أخبارمقالات إستراتيجية

عبوة مجدو

قراءة هادئة في عملية صاخبة

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

أولاً: الموقف:

تحدث “العدو الإسرائيلي” في الأيام الماضية أنه على إثر تفجير عبوة ناسفة في تاريخ 13-03-2023 على مفترق مجدو – تقاطع شارع 65 مع شارع 66 – أصيب الفتى شريف خمايسة من سكان كفر قاسم بإصابات بالغة.

قامت على إثر هذه العملية قوات جيش العدو وأجهزته الأمن بعمل طوق أمني والبدء بعمليات التفتيش التي أسفرت عن توقيف سيارة تقل شخصين بالقرب من بلدة عارا، تبين أن أحد راكبيها يشكل خطراً على الجهات التي أوقفته، مما دفعها إلى تحييده قتلاً، وبعد إجراء عمليات التفتيش؛ تبين أن الشهيد يحمل حزاماً ناسفاً ومسدساً حربياً، لم يتمكن من استخدامهما!!

كما تبين أن صاحب السيارة التي استقلها الشهيد، وبعد التحقيق معه؛ لم يكن يعرف بفعل القتيل السابق، أو نواياه اللاحقة.

وقد سارعت “الجهات الأمنية الإسرائيلية” بالإشارة إلى أن هذه العملية وبهذا الشكل غير مسبوقة، وهي تحمل بصمات “حزب الله ” كون أن العبوة المتفجرة تشبه إلى حد كبير تلك التي كان “حزب الله” يستخدمها ضد قواته و”العملاء اللحديين” إبان فترة احتلال تلك القوات للجنوب اللبناني، كما أن أثرها يشبه أثر تلك التي كانت تشغل ضده هناك، حيث بلغ أثرها التدميري الثلاثين متراً.

كما وقد صرح ساسة العدو وقادته الأمنيون والعسكريون ومحللوه المختصون بسيل من التصاريح، من أهمها ما قاله وزير جيش العدو الجنرال “يواف غالنت” حيث قال: “لقد تم تفادي حادث أكثر خطوة”.

كما وصف الجنرال احتياط، والرئيس السابق لقسم العمليات في جيش الاحتلال “يسرائيل زيف” هذه العملية بأنها اعتداء غير عادي للغاية!

أما عن المحللين والصحف؛ فقد وصفوا هذه العملية بأوصاف كثيرة من أهمها ما قاله أحد الصحفيين من أن هذا الحدث برمته فشل ذريع للجيش لا توجد طريقة لتجميله، كما وصفه موقع “حدشوت” العبري بأنه عملية من أخطر العمليات التي عايشناها خلال الفترة الماضية.

ثانياً: التحليل:

إن معطيات هذا الموقف، وما نتج عنه، وما قيل حوله يثيرُ أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، وهنا لا يدعي كاتب هذا التحليل أن لديه معطيات أو معلومات قد ترفع بعض ما حاق بهذا الحادث من إبهامات، وإنما هي بعض الاستنتاجات والآراء والاستفسارات التي قد تساعد في فهم أو بناء صورة مشهدية عما حدث، نبدؤها بالأسئلة والاستفسارات، ثم نلحقها بالتحليل وبعض الإجابات.

الأسئلة والاستفسارات:

  1. لماذا دَفع المُشغل لهذا المُنفذ، في هذا الوقت الذي يبحث فيه قادة الكيان المؤقت عما يوحد صفوفهم، ويرأب صدعهم؟
  2. ألا يشكل العمل في هذا التوقيت طوق نجاة لـ “نتنياهو” وتحالفه ينتشلهم مما هم فيه من مخمصة أمام معارضيهم؟
  3. من أين انطلق المنفذ ومن أي جهة دخل إلى فلسطين المحتلة؟
  4. هل جاء من الشمال المراقب والمسيطر عليه من قوات “اليونفيل” وحزب الله، المنتشرين من رأس الناقورة وحتى العرقوب، فضلاً عن مرابض العدو وقواته وأجهزت رصده التي (تحصي) الأنفاس على كل ما في المنطقة من أشخاص؟
  5. أليس ممكناً أن يكون المنفذ قد انطلق من الحدود الشرقية لفلسطين حيث الأغوار الشمالية الأقرب جغرافياً إلى منطقة الهدف، والتي تشهد زيادة في عمليات تهريب الأسلحة وتردد المهربين؟
  6. إذا كان المنفذ -كما زعم العدو- أنه يحمل حازماً ناسفاً ومسدساً حربياً؛ لماذا لم ينتظر بالقرب من مكان التفجير، ثم يبادر القوة العسكرية والأمنية التي جاءت إلى المكان فينغمس فيهم فيجرح من يجرح ويقتل من يقتل، ثم ينهي مسيره ومصيره بتفجير حزامه الناسف، فيلحق آخر القوم بأولهم؟
  7. هل كان القصد من التفجير في هذا المكان، شد انتباه العدو وجلب عدته وعديده إلى حيث ساحة العملية؛ ثم يكمل المنفذ مسيره جنوباً حيث قيل إنه حُيد بالقرب من بلدة عارا وهي في الجنوب الغربي لمكان العملية على امتداد شارع 65؟
  8. إلى أين كان يتجه المنفذ؟ وما هو هدفه الأصلي الذي لم يُكشف عنه إلى الآن؟ وهو ما ساقه جنوباً حيث قيل إنه قُتل وحُيّد.
  9. ما هو الهدف الحقيقي الذي كان يقصده المنفذ والذي وصفه وزير الدفاع أنه أكثر خطورة لو كان تحقق ما أراد المنفذ ومشغلوه ومرسلوه؟
  10. لماذا لم يُشغل هذا الفدائي حزامه الناسف عندما وجد نفسه محاصراً بقوات أمن العدو وجيشه؟
  11. لماذا لم يقدّم العدو إلى الآن أي صورة أو وثيقة شخصية تثبت أنه قتل هذا المنفذ أو حيده؟ وهو الذي يتباهى بتقديم مثل هذه الأدلة وتلك الوثائق عندما تقع بين يديه.
  12. قال العدو إن المنفذ قد يكون خرج من مخيمات الشتات الفلسطيني في لبنان، فهل يعقل أن يغيب شخصٌ عن ذويه وأهل حيه هذه المدة دون أن يُنتبه له أو يشعر المحيط بغيابه، خاصة في ظل الظروف الأمنية والاجتماعية التي يعيشها لبنان الآن؟
  13. ما الهدف السياسي والعسكري الذي تَطلب مثل هذه المغامرة المحفوفة بكل هذه المخاطر، والتي تتساوى فيها نسب النجاح مع نسب الإخفاق؟
  14. هل تكفلت الجهة التي أرسلت هذا الفدائي بتأمين اجتيازه للحدود، ثم هو تكفيل ببقية الإجراءات والحركات التي أوصلته إلى حيث زرع عبوته؟
  15. أم أن فريقاً مسانداً داعماً كان في انتظاره بعد اجتاز الحدود، قام بالتقاطه وإيصاله إلى أقرب نقطة من مكان الهدف، ثم انفصل عنه وتركه في حال سبيله؟
  16. إذا كانت الإجابة عن السؤال السابق تقول: إن فريقاً مسانداً ساعدة في الوصول إلى هدفه الأول؛ لماذا تركه ولم يكمل معه المسير باتجاه الهدف الرئيسي أو الهدف التالي؟
  17. ما مدى المواكبة المعلوماتية التي واكبت المنفذ من قبل مشغليه بعد أن اجتياز حدود فلسطين المحتلة وتوغل جنوباً نحو هدفه أو أهدافه المفترضة؟
  18. أليس من الممكن أن يكون هذا الفدائي من أبناء فلسطين المحتلة – الضفة أو 48 أو غزة – ولم يُفصح العدو عن هذا الأمر حتى لا يكون نموذجاً يقلد من قبل غيره؟
  19. ألا يُحتمل أن يكون هذا الفدائي حيٌ يرزق، وسيغيّب كما غاب يحيى سكاف اللبناني الذي كان ضمن مجموعة الشهيدة دلال المغربي التي اجتازت بمجموعتها الحدود في 11-03-1978 – لاحظوا تقارب التاريخين – والذي قيل إنه قتل، ولم يقدم إلى الآن دليل على مقتله.

تحليل الموقف ودلالاته:

بناء على هذا الكم من الأسئلة، فإننا يمكن أن نجازف ونقول إن هذا الفدائي ومن أرسله إنما كان يريد أن يسجل موقفاً على العدو، يقول له فيه إننا قادرون على اختراق الحدود والدفع بمقاتل متخفٍ مسلح بوسائط قتل، فيصل إلى هدف فيلتحم معه ويحقق فيه خسائر، المعنوي فيها أكثر من المادي، وإن الجهة التي أرسلت هذا الفدائي قد تركت له حرية اختيار الهدف وزمان الاشتباك معه.

فاجتاز الحدود ولم يصادف في طريقه هدفاً (دسماً) يمكن أن يلتحم معه، فاندفع جنوباً حيث مفترق مجدو، مع معرفته المسبقة أن هذا المفترق يشكل عقدة مواصلات مهمة، وأن الوصول له وزرع عبوة فيه يعني أن خرقاً أمنياً غير مسبوق يسجل في دفتر إخفاقات هذا العدو الصائل، فوصله؛ ثم زرع عبوته هناك وتركها لتنفجر ذاتياً، ثم واصل سيره جنوباً حيث عارا، فاصطدم بقوات الجيش، لتنتهي هنا الرواية.

وهنا لا يمكن أن نثبت أو ننفي تحييد هذا الفدائي، ما لم يقدم العدو دليلاً دامغاً على صحية ما يقول، أما عن دلالات هذه الموقف، فيمكن أن نسجل مجموعة من النقاط، من أهما ما يأتي:

  1. أن هذا العدو أوهن من بيت العنكبوت، إذا ووجه بمن تساوى عنده الموقف؛ أيحيا أم يموت.
  2. إن ما يرغي فيه العدو ويزبد من أنه ممسكٌ لـ (حدوده)، وأنه يستحيل اختراقها، أمرٌ لا يصمد أمام دليل، فهذه حدود قابلة للاختراق، ممكنة التخطي.
  3. إن من أرسل هذا الفدائي أراد أن يرسل رسالة لمن يهمه الأمر – وقد وصلت – مضمونها أننا قادرون على اللعب في (مصارينك) كما تلعب أن في (مصاريننا) والأيام دول.
  4. من أرسل يعرف أنه أرسل ومن أرسل، ومن يجب أن تصله الرسالة قد وصلته الرسالة، وأن مثل هذا الأمر محكومة بمعادلة بين الخصوم، ليسوا معنيين بأن يعرفها غيرهم تقول – المعادلة -: أنت تعرف أنني أعرف أنك تعرف، وليبنى على الشيء مقتضاه، والسلام.
  5. أن من فعل هذا الفعل قادرٌ على تكراره، وما خفي أعظم.
  6. أن من أرسل مقاوم أسداً منفرداً قادرٌ على إرسال (قطيع) من الذئاب المفترسة التي ستنهش لحمك وتقض مضجعك.
  7. إن من أرسل هذا المقاوم يعلم أن العدو في أضعف حالاته الداخلية، وأنه لن يجرؤ على رد فعل صاخبٍ، يتدحرج إلى مناوشات حدودية أو معركة موضعية، حتى لو أدت العملية إلى وقوع خسائر بشرية.

ثالثاً: التقدير:

وعليه نعتقد أن تفاصيل هذه العملية ستبقى حبيسة خزائن الملفات السرية، وأننا لن نكون أمام موعد قريب يُفصح فيه عن الجهة التي أرسلت هذا الفدائي أو تكشف عن هويته أو مصيره، وستبقي إجراءات رد الفعل المعادي في خانة الإجراءات الأمنية التي تتطلب ممن يناصبون هذا العدو العداء، رفع حالة التحسب والتحوط الأمنية، كما نعتقد أن نجاح هذه العملية سيغري الكثيرين – في داخل فلسطين وخارجها – لتكرار التجربة، وطرق الباب من جديد بيد من حديد.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي