مقال رأي الهدهد

استمرار طريق “بيغين” وشهوة الحكم

رأي الهدهد – هيئة التحرير

يعتبر “نتنياهو” من الناحية الاجتماعية واحداً من النخبة الأشكنازية الغربية في الكيان، ومن الناحية السياسية، يعتبر رأس اليمين الوسطي الليبرالي القومي، الذي يتحالف مع الصهيونية الدينية القومية المتشددة، والأحزاب الدينية الحريدية، ومع ذلك فإن “نتنياهو” كشخص يتم محاربته وملاحقته بقضايا فساد، بواسطة النخبة السياسية (اليسارية) التي كانت تحكم الكيان على مدار عقود منذ تأسيسها.

فما هو لغز التناقضات الذي يجسدها “نتنياهو” وحكوماته، وما هو سر الخلاف الكبير بينه وبين النخبة الأشكنازية الغربية، من يسار ووسط الخارطة السياسية؟

خلفية تاريخية: ما بين “بيغن” و”نتنياهو”

“نتنياهو” يعتبر نفسه مكمل طريق “مناحيم بيجن”، الذي شق لنفسه طريقاً للدخول إلى عالم “السياسة الإسرائيلية” من خلال التحالفات التي عقدها بين حزبه وبين المهمشين اجتماعياً في الكيان، تحديداً من أبناء الطوائف الشرقية، ورغم الميول القومية المتشددة لـ “مناحيم بيغن”، إلا أنه فتح أبواب حزب الليكود (ماحل سابقاً)، لأبناء الطوائف الشرقية – اليهود القادمين من الدول العربية – واستخدم معهم لعبة المصالح المتبادلة، بينما كان يقدم لهم التمثيل البرلماني، كان يحصل منهم على القوة الانتخابية، والتي تجسدت في الوصول إلى الحكم “بانقلاب” عام 1977.

وبعد ذلك رد لهم الجميل بأن اهتم بهؤلاء، وبدأ يدخلهم إلى قلب الحياة السياسية واللعبة الديموقراطية، إذ عين نائباً له “دافيد ليفي” (أول نائب رئيس وزراء من أصول شرقية) وهو من يهود المغرب، وكذلك قام حزبه بترشيح “إسحاق نافون” لمنصب الرئاسة، وكان أول رئيس للكيان من أصول شرقية.

صراع شرقي غربي:

“نتنياهو” استمر بالطريق نفسه، وركز هو وحزبه على أبناء الطوائف الشرقية، من المهمشين والمعدومين، وأبناء الطبقات الوسطى والمتدنية، الذين ليس لهم تمثيل كبير بالكنيست، أو باللعبة السياسية عموماً، ولهذا ستجد أن عدداً كبيراً من وزراء حزب الليكود هم من أبناء الطوائف الشرقية، (حتى لو كانوا غير مقبولين على الحزب وعلى تقاليده، أمثال إيلي يوحنا الشاذ المثلي، ويسعى نتنياهو لمنحهم المناصب بأي شكل، مثل دودي أمسالم، الذي استحدثوا له مؤخراً وزارة الطاقة الذرية).

“نتنياهو” يعلم أن غالبية مؤيدي حزب الليكود هم من أبناء الطوائف الشرقية، (وكذلك مصوتي الحزب الحليف له، حزب شاس) ولذلك يعمل “نتنياهو” للدفاع المستميت عن “أريه مخلوف درعي”، اليهودي من أصول مغربية.

ويهتم “نتنياهو” للتركيز على تمثيل هؤلاء ومنحهم القوة التي كانت تنقصهم على مدار العقود الأولى من قيام الكيان (حتى انقلاب العام 1977)، ويعلم جيداً أنهم كانوا مهمشين من النخبة الأشكنازية الغربية، التي ظلت تحكم الكيان حتى أواخر عقد السبعينيات.

تناقضات سياسية:

يستغرب البعض أحيانا عندما يرى “نتنياهو” الأشكنازي الغربي، (من أصول بولندية) يتحالف مع أبناء الطوائف الشرقية، ويكسب قوته الانتخابية منهم، إذ إن انتماء الشرقيين لحزب الليكود تاريخياً كان ردة فعل على تهميشهم التاريخي، والتعامل الاستعلائي والعنصرية التي مورست ضدهم على مدار سنواتها الأولى لكيان العدو.

وليس غريباً أن “نتنياهو الغربي”، يسعى إلى تدمير مؤسسات الدولة الديموقراطية، من أجل “درعي”، ومن أجل التحكم بمحكمة العدل العليا، التي لم يترأسها منذ قيام الكيان أي قاضي من أصول شرقية، وحتى إنه لم يتعين فيها منذ تأسيسها وحتى اليوم سوى قاض واحد من أصول شرقية.

يعلم “نتنياهو” أن أبناء الطوائف الشرقية يرغبون في تغيير الأوضاع الاجتماعية، أو بالأحرى يريدون الانتقام من القمع السياسي والعنصرية الاجتماعية التي مارستها ضدهم النخبة الغربية الحاكمة، ويحذو “نتنياهو” حذو “بيغن” في توثيق أواصر تحالفه مع الشرقيين، حتى لو على حساب تدمير الدولة ومؤسساتها، وهذا السر الخفي الذي يمكن خلف السياسات المتناقضة لـ “نتنياهو” وحكوماته ذات التركيبة العجيبة، فهو يحاول أن يكون قومياً متشدداً، صهيونياً دينياً، وبالوقت نفسه معتدلاً مؤيداً للشواذ المثليين، دكتاتورياً وديموقراطياً، شرقياً وغربياً، المهم أن يبقى على كرسي الحكم، وينتقم (لحلفائه وناخبيه الشرقيين) من النخبة القمعية الغربية (الأشكنازية اليسارية) التي كانت تحكم الكيان، وتضطهد أبناء الطوائف الشرقية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي