيهات، والطلب بالقيام بعمل الإجراءات، عبر صوت وصورة القادة والمسؤولين، ثم تقدم أو ترسل عبر وسائل الاتصال الحديثة، والتي لا يكاد أحد -الجندي قبل المدني- يملك نوعاً منها.

عندها قد يقتل المقاتل رفيق سلاحه! وقد تهاجم أسلحة الاسناد القريبة والبعيدة، الأرضية منها والجوية، وتقتل من جاءت لتقديم الاسناد والتعزيز لهم!! ولن يُفطن لهذا الخطر إلا بعد وقوعه، وتحقيق مهمته وهدفه.

  1. إصدار الأوامر وتشغيل القدرات:

ومن خطورة هذه التطبيقات العلمية؛ قدرتها على إصدار الأوامر، وتشغيل القدرات القتالية، إن القدرات القتالية (المؤتمتة) على ما تقدمه من سرعة في الاستجابة، ودقة في التصويب، وهوامش مناورة واسعة، وغير هذه التسهيلات؛ إلا أنها تحمل في طياتها مقتلاً لغير مالكي زمام أمرها، وهي في يد غير مصنعيها أو أهلها، عبارة عن سيف ذي حدين يجب التنبه له، والتعامل معها على أنها تحمل السم الزعاف بين شرائحها الالكترونية، ودوائرها الكهربائية.

وهنا نذكر مثالاً سريعاً، للتدليل على ذلك، فقد كانت أجهزة الاتصالات التي زود بها سلاح الدرع العراقي قبل حرب الخليج الأولى 1990 من انتاج المصانع الفرنسية، وقد حمّلت هذه الأجهزة بأوامر تشغيل وبروتوكلات عمل يقدر على تعطيلها متى شاء المزود الرئيسي – فرنسا – ذلك، عندما بدأت الحرب فُعلت أوامر التشغيل تلك مما جعل سلاح المدرعات العراقي يناور على غير هدىً، ويخبط خبط عشواء، فقد كانت تتحرك الدروع العراقية بجانب بعضها البعض بشكل عشوائي، ولا يعرف قائد الدرع عن جاره شيء!!!

  1. إفشال الخطط والإجراءات:

أما الخطر النهائي المتصور للعمل في هذا المربع لغير مالكي زمام أمره فهو إفشال الخطط، وضرب الإجراءات، فمن يملك المدخلات، يسيطر على المخرجات، والمعلومات والمعطيات هي أساس بناء الخطط وإصدار الإجراءات، لذلك فإن المتحكمين في قدرات “الذكاء الاصطناعي”، قادرون على إفشال الخطط عبر التلاعب في مدخلات بنائها، أو كشف الخطط قبل بدء تنفيذها، لذلك فإنه من الأهمية بمكان، توثيق المصادر والاطمئنان لما يأتي منها، وكذا الثقة بآليات توصيل الإجراءات أو التوصية بها، وهنا محور الكلام وركيزته هي: أن أمن العملية أهم العملية بذاتها.

هذه بعض المخاطر الناتجة أو الممكن تصورها كنتيجة لدخول أدوات وتقنيات “الذكاء الاصطناعي” على ساحة المعركة، وميدان الحرب.

أما عن بعض سبل الوقاية الممكنة فهي ما سنأتي على ذكره في العنوان الرابع من هذه الورقة.

رابعاً: سبل الوقاية الممكنة:

أما عن سبل الوقاية من شر هذه التقنيات والخروج من اللعب في المربع الذي تفرضه هي ومشغلوها علينا، فيمكن الحديث عن بعض الإجراءات والتوجيهات، التي نعتقد أنها أولاً يجب أن تراجع ويتم التدقيق فيها، في لقاءات مشتركة تجمع ذوي الاختصاصين التقني والعسكري، لوضع النقاط على حروفها؛ اعتماداً أو تصحيحاً أو حذفاً، ولن نفصل فيها، بل نسردها سرداً، ليستنبط القارئ المهتم حاجته منها، دون أن نحجر على فهمه أو نقيد تفكيره، أما عن أهم هذه الإجراءات فهي:

  1. المعرفة والفهم والمعلومات حول هذا العمل والتقنيات.
  2. اخفاء الأهداف والغايات الكلية، منعاً من التحكم في المدخلات الأولية.
  3. ضرب المدخلات؛ خشناً باستهداف المقرات، أو ناعماً باستهداف المعطيات.
  4. قطع سلاسل توريد المعلومات عبر حفظ أصل التأمين الشامل للمعلومات والمقرات والأشخاص.
  5. الارتجال واللا منطقة السلوك، فنقطة قوة “الذكاء الاصطناعي” هي توقع السلوك المنطقي والإجابة العلمية.
  6. تكثير الخيارات والبدائل، وعدم قصر أدوات الفعل على نوع معين من القدرات والأدوات.
  7. المرونة واللامركزية في التنفيذ والإجراء.
  8. بحث مسألة (أتمتة) وسائل القتال وسبله على قاعدة الجدوى والأكلاف، ليبنى على الشيء مقتضاه.

يمكن الرجوع لمقالنا السابق “حرب العصابات وأتمتة القدرات الفرص والتهديدات” وهو مقال من جزأين.

حرب العصابات و”أتمتة” القدرات الفرص والتهديدات

كانت هذه بعض الأفكار التي نعتقد أنها بحاجة لمزيد من البحث والتمحيص من قبل أهل الاختصاص وأرباب الذكر، لنتقي شر هذا الوافد الجديد أو نطوعه ما استطعنا لصالحنا.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي