أخبارتقارير و دراسات

إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب “الجزء الثالث”

✍️ أ . عبد الله أمين الخبير الأمني والعسكري

تحدثنا في الجزئين الأول والثاني من مسار إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب عن تعريف وأهمية هذا العمل وتلك الإجراءات ، وقد تطرقنا في الجزء الثاني من هذه السلسلة إلى المسارين السياسي والإقتصادي في عملية الإعداد ، ونتطرق في هذا الجزء من هذه السلسلة إلى إعداد البنية التحتية والمتطلبات المجتمعية في مسار إعداد الدولة والقوات المسلحة للحرب ، بشكل مختصر يشمل أهم الإجراءات في كلا المسارين.

1. اعداد البنية التحتية :
إن البنية التحتية لأي دولة تشبه شبكة الاعصاب التي تستشعر بها والشرايين التي تتغذى عبرها ، وتعتمد كفاءة وحيوية الدولة ومرونة قواتها المسلحة بمختلف صنوفها وتخصصاتها أثناء المناورة على كفاءة وحيوية وسلامة وشمولية بنيتها التحتية ، لذلك لا بد للدولة في هذا المجال من أن تعمل على الإعداد المسبق لـــ :

1. شبكات الطرق :
بناء وتأسيس شبكات طرق داخلية وخارجية تربط مدنها وقراها ببعضها البعض ، وتمكن الآلة العسكرية بمختلف صنوفها من التحرك بشكل سريع ومرن في الاتجاه الذي يتطلبه الواجب ويتعرض للتهديد ، فالمعارك اليوم اختلفت عن الماضي ، وأصبحت السرعة عامل مهم في تحقيق النصر ورسم الصورة النهائية للمعركة . وحيث أن أحد أهم أصول الحرب التي تبنى عليها الخطط القتالية ، المرونة ؛ فإن من أهم أسباب إكساب الخطة الدفاعية للدولة المرونة والفاعلية هو امتلاك شبكة طرق ؛ طولية وعرضية ، مجهزة بشكل فاعل بحيث تستوعب تدفق وسائل المواصلات المدنية وقت السلم ووسائط القتال العسكرية ؛ الثقيل منها والخفيف في وقت الحرب .

2. الخدمات الطبية والاستشفائية ؛
الرئيسية والفرعية : كما أن من أهم مقومات الصمود والفاعلية للقوات المسلحة وشعب الدولة ؛ امتلاك شبكة خدمات صحية على مستوى المحافظات والمدن والقرى ، بحيث تؤمن لمختلف أبناء الشعب وقت السلم المستوى المطلوب من السلامة البدنية والنفسية ، كما تُستخدم هذه الشبكة في ترميم القدرات البشرية المتضررة وقت الحرب ، وهذه المراكز يجب أن تكون مجهزة بشكل فاعل بحيث تستطيع تقديم الخدمات الطبية وقت السلم للمدنيين ، ووقت الحرب للمقاتلين ، هذا مضافاً طبعاً إلى ما تمتلكه القوات المسلحة من مراكز خدمات طبية خاصة بها.

3. شبكات الاتصالات :
إن من عوامل النصر في المعركة وكفاءة الإدارة وفاعليتها وقت السلم ؛ امتلاك وسائل القيادة والسيطرة C2، ومن أهم عناصر منظومة القيادة والسيطرة الإدارية والعسكرية ؛ امتلاك شبكات اتصالات سلكية ولا سلكية ذات كفاءة عالية من حيث أمن الاتصالات وكفاءة عملها ، وفي الحرب من يملك المعلومة أولاً قادر على توظيفها واستثمارها في صالحه ، وما لم تكن الدولة تملك شبكة اتصالات آمنة ومشفرة من صناعتها المحلية ؛ فإنها ستكون معرضة للخطر من حيث لا تحتسب ، عبر اختراق هذه المنظومات والعبث فيها وفيما تنقل من أوامر وتوجيهات.

4. مستودعات الوقود والمحروقات :
وفي نفس السياق لا بد للدولة من أن تمتلك مخزوناً استراتيجياً من إمدادات الطاقة ومولداتها ، من محروقات على مختلف أنواعها ، فهذه هي غذاء القاعدة الصناعية وهي التي تدير عجلتها ، وهي ــ المحروقات ـ من تغذي الآلة العسكرية وتنفخ في الخفيف منها والثقيل الروح ، وتمد البشري منها والمادي بحاجته منها ليتحرك وتدب فيه الروح ، أو لإيصال ما يبعث الروح في المقاتل من ماء وغذاء ودواء ، فالجيوش تزحف على بطونها . ويجب أن تكون هذه المستودعات موزعة على طول البلاد وعرضها ومؤمنة بوسائل الدفاع الجوي والبري بحيث لا تخرج عن الخدمة من أول طلعة جوية أو غارة برية معادية ، فإن وصل لها العدو تدميراً أو سيطر عليها احتلالاً أو منع الوصل منها أو إليها حصاراً ؛ فيعني هذا أنه سيطر على سبب حياة القوات والأدوات .

5. المطارات ومهابط الطائرات :
كما يجب أن تكون الدولة مجهزة بالمطارات ومهابط الطائرات ؛ الرئيسة منها والفرعية بحيث إذا خرج جزء منها عن الخدمة بسبب العدوان ؛ يبقى منها جزء آخر ضمن الخدمة والقدرة على استقبال وتقديم الخدمات المختلفة لوسائط القتال الجوية ، كما أن العدو قد يعمد إلى الحصار البري لبعض مدن ومحافظات الدولة ، فتشكل هذه المطارات والمهابط رؤوس جسور للقوات الصديقة تستخدمها في إيصال مقومات الصمود والثبات لمن حوصر من مدنيين وعسكريين ، إلى حين تأمين ما يمكن من قدرات لفك الحاصر .

6. المساحات الخضراء والغابات :
إن المساحات الخضراء في كل بلد وكل مدينة إنما هي الرئة التي تتنفس منها ، وبها تنقي هواءها من السموم وما تبعثه الآلة الاقتصادية من عوادم مصانعها ، هذا في الشق المدني البحت ، أما في الشق العسكري ؛ فإن هذه المساحات الخضراء تشكل الغطاء الذي تتحرك تحته الآلة القتالية للدولة ، وهي في نفسها عوائق صناعية يمكن أن توقف أو تبطئ أو تحرف تحركات العدو ، لذلك لابد أن تولي الجهات العاملة على إعداد الدولة للدفاع هذا الجانب من العمل أهمية كبيرة ، تتناسب مع ما هو متصور لهذا النوع من الإجراءات من دور في خدمة الخطة الدفاعية.

7. إعداد الملاجئ والتحصينات للمدنيين :
فلا يجب أن يترك أفراد الشعب وآحاده فريسة لنار العدو بمختلف صنوفها ، فالمحافظة على سلامة السكان إنما هو استثمار استراتيجي في أدوات القتال التي ستبقي الحرب وتطيل أمدها وتجعل كلفتها اكبر بكثير مما يطيق العدو . لذلك وجب تجهيز المدن والقرى ؛ بشكل مؤسسي عبر مؤسسات الدولة ، وفردي عبر أفراد المجتمع وآحاده لهذه الملاجئ والتحصينات ، فما لا يستطيعه الفرد تقوم به الدولة ، بل يجب أن يكون جزء من متطلبات منح تراخيص البناء والإعمار في الدولة أن تمتلك مجمعاتها السكنة مساحات مناسبة يمكن أن يكون جزء من استخدامها حماية أبناء الدولة من نار العدو وقت الحرب .

2. المتطلبات المجتمعية :
إن من متطلبات العقد الاجتماعي الموقع بين الدولة وأبنائها أن للفرد حقوق وعليه واجبات ، كما أن للدولة حقوق وعليها واجبات ، وما لم يكن الدفاع عن الدولة وصيانة وحدتها وحفظ ترابها من أوجب الواجبات ، فما هو الواجب إذن ؟ لذلك لا بد من تحديد ما هي المسؤوليات الملقاة على عاتق آحاد أبناء المجتمع فيما يخص مسار إعداد الدولة للدفاع والحرب ، والتي قد يكون منها وليس كلها ما يلي :

1. المشاركة في الخدمة الالزمية والتطوعية :
فيجب أن يكون هناك نظام معرّف لكافة أبناء الدولة يحدد الآليات الإدارية والمدد الزمنية التي تمكنهم من المشاركة في المجهود الحربي ؛ قبل واثناء وبعد الحرب ، فنظام الخدمة الإلزامية يوفر فيما يوفر من خدمات للقوات المسلحة ؛ مخزوناً بشرياً معداً ومؤهلاً ولديه الحد الأدنى من الكفاءة القتالية ، يُلجأ له عند الحاجة فيعاد تشكيله وتأهيله بشكل سريع ليدفع به في مواجهة التهديد ، إلى حين تعبئة كامل قدرات القوات المسلحة المطلوبة للقتال .

2. المشاركة في الجهود الدفاعية السلبية والإيجابية :
كما يقع على عاتق أبناء المجتمع المدني المشاركة في عمليات الدفاع السلبي المطلوبة للقوات المسلحة من إنشاء التحصيانات والأغطية والسواتر التي تمكن عديد القوات المسلحة من الحركة بمرونة وأمان في ساحة المعركة وخطوط المواجهة ، هذا في عمليات الدفاع السلبي ، أما في عمليات الدفاع الإيجابي ؛ فيمكن أن يتم تشكيل مجاميع قتالية من أبناء البلد والدفع بهم في عمليات تأمين المقار والمستودعات العسكرية المنتشرة في البلاد ؛ هذا على سبيل المثال لا الحصر .

3. حماية البيئة الداخلية وظهر القوات المسلحة :
وهنا يتحول كل مواطن إلى خفير وحارس ، يحرس الجنود المقاتلين في الخطوط الأمامية ويحمي ظهرهم وما يملكون من أدوات ومعدات قتالية في مستودعاتها ومقار تخزينها ، وهو ـ المواطن ـ العين التي ترى ما لا يرى المقاتل من تحركات معادية خلف خطوط العدو في عمليات الاستطلاع والرصد ، وكذا العين الساهرة التي تمنع العدو من العبث في جبهتنا الداخلية ، وهذا دور يجب أن يُنتبه له وتعرف أهمتيه ، ويثق في إجرائه المقاتل وقت السلم قبل أن يفعّل وقت الحرب ، فإن وثق فيه المقاتل في الخطوط الأمامية ؛ ركن إلى حصن حصين واستثمر كامل طاقته في مواجهة ما يجابهه من أعداء في خطوط الجبهة الأمامية .

4. تقوية الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي :
ومن متطلبات العمل المجتمعية المرتبطة في مسار إعداد القوات المسلحة للدفاع عن الوطن ، تقوية الوحدة الوطنية والترابط المجتمعي ، فلا يؤتى المجتمع من داخله ، فالعدو قد يعجز عن تحقيق أهدافه في خط الجبهة الأمامي ، فيعمد إلى نشر سمومه عبر الطابور الخامس الذي يتشكل من المعارضين الداخليين ، فيفت في عضد المجتمع ويمزقه ، لذلك فإن تعريف غاية عليا موحدة لأبناء المجتمع تساعد على إذابة الفوارق وتقوي اللُحمة المجتمعية.
كان هذا ما اتسع له المقال من إجراءات مرتبطة في عمليات إعداد البنية التحتية والمتطلبات المجتمعية ، على أن نتحدث في الجزء الرابع وما يليه من هذه السلسلة عن مسارات وإجراءات إعداد القوات المسلحة للحرب ، مذكرين في هذا المقام أننا نتحدث عن مسار عمل يراعي تطور التهديد الخارجي ومراكمة وتعاظم القدرات الداخلية .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق