أخبارترجمات

معضلة “إسرائيل” الصعبة

#ترجمة_الهدهد

العملية القاسية قرب مستوطنة “عيلي” تقرب، كما ينبغي الافتراض، عملية واسعة للجيش “الإسرائيلي” في الضفة، على ما يبدو في شمال الضفة الغربية. هذا رغم أن مكان وهوية منفذي العملية الذين قتلوا تثير الشكوك حول وجود صلة بينهم وبين قلعة المقاومة في جنين.

قبل الهجوم، كان هناك ضغط بالفعل لمثل هذه العملية؛ ومن المشكوك فيه ما إذا كانت حكومة “اليمين الكامل” ستكون قادرة على التصرف بشكل مختلف في ضوء تسلسل الأحداث، الذي بلغ ذروته في مقتل أربعة مستوطنين.

الضغط لعملية واسعة لا يأتي فقط من قيادة المستوطنين، “الشاباك” المؤتمن على إحباط العمليات، يرى كيف نشأ في شمال الضفة منطقة لا يحكم فيها أحد، فيها مجموعات مسلحة مدعومة من حماس، الأمر يجعل من الصعب استمرار السيطرة اللازمة لمنع عمليات في مرحلة الإعداد، وكما أسلفنا، العملية أمس تشهد على أن العدوى انتشرت إلى ما هو أبعد من جنين.

لقد كان “الجيش الإسرائيلي” حتى الآن أكثر ضبطا للنفس، ليس لأن الواقع الذي يراه مختلفا، بل لأن قادته يترددون في مسألة ماذا سيكون بعد ذلك، فبعد أن ندخل بقوات كبيرة، ونخاطر بخسائر في الأرواح ونلحق بشكل محتم عدد كبير من المصابين في الجانب الآخر – في ضوء المقاومة التي كمين أول أمس في جنين كان مجرد المقدمة لها – ماذا سيحدث عندها؟ هل سنبقى في قلب مخيمات اللاجئين؟ هل سنقوم بحملات مشابهة في مدن فلسطينية أخرى غياب نظام الحكم فيها في هذه المرحلة أو تلك من تطوره؟ هل نخاطر، على نحو شبه مؤكد، بإشعال غزة ايضا وربما غيرها؟

“الجيش” يوجد لديه سؤال مقلق آخر، لن يعبر عنه أحد بصوت عال، في الوضع السياسي الحالي في “إسرائيل”، حين تكون دوافع الحكومة الحالية ورئيسها مشبوهة مسبقا في نظر قسم كبير من الجمهور، والمحتجون لم يترددوا في أن يضعوا على الطاولة القيمة المهمة للخدمة العسكرية، ما الذي ستفعله مثل هذه الحملة في نسيج جيش الشعب الذي يضعف أكثر وأكثر؟ هذا هو الوضع السيئ الذي اوصلت اليه حرب الانتماءات الاسرائيلية، وطابع عدم المسؤولية الذي يميز الحكومة الحالية، حتى في نقاش مهني في مواضيع الأمن.

“إسرائيل” تأكل في مستوطنة “عيلي”، وفي جنين، وفي الضفة كلها وكذلك في غزة الثمار الفجة لسياسة كل حكوماتها في العقد الأخير: وهي الإضعاف المتعمد للسلطة الفلسطينية؛ تمكين حماس كالجسم الوحيد الذي تتعاطى “إسرائيل” معه بجدية بل وتعزز قوته؛ والرفض التام لكل فعل سياسي بدعوى “لا يوجد شريك”، وكأنه ليس نحن وحدنا من سيبقى مع المشكلة.

واستكمالا لذلك ليس لـ”إسرائيل” أي هدف في استخدام القوة باستثناء حفظ الوضع والعودة إلى الهدوء بكل ثمن تقريبا، وهو الأمر الذي يساعد الأعداء في كل الساحات على تطوير فكرة استنزاف متعدد الجبهات ضد “دولة” يرونها آخذة في الضعف.

لا يوجد حقا من يخالف هذه السياسة في الخريطة السياسية “الإسرائيلية”، والحكومة الحالية تضيف إلى كل هذا تطلعا علنيا لتصفية الحل السياسي والوصول إلى وضع لا رجعة فيه في الأراضي الفلسطينية. الجهات المسؤولة في داخلها وفي الدائرة المؤثرة عليها التي تدفع باتجاه حملة كبيرة، لا تفعل هذا بالضرورة على أمل “القضاء على الإرهاب” بل لتحقيق ما يعتبر في نظر القيادة الأمنية السيناريو الأكثر رعبًا، وهو الانهيار التام للسلطة الفلسطينية، ولهذا الموقف أيضا لا يوجد حقا معارضة، من يتحدث عن “إدارة النزاع” أو عن “تقليصه” يتبنى في واقع الأمر استمرار غياب أو انعدام السياسة إياه، والذي سيؤدي بالضرورة إلى النتيجة ذاتها.

هكذا وصلنا إلى الوضع الحالي الذي فيه المعضلة هي حقيقية وصعبة، العمل بقوة كبيرة حيال المسلحين في المدن الفلسطينية وعلى رأسها جنين والقضاء عليهم بثمن غير بسيط، والمخاطرة بانتقال النار إلى جبهات أخرى، أو مواصلة العمل بشكل موضعي، مع استمرار الهجمات، والخطر المتزايد على القوات وخطر “لبننة” المنطقة.

مثلما هو الحال دوما في “إسرائيل”، من المرجح أن من سيحدد أو يقرر في نهاية المطاف كيف ستكون الأحداث، وعملية بالحجم الكبير الذي شهدناه أمس هي بالتأكيد حدث كهذا، المعضلة التي أوصلتنا إليها السياسة قصيرة النظر والشرخ الداخلي الذي خلقته الحكومة الحالية، هي فعلا قاسية على نحو خاص.

عملية كهذه تستوجب ردا قاسيا، وواضحٌ أن نموذج جنين من شأنه أن يتعاظم وأن ينتقل إلى أماكن أخرى. لكن النقمة الحقيقية تكمن بأنه مهما كان القرار، طالما كان هذا هو الطريق الذي تسير فيه “إسرائيل” فإن النهاية معروفة – هجمات وأيضا الانتقال إلى واقع الدولة ثنائية القومية على كل تبعاتها.

يديعوت احرونوت/ عوفر شيلح

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي