أخبارمقالات إستراتيجية

عهد استراتيجي جديد في الشرق الأوسط؟

ترجمة الهدهد

تقترب إيران والولايات المتحدة من بلورة تفاهمات، في إطارها إيران ستوقف الاستمرار في تخصيب اليورانيوم بمستوى 60% وستمتنع عن مواصلة التقدم في المشروع النووي العسكري، في المقابل، الولايات المتحدة ستتعهد برفع جزئي للعقوبات، وضمن ذلك الإفراج عن نحو 20 مليار دولار محتجزة في أرجاء العالم.

الحديث لا يدور عن صفقة جديدة تستبدل الاتفاق الأصلي، لذلك، الإدارة الأمريكية غير ملزمة بتقديم هذه التفاهمات، من أجل مصادقة الكونغرس عليها، وهكذا فهي تلغي الضغوط لإحباط هذه العملية.

“إسرائيل” أعلنت في السابق بأنها غير ملزمة وأنها تعارض الاتفاق الجديد، أو إعادة الاتفاق الأصلي، ولكنها تطرقت بشكل غامض إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات.

هكذا أعلن رئيس حكومة العدو “بنيامين نتنياهو” في إطار الإحاطة التي قدمها في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، بأن “إسرائيل” تعارض العودة إلى الاتفاق النووي الأصلي، وأنه يوجد “تناقض” في الرؤى فيما يتعلق بالاتفاقات الصغيرة، من أقواله: يمكن الفهم بأن رئيس الحكومة نفسه، يبدو أنه يعرف بأن قدرة “إسرائيل” على منع تبلور التفاهمات محدودة جداً.

المغزى الأساسي من التفاهمات الآخذة في التبلور – إيران تتنازل عن الاختراق الفوري للحصول على السلاح النووي، ولكنها تراكم إنجازات في عدة مجالات، ففي المجال النووي بقيت دولة عتبة نووية ونجحت في الحفاظ على قدراتها الشاملة في هذا المجال، وخلال ذلك إمكانية الوصول إلى المستوى العسكري المطلوب من تخصيب اليورانيوم بمستوى 90% في فترة زمنية تبلغ أسبوعين، على الصعيد السياسي هي تحسن علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشكل يبعد عنها التهديد باستخدام الخيار العسكري.

في الوقت نفسه فإن التفاهمات الآخذة في التبلور تتركز في معظمها على موضوع النووي العسكري، بصورة تبقي لإيران هامش عمل لمواصلة عملية مراكمة القوة في مجال الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المسلحة، والاستفادة من الإفراج عن الأموال لمواجهة الأزمة الاقتصادية في الداخل، وتعميق دعمها لامتداداتها في الخارج.

في موازاة ذلك فإن إيران تستمر في توسيع المحور الاستراتيجي مع روسيا والشراكة العسكرية التكنولوجية معها، وتحسين العلاقات الاستراتيجية مع الصين، كل ذلك إضافة إلى استمرار عمليات المصالحة مع العالم العربي، هذه التطورات يمكن أن تزيد لديها الشعور بالثقة بالنفس من أجل تحدي “إسرائيل” بشكل مباشر وبواسطة امتداداتها في المنطقة.

الولايات المتحدة من ناحيتها تنجح من خلال هذه التفاهمات في وقف المشروع النووي، كما يبدو على الأقل حتى موعد أداء الرئيس الأمريكي القادم لليمين (في كانون الثاني 2025)، هذا حسب سياسة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، وهو تفضيل الحل السياسي على حل استخدام وسائل أخرى طبقاً لتعهده العلني بمنع إيران من التوصل إلى السلاح النووي.

يبدو أنه حسب رؤية الإدارة الأمريكية فإن هذا التطور يسمح بتركيز معظم الاهتمام على التحديات الملحة جداً للولايات المتحدة، وهي المواجهة المتطورة مع الصين والحرب في أوكرانيا.

من “الزاوية الإسرائيلية”، إذا تحققت وبحق هذه التفاهمات الجديدة كبديل عن الاتفاق فيمكن أن تظهر وكأنها فقدت أصولاً استراتيجية، وأنها تقف وحدها ضد المشروع النووي الإيراني، عملياً، “إسرائيل” لا يمكنها توقع الدعم الدولي لعملية عسكرية ضد إيران بشكل يقيد بدرجة كبيرة من حرية عملها الاستراتيجي ضد المشروع النووي العسكري.

صحيح أن وقف التقدم في البرنامج النووي سيسمح بمواصلة عمليات بناء القوة لـ “الجيش الإسرائيلي” على المدى الطويل، وذلك بهدف الإعداد الأمثل لسيناريو يكون فيه الخيار العسكري هو الخيار الأخير لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية.

التحديات من قبل إيران وامتداداتها في المنطقة تتعزز، في ظل مستوى الجرأة المتزايد لدى حزب الله في الأشهر الأخيرة، مثلما تم التعبير عن ذلك في مفترق مجدو وغض الطرف عن إطلاق الصواريخ نحو “إسرائيل” من لبنان، في هذا السياق فإن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية اللواء “أهارون حليفا” حذر في مؤتمر هرتسليا من أن حسن نصر الله قد بدأ يعتقد بأنه يستطيع توسيع المعادلة أمام “إسرائيل” وأنه قريب من ارتكاب خطأ في لبنان وفي سوريا، يمكن أن يدهور المنطقة إلى حرب واسعة.

التطبيع مع السعودية..

موازاة بالمحادثات مع إيران هناك نشاط أمريكي محموم للدفع بالتطبيع قدماً بين “إسرائيل” والسعودية كجزء من جهود شاملة للولايات المتحدة من أجل تحسين علاقتها مع السعودية، وحسب ما نشر فإن السعودية قدمت شروطاً مسبقة على رأسها موافقة أمريكا على تطوير مشروع نووي مدني، وضمن ذلك تخصيب اليورانيوم والاستعداد الأمريكي لتزويدها بمنظومات سلاح متطورة مثل طائرات F35، والحصول على ضمانات أمنية أمريكية.

إضافة إلى ذلك يحلق سؤالاً حول تأثير القضية الفلسطينية والتعديلات القضائية على احتمالية التطبيع، حسب معرفتنا، حتى لو تولد الانطباع بأن الأثمان في القضية الفلسطينية ستكون رمزية في أساسها، فإن الفشل في تقديم رد بروح المبادرة العربية التي ترسم أفق واضح لمفاوضات حقيقية بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، يمكن أن يحول أي اتفاق يتم التوصل إليه إلى اتفاق هش، وذلك بسبب التأثيرات المحتملة على المكانة الضعيفة أصلاً للسلطة الفلسطينية بصورة تخدم حماس، ويمكن أن تؤدي إلى ارتفاع مكانتها في الشارع الفلسطيني.

من المرجح أن أبو مازن سيحاول استخدام الضغط، سواء على الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أو على العالم العربي والإسلامي من أجل التأكد وبحق بأنه أعطي رد مناسب على القضية الفلسطينية، لذلك حسب التقدير، طالما أن الملك سلمان هو الحاكم في السعودية فإنه سيكون من الصعب جداً بلورة اتفاق يتجاوز القضية الفلسطينية.

التعديلات القضائية تظهر كعائق أمام التقدم في عملية التطبيع، وتجميدها يشكل شرط مسبق للتحدث المباشر بين الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ورئيس حكومة العدو “بنيامين نتنياهو”، ولا سيما عقد قمة ثلاثية مع ولي عهد السعودية، هذا بسبب رؤية “إسرائيل” أن المس المحتمل بمنظومة القضاء في “إسرائيل” يمكن أن يقوض القيم المشتركة التي تشكل القاعدة للحلف الاستراتيجي بين هذه الدول، بالرغم من العلاقات الأمنية العميقة إلا أن غياب حوار حميمي ومباشر على مستوى القيادات يضر بالقدرة على تنسيق وبلورة التعاون الاستراتيجي.

التوصيات

  • يجب على “الحكومة الإسرائيلية” وقف التعديلات القضائية على الفور، والذي أصبح يظهر أكثر فأكثر كعقبة أمام الدفع قدماً بالمصالح الأمنية والاقتصادية لـ “إسرائيل”، وعلى رأسها العلاقات الاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية، وحرية العمل أمام إيران وشبكة العلاقات مع العالم العربي.
  • أمام الفلسطينيين يجب على “إسرائيل” إظهار سلوك مسؤول وحساسية بخصوص تنفيذ خطوات أحادية الجانب مثل توسيع المستوطنات، وتغيير الوضع الراهن في الأماكن المقدسة في القدس، التي يمكن أن تثير الغضب الدولي الشديد والتوتر في المنظومة الفلسطينية والإقليمية، على سبيل المثال قرار الدفع قدما بخطة بناء 4500 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات، أثارت في السابق الانتقاد الشديد من قبل الإدارة الأمريكية.
  • على المدى البعيد فإن إهمال الجانب السياسي أمام الفلسطينيين رغم النجاح العملي للأجهزة الأمنية في إحباط العمليات، يمكن أن يجر “إسرائيل” إلى واقع الدولة الواحدة لشعبين وأن يجر “الجيش الإسرائيلي” إلى التدخل بشكل أكبر على الأرض، بصورة تمس بقدرته على الاستعداد لسيناريوهات مهمة أخرى.
  • وفقا لتحذيرات رؤساء المنظومة الأمنية فإن “إسرائيل” يجب عليها الاستعداد على المستوى السياسي والمستوى العسكري لمواجهة شاملة متعددة الجبهات، هذا إزاء ما يظهر كتضافر لمصالح أعدائنا في المنطقة، الذين في نظرهم صورة “قوة إسرائيل” آخذة في التراجع.
  • على صعيد السعودية يجب على “إسرائيل” بلورة سياسة حذرة تأخذ في الحسبان كل المعاني التي تكمن في انضمام السعودية للنادي النووي المدني كعامل استراتيجي له أهمية بعيدة المدى على المدى البعيد، هذا إزاء الخوف المعقول من تسريع خطوات الحصول على النووي في أرجاء الشرق الأوسط، في هذا يوجد تهديد محتمل لأمن “إسرائيل” القومي، الذي يستند إضافة إلى القوة العسكرية أيضاً إلى صورة الدولة العظمى الإقليمية.

المصدر: معهد السياسة والاستراتيجية/ “عاموس جلعاد”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي