أخبارشؤون فلسطينيةمقالات إستراتيجية

لماذا عادوا للحديث عن تطوير حقل الغاز قبالة سواحل غزة؟

ترجمة الهدهد

أعلن مكتب رئيس وزراء العدو “بنيامين نتنياهو” أنه “في إطار الخطوات الجارية بين “إسرائيل” ومصر والسلطة الفلسطينية، مع التركيز على تنمية الاقتصاد الفلسطيني والحفاظ على الاستقرار الأمني​​ في المنطقة، تقرر دفع تطوير حقل الغاز أمام غزة (غزة مارين).

ويؤكد البيان أن الخطوات تخضع للحفاظ على المصالح الأمنية والسياسية لـ “إسرائيل”، بالرغم من أنه سيتم لاحقاً بذل محاولة لتقديم العملية على أنها خطوت بين السلطة الفلسطينية ومصر فقط، إلا أن “إسرائيل” ستشارك بشكل كامل في أي خطوة تتعلق بتطوير المنطقة البحرية قبالة غزة، وربما حماس أيضاً.

يعكس “الإعلان الإسرائيلي” تغييراً هاماً في السياسة وهذا ليس بديهياً

تم اكتشاف حقل الغاز غرب غزة عام 1999، إنه حقل صغير نسبياً، وفقاً لتقديرات الخبراء، يحتوي على حوالي 30 مليار متر مكعب (BCM) بقيمة محتملة تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، وهذا يساوي حوالي عُشر كمية الغاز الطبيعي الموجودة في حقل “تمار” (حوالي 280 مليار متر مكعب)، على مر السنين أصبح من الواضح أن هناك حقول أخرى محتملة في المنطقة، لكن هذه لم يتم فحصها.

وفقاً لقواعد القانون الدولي والاتفاق البحري والاتفاقيات السياسية التي قادتها “إسرائيل” في التسعينيات، تتمتع السلطة الفلسطينية بالسيادة عندما يتعلق الأمر بالبحث عن حقول الغاز الطبيعي الموجودة في المنطقة البحرية لقطاع غزة وتطويرها

ومع ذلك، تسيطر “إسرائيل” عملياً على المنطقة البحرية حيث يوجد الحقل، وأي نشاط فيها يتطلب في الواقع موافقتها.

لقد حاول جميع “رؤساء الوزراء الإسرائيليين” خلال العقدين الماضيين تعزيز تطوير حقل الغاز وتنظيم طريقة استخدام الأرباح المتوقعة، بشرط ألا يتم استخدامها لصالح التنظيمات الفلسطينية ولكن فقط في رفاهية السكان.

لكن كل هذه المحاولات تحطمت أمام الواقع الأمني ​​والعلاقات غير المستقرة بين “إسرائيل” والفلسطينيين، فضلاً عن الافتقار إلى الجدوى الاقتصادية لدى القطاع الخاص لتطوير حقل صغير نسبياً في بيئة سياسية غير مستقرة.

سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007 وجولات القتال مع “إسرائيل” جعلت تطوير حقل الغاز في باطن الأرض أكثر تعقيداً.

هناك فرضيات مختلفة حول سبب سماح “إسرائيل” بالانفراجة في الوقت الحاضر وما حصلت عليه في المقابل، وتتراوح التقديرات بين محاولة تهدئة الغضب الأمريكي المتوقع بسبب قرار “حكومة نتنياهو” تشجيع البناء في المستوطنات، فيما تقديم المساعدة لمصر في صياغة خطة التهدئة مع مختلف الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، دفع المفاوضات حول الأسرى والمفقودين، أو الترويج لاتفاقية تطبيع مع السعودية، أو الترويج لمشروع إقليمي لإنشاء بنى تحتية جديدة للغاز مع تركيا، وافتراض آخر هو أن مصر ستكون هي المستفيدة من الغاز الطبيعي قبالة سواحل غزة، ولهذا فقد أعطت رعايتها للاتفاقية الناشئة، لأنه لا يوجد مبرر اقتصادي لتطوير الحقل إذا كان الغاز سيوجه فقط إلى أسواق قطاع غزة والسلطة الفلسطينية.

دون تجاهل الفرضيات التي ذكرت أعلاه، يبدو لنا أن أحد الأسباب التي جعلت الاختراق أو التقدم ممكناً هو اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان التي تم توقيعها في أكتوبر الماضي بوساطة أميركية.

الحكومة الحالية ضد الاتفاق، وسلسلة التفاهمات التي تم التوصل إليها مع لبنان وحزب الله خلقت سابقة قانونية ودبلوماسية لغزة أيضاً.

هناك ثلاث نقاط تشابه مهمة بين الحالتين:

  • أولاً: في كلتا الحالتين، يحتاج السكان بشدة إلى مصادر دخل كبيرة لتحسين مستوى معيشتهم، وتعتقد “إسرائيل” أن هذا سيساعد أيضاً في تحقيق الهدوء الأمني.
  • ثانياً: في كلتا الحالتين، هناك احتياطيات: حقول” غاز محتملة إضافية إلى جانب تلك التي تدور حولها الاتفاقية، والافتراض هو أن الاتفاق السياسي سيشجع شركات الطاقة الأجنبية على استثمار المبلغ الكبير من الأموال المطلوبة لتحديد مكانها.
  • ثالثاً: ولعلها السابقة الأهم: في كل من لبنان وقطاع غزة السيطرة الفعلية في أيدي المنظمات التي تخوض صراعاً مريراً ومستمراً ضد “إسرائيل” ولا تعترف بوجودها، ما يخلق صعوبة في إجراء مفاوضات ومع ذلك.

وبالرغم من الخطاب المحتدم، تم التوصل إلى اتفاق في لبنان يسمح بمحاولة حقيقية لتطوير المنطقة البحرية اللبنانية وتلميح لشركات الطاقة الأجنبية للبحث عن حقول غاز إضافية.

يبدو أنه بناءً على التجربة اللبنانية، فإن دول المنطقة، وخاصة مصر والولايات المتحدة، تسعى الآن إلى الترويج للاتفاق في غزة، ولا يمكن تفسير “الموافقة الإسرائيلية” على تعزيز تطوير الحقل بأي طريقة أخرى سوى أن “إسرائيل” جادة في إجراء حوار، حتى ولو بشكل غير مباشر وغير علني مع حماس.

سواء أكان القرار الحالي سيؤدي إلى تطوير المنطقة البحرية قبالة غزة أم لا، فلا شك أن الساحة البحري والموارد الكامنة فيها تولد الكثير من الفرص الدبلوماسية الجديدة بالنسبة لـ “إسرائيل”.

في العقد الماضي، أصبحت “إسرائيل” قوة غاز إقليمية بفضل اكتشافات حقول الغاز “تمار”، و”ليفياتان”، و”كريش”، و”تنين”، ولا يزال الحبل على الجرار، إن الجمع بين احتياطيات الغاز الكبيرة والقوة البحرية الفعالة التي تؤثر على المنطقة بأكملها يضع “إسرائيل” كأهم نقطة ارتكاز عندما يتعلق الأمر بتطوير المنطقة والموارد في شرق البحر المتوسط ​​، وربطها المحتمل بالقارة الأوروبية.

الاتفاقات بين “إسرائيل” ولبنان، و”إسرائيل” ومصر، و”إسرائيل” وقبرص، و”إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، وربما أيضاً في المستقبل “إسرائيل” وتركيا، تنقل الاستقرار الإقليمي للمجتمع الدولي والقطاع الخاص، وأساساً قوياً ومناسباً للقيام بالأعمال العابرة للحدود بقيادة “إسرائيل”، بالرغم من الصراعات السياسية الداخلية.

كما هو مثبت في الحالة اللبنانية، فإن الساحة البحرية تسمح بالمرونة والإبداع لغرض بناء التفاهمات والارتباطات بين الأطراف المتنافسة التي تواجه صعوبة في الوصول إلى تفاهمات مماثلة على اليابسة.

يبدو أن عدم وجود حدود مادية في البحر، وبُعده عن أعين الجمهور، يمثلان مفتاحاً للحلول الممكنة التي قد تؤثر في المستقبل أيضاً على اليابسة.

ليس من الممكن التكهن إلى أي مدى تنوي “إسرائيل” إحراز تقدم فيما يتعلق بتطوير حقل غزة البحري ومدى التوترات الداخلية التي ستسمح بالمرونة أمام مطالب حماس، وفي الوقت نفسه، فإن هذه عملية ضرورية لأن وقفها سيلحق الضرر بمصالح جميع الأطراف في المنطقة.

التحدي الكبير الذي ستواجهه “الحكومة الإسرائيلية” هو أن توضح للجمهور الحاجة إلى اتفاق يشبه في طبيعته الاتفاقية التي عارضتها في الماضي مع لبنان، وسيكشف الوقت ما إذا كانت الأطراف ستنجح بالفعل هذه المرة في اتخاذ خطوة إضافية كما حدث مع لبنان وفتح أفق جديد في كل ما يتعلق بالفضاء البحري.

المصدر: يديعوت أحرونوت/ “بيني شيفنيير”، “إيلي ريتيج”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي