أخبارشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

الصين تتحرر من السور الأمريكي حولها

ترجمة الهدهد

عملت الولايات المتحدة، التي ترى في الصين كمنافس استراتيجي رئيسي لها، على الاستفادة من الأزمة التي حلت بالصين، في أعقاب تفشي وباء كورونا، من أجل تضييق الخناق حولها، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وفي الوقت نفسه تعزيز العلاقات السياسية والأمنية والتكنولوجية مع حلفائها في هذه المنطقة، وخاصة مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية.

كما تم توجيه الاهتمام والجهود الأمريكية في الوقت نفسه إلى تضييق مشاركة الصين في المجالات الاقتصادية، التي تُدشن لتطوير القدرات التكنولوجية المتقدمة، في هذا الموضوع، وكذلك في مجال التنسيق الأمني، ازداد التعاون مع أوروبا، والذي يغذيه -من جهة- الخوف من التدخل الصيني في هذه القارة، -ومن جهة أخرى- استمرار الحرب في أوكرانيا، وعواقبها الأمنية والاقتصادية والديموغرافية.

في الوقت نفسه، فالمحاولة الأمريكية لعزل الصين باستغلال ظروف تفشي وباء كورونا، وكذلك محاولة التقليل من المكانة التي سعت الصين للفوز بها في إدارة الألعاب الشتوية، وكذلك محاولة خلق جبهة سياسية ضد الانتهاك الصيني لحقوق الأقلية “الأويغورية” كانت ناجحة جزئياً وقصيرة الأجل.

بدأت الجهود الصينية لترميم مكانتها بين الدول على وجه التحديد من الجبهة الداخلية، حيث تم ترتيب استمرار رئاسة “شي” غير المحدودة عملياً، في “عملية ديمقراطية ذات خصائص صينية، ومنذ ذلك الحين، تشن الصين هجوماً يهدف إلى اختراق الحصار الأمريكي حولها، بينما تحاول -احتلال- مواقع في مناطق أمريكية استراتيجية، مثل أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط وأوروبا.

في بداية ديسمبر 2022 تم استقبال رئيس الصين على شرف ملك المملكة العربية السعودية، ونظم مضيفوه -الملك سلمان ونجله محمد- اجتماعين له خارج الاجتماعات الثنائية، مع العديد من رؤساء الدول في المنطقة، من بينهم الرئيس المصري، وملك الأردن، وكذلك مع رؤساء دول مجلس التعاون الخليجي.

بالرغم من أن الوجود الأمريكي والسياسي والاقتصادي والأمني ​​في الخليج أكبر بعدة مرات من الصين، إلا أن زيارة الرئيس “شي” كانت بمثابة تقدم خطوة في أنشطة بلاده في المنطقة التي تعتبر جزءاً من النظام الاستراتيجي العالمي للولايات المتحدة.

إن تجديد العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران بوساطة عدة دول بما في ذلك الصين، هو دليل يضاف إلى تعزز نفوذ الصين في المنطقة،

التي تشتري الصين منها جزءاً كبيراً من مصادر الطاقة (40% من النفط و 30% من الغاز الطبيعي لديها) والتي أصبحت أكبر مصدر لها قبل الولايات المتحدة وأوروبا.

هناك أيضاً “زاوية إسرائيلية” في هذا الأمر، وفي 17 أبريل، اتصل وزير الخارجية الصيني بنظرائه – “الإسرائيلي” والفلسطيني، وعرض مساعدة الصين في إجراء محادثات بين الجانبين.

لا شك أن المبادرة الصينية تستند إلى نجاح الوساطة بين إيران والسعودية، لكنها ستواجه إحجاماً من جانب “الحكومة الإسرائيلية” التي ترغب في تجنب تراكم عامل توتر آخر في العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة.

تعد الساحة الأوروبية مهمة أيضاً للصين، سواء من حيث ثقلها الاقتصادي أو كونها ركيزة أساسية للنظام الاستراتيجي الغربي، الذي تأسس في الأصل ضد الاتحاد السوفيتي، ولكنها ترى الآن في الصين منافسا رئيسياً.

تكثفت جهود الصين لدق إسفين بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ أن تولى “شي جين بينغ” منصبه في عام 2012، مشاريع البنية التحتية الكبيرة هي جزء من خلق التبعية الاقتصادية وتوسيع النفوذ، يعد إنشاء منتدى التعاون “1 + 16” مع دول أوروبا الشرقية والوسطى وسيلة أخرى من جانب الصين تهدف إلى تحقيق فكرة “الحزام والطريق” – (المشاريع على طول الخط الرئيسي لطريق الحرير التاريخي وفروعه المختلفة).

وتوسّع المنتدى، الذي ضم 16 دولة في بدايته في 2012 في عام 2019 عندما انضمت إليه اليونان، ولكنه تقلص في عام 2021 عندما انسحبت ليتوانيا منه، بسبب الإجراءات العقابية التي اتخذتها الصين ضدها، رداً على موافقة ليتوانيا على فتح مكتب تمثيلي باسم “تايوان”.

بعد عام، انسحبت منه أيضاً لاتفيا وإستونيا، بعد تصريح الرئيسين “فلاديمير بوتين” و”شي” حول “الصداقة بلا حدود” بين الصين وروسيا، الجار الخطر لدول البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي.

إن الاتحاد الأوروبي متيقظ لجهود الصين لتوسيع نفوذها على عمليات صنع القرار في الدول الأعضاء فيه باستخدام أسلوب “العصا والجزرة”، بصفته منظمة تدافع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنه يعترف أيضاً بالاختلافات بين الصين وأوروبا فيما يتعلق بنظام الحكم والحريات الفردية ومعاملة الأقليات.

من ناحية أخرى، لا يمكن للدول الأوروبية أن تتجاهل القوة الاقتصادية للصين، وتجد نفسها تحاول باستمرار الموازنة بين الرغبة في الحفاظ على قيمها المقدسة وبين المصالح الاقتصادية.

في الفراغ الناجم عن هذا التوتر، تحاول الصين الاستفادة من حقيقة أن العديد من الدول، مثل المجر على سبيل المثال، أقل قلقاً بشأن المبادئ الأساسية للاتحاد ورغبة الدول الرائدة فيه مثل فرنسا وألمانيا، للحفاظ على كل من التحالف عبر الأطلسي و”الاستقلال الاستراتيجي”.

عاد “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي إلى العناوين الرئيسية بعد زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” للصين في أبريل 2023، وقال “ماكرون” في مقابلة إن الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا، هو أن تقع في أزمة هي ليست جزءاً منها مما يمنعها من تطوير استراتيجية مستقلة، حيث كانت كلماته موجهة إلى التوترات بين الولايات المتحدة والصين، على خلفية لقاء رئيس مجلس النواب الأمريكي مع رئيس تايوان.

وأضاف “ماكرون” أن أسوأ شيء هو التصرف وفقاً لأجندة الولايات المتحدة أو الردود الصينية الزائدة، فيما رأت القيادة الصينية إشارة إيجابية في كلام “ماكرون” الذي لم يخفِ غضبه من استبعاد فرنسا من إنشاء تحالف دفاعي في عام 2021 من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وأستراليا (AUKUS)، والذي ستشمل أنشطته دمج الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية في البحرية الأسترالية، وهي خطة قوبلت بإدانة حادة من الصين.

من ناحية أخرى، أوضح “ماكرون” نفسه أن “الاستقلال الاستراتيجي” لا يعني الخلاف، وأن فرنسا والولايات المتحدة لديهما وجهات نظر خاصة بهما تجاه قضايا مختلفة، وكمثال على التوافق في الرأي مع الولايات المتحدة أشار إلى دعم فرنسا للوضع الراهن، فيما يتعلق بتايوان وحرية الملاحة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مشيراً إلى إرسال المدمرة PRAIRIAL إليها.

وتضمن البيان المشترك الذي صدر في ختام زيارة “ماكرون” إشارة إلى الحرب في أوكرانيا، وضرورة حلها على أساس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وحاول ماكرون ورئيسة مفوضية الاتحاد الأوروبي، التي جاءت معه إلى بكين، ثني الدولة المضيفة عن إمداد روسيا بالسلاح، ويفترض أنهما بذلك ساهما في رد فعل وزير الخارجية الصيني، الذي قال إن بلاده لن تزود أي طرف من الأطراف المتحاربة في أوكرانيا بالسلاح.

هذا، على عكس رد الفعل الغاضب على مناشدة الرئيس الأمريكي ووزيرة الخارجية الأمريكي للصين، بالامتناع عن إمداد روسيا بالسلاح، سيكون من المثير للاهتمام متابعة أنشطة الصين وقدرتها على التأثير على إيران في الملف النووي، الذي احتل مكانة بارزة في البيان المشترك للصين وفرنسا.

فيما يتعلق بقضية تايوان، إذا فكرت الصين في الاستفادة من استياء فرنسا من الولايات المتحدة، فعند زيارة وزيرة الخارجية الألمانية “آنهيلين بيربوك” للصين في أبريل 2023، حاولت الصين تأجيج العلاقات بين الدول والتمييز بين ألمانيا والولايات المتحدة، على أساس اعتراف الصين بالاتحاد “مقابل” اعتراف ألمانيا بالاتحاد مع تايوان.

خلال الزيارة، قال “وانغ يي” الذي كان وزيراً للخارجية الصينية حتى أسابيع قليلة قبل ذلك، وهو الآن عضو بارز في القيادة الصينية، إنه يأمل ويؤمن بأن ألمانيا ستدعم إعادة الاتحاد السلمي مع تايوان، مضيفاً أن الصين دعمت إعادة توحيد ألمانيا (بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)، ووفقا له، فإن عودة تايوان إلى الصين عنصر مهم في النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

وتجاهل المسؤول الصيني الكبير تحذير “باربوك” الفظ، الذي صدر منها في مؤتمر صحفي مع نظيرها الصيني في اليوم السابق والذي حذرت فيه بأن الحرب على تايوان هي سيناريو مرعب له عواقب وخيمة على العالم بأسره، ربما حاول “وانغ يي” التمسك بكلمات “باربوك” القائلة بأن النزاعات لا يمكن حلها إلا بالطرق السلمية، وأن التغيير العنيف والأحادي الجانب للوضع الراهن لن يكون مقبولاً في أوروبا، لكن “باربوك” لم تترك أي شك في موقف ألمانيا، وبشكل غير مباشر موقف غالبية أوروبا.

معدل النمو الاقتصادي في الصين في عام 2023 سيكون حوالي 5% مقارنة بـ 1.6 في الولايات المتحدة، و 0.8% في أوروبا.

يمكن للصين أن تواسي نفسها بأن أوروبا لن تكون قادرة على تجاهل حقيقة أن كلاً من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، قدّروا بأن معدل النمو الاقتصادي في الصين في عام 2023 سيكون حوالي 5% مقارنة بـ 1.6 في الولايات المتحدة، و 0.8% في أوروبا.

هذه البيانات دفعت وزراء خارجية منتدى الدول الصناعية السبع الكبار (G7)، الذين اجتمعوا في اليابان في الفترة من 16 إلى 18 أبريل، للإعراب عن رغبتهم في التعاون مع الصين في حل المشكلات العالمية مثل تغير المناخ، والأمن الصحي، والانتعاش الاقتصادي، ولكن مع انتقادهم الصين بشأن سلسلة من القضايا، تصرف اقتصادي غير عادل وتنافسي، ونقل وسرقة معلومات بشكل غير قانوني، ومحاولة لتغيير الوضع الراهن بالقوة والإكراه في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والتعدي على حالة الحكم الذاتي لـ “هونغ كونغ” وانتهاك حقوق طائفة “التبت” وطائفة “الأويغور” المسلمين.

إن حقيقة إعراب وزراء خارجية الدول السبع عن دعمهم لمبدأ “صين واحدة” لم يرضِ بكين التي احتجت من تدخل اليابان في شؤونها الداخلية.

حتى اليوم، فإن آخر زائر رفيع المستوى للصين كان رئيس البرازيل “لولا دا سيلفا” الذي يعلق آماله أيضاً على مساعدة الاقتصاد الصيني في إعادة التصنيع، وبأن تحتل الشركات الصينية مكان الشركات الأمريكية التي قررت مغادرة البرازيل، تعتبر الصين البرازيل شريكاً مهماً نظراً لكونها الأكبر في دول أمريكا الجنوبية وكونها عضواً في مجموعة دول “البريكس” BRICS.

ستساعد دعوة رئيس البرازيل للأنشطة الصينية في بلاده الصين، على توسيع نفوذها في المنطقة التي يكثر فيها من البداية الدول المعادية للولايات المتحدة، بما في ذلك كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، في مارس الماضي حققت الصين انتصاراً دبلوماسياً، عندما ألغت “هندوراس” اعترافها بتايوان وقطعت العلاقات معها وأقامت علاقات دبلوماسية مع الصين.

من المحتمل أن يكون هناك في “إسرائيل” من يرى مواجهة الصين للضغوط الخارجية التي تمارس عليها بسبب إصرارها على تنفيذ أهدافها الوطنية، كما تحددها الحكومة، كنموذج يحتذى به.

ومع ذلك، يجب أيضاً أن يأخذ في الاعتبار التباين في المساحة بين الصين و”إسرائيل”، وخاصة القدرات الاقتصادية والاعتماد الذي تفرضه الصين على الدول الأخرى.

من الضروري أيضاً أن نتذكر الانضباط الجماعي الذي تحقق في الصين ضمن نظام قيم مختلف وبوسائل غريبة حتى الآن عن “المجتمع الإسرائيلي”.

المصدر: معهد أبحاث الأمن القومي/ “عوديد عيران”

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي