أخبارمقالات إستراتيجية

ثورة قانونية أم انقلاب حكومي؟

ترجمة الهدهد

هل “الإصلاح” في النظام القانوني كما طرحه وزير القضاء الجديد “ياريف ليفين” إصلاح مهني حقيقي؟ هل يشكل نوعاً من الثورة في المجال، أم هو نوع من الانقلاب تنفذه الحكومة ضد نفسها؟

إن تبرير الحكومة لتنفيذ الإصلاح المزعوم هو تعزيز الديمقراطية والحكم، لكن ليس من المؤكد أن هذه ستكون نتيجة الخطوة التي خططت لها الحكومة.

أعلن “ليفين” في خطابه عن “الخطوة الأولى” في إصلاح الحوكمة” في حكومة نتنياهو، والذي حسب قوله “يهدف إلى تعزيز الديمقراطية واستعادة الحوكمة واستعادة الثقة في نظام العدالة وإعادة التوازن بين سلطات الحكم الثلاثة، في الوضع الطبيعي وفي ظل ظروف ائتلاف متوازن ومعياري، كان بالإمكان الاعتقاد بأن هذه هي بالفعل المبادئ التي يقوم عليها الإصلاح، ولكن في الواقع الموجود اليوم في نظام الحكم في “إسرائيل”، يبدو أن الهدف هو العكس تماماً.

في البداية يجب أن نؤكد أن إصلاح النظام القضائي في “دولة إسرائيل” مطلوب بالفعل، ولكن ليس بالضرورة الإصلاح الذي يشير إليه “ليفين” في خطاباته، النيابة العامة تحتاج فحصاً شاملاً ومعمقاً لأدائها، وأداء أصحاب الوظائف فيها على مر السنين، بما في ذلك عدم الكفاءة والمدد الطويلة للتعامل مع القضايا، ومن ناحية أخرى إغلاقها العديد من التحقيقات والإفراج عن المجرمين دون أي إجراءات قانونية، لا شك أن النظام القضائي يتطلب تغييراً في مستوى الكفاءة المهنية للقضاة، وكفاءتهم ووتيرة عملهم وفقدان الردع الناشئ على خلفية الأحكام القضائية والعقوبات المخففة وغير المعقولة على المجرمين.

الإصلاح يقدم عدة خطوات رئيسة:

الخطوة الأولى: تغيير تشكيل لجنة اختيار القضاة مع فصل نقابة المحامين عنها، وإضافة جهات سياسية إلى اللجنة، هذه الخطوة ستضر بشكل كبير بمستوى مهنية القضاة الذين سيتم انتخابهم، وهنا سيجد القضاة والمرشحون القضائيون أنفسهم يركضون خلف السياسيين بقوة ويغازلونهم ويعدونهم بأنهم سيخدمون مصالحهم.

الخطوة الثانية: هو سن بند التغلب على قرارات المحكمة العليا بأغلبية 61 عضو الكنيست فقط، ما يعني إعطاء الحكومة القدرة على إلغاء وتجاوز أي حكم صادر عن المحكمة العليا بأغلبية ضعيفة وهامشية مع تجاهل تام لجوانب حقوق الإنسان والحريات الفردية والمبادئ الديمقراطية الأخرى.

الخطوة الثالثة: الحد من صلاحيات المحكمة العليا لإبطال القوانين ومنع قدرتها على التدخل في القوانين الأساسية، وهنا المشكلة مضاعفة وذات شقين، حيث إن السبب في زيادة مدى تدخل المحكمة في العمليات التشريعية بما في ذلك القوانين الأساسية على مر السنين، هو حقيقة أن “دولة إسرائيل” لا يوجد بها دستور.

“إسرائيل” لا تمتلك دستوراً

وفي غياب الدستور لأسباب ائتلافية وقطاعية، سن الكنيست عدداً من القوانين الأساسية، لكن هذه القوانين لا تتمتع بقوة الدستور ويمكن تغييرها وإعادة تعريفها بسهولة نسبياً ووفقاً لأهواء كل حكومة.

لهذا السبب ولأن “الحكومات الإسرائيلية” على مدى أجيالها تتجنب التعامل مع النزاعات المعقدة في المجتمع، اضطرت المحكمة إلى التدخل واتخاذ موقف أو إبداء رأي، والطريقة الصحيحة لتصحيح هذا التشويه لا تتمثل في إضعاف المحكمة، ولكن في تقوية الحكومة وقدرتها على الحكم، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي تغيير نظام الحكم والانتخابات في “إسرائيل”.

الخطوة الرابعة: إلغاء سبب المعقولية في اعتبارات المحكمة، قد يبدو هذا المطلب منطقياً لإنسان غير مهني، ومع ذلك فإن أولئك الذين يتعمقون في الوضع القانوني الحالي، ويفحصون الوضع القانوني المعمول به في معظم دول العالم الغربي، سيكتشفون أن سبب المعقولية ليس موجوداً.

سبب المعقولية هو مبدأ أساسي في النظام القانوني الأمريكي ويستخدم في جميع مجالات القانون، لكن الحكومة التي تعرف مسبقاً أن قراراتها ستكون غير منطقية بشكل واضح، ستسعى بالتأكيد إلى إلغاء سبب المعقولية وزيادة سلطتها وقدرتها على الحكم والسيطرة، دون أي حدود وقيود، حتى لو كان هناك تلميح لفقدان الديمقراطية وبداية الديكتاتورية، فمن المحتمل أننا لم نخطئ.

الخطوة الخامسة والأخيرة: هو تحويل جميع المستشارين القانونيين في الوزارات الحكومية إلى مناصب أو وظائف ثقة لرؤساء الوزارات والوزراء، بدلاً من تعيينهم من قبل مستشارين مهنيين ومستقلين.

يجب أن نعترف أنه على مر السنين ازداد وزن المستشارين القانونيين في عمليات صنع القرار بشكل كبير بالفعل، وأصبحوا في بعض الحالات وزناً ثقيلاً على كل من الحكومة وعمل أنظمة مثل “الجيش الإسرائيلي” والشاباك والشرطة.

لا شك أنه في هذا المجال لا بد من إعادة التوازن، لكن السؤال ما هي الطريقة الصحيحة للقيام بذلك؟

الطريقة التي يقترحها وزير القضاء ستحقق بالطبع النتيجة المعاكسة، لكنها النتيجة التي يريدها هو، وتقوية قدرة الحكم الشمولي للحكومة القائمة دون أي قيود قانونية، لن يلتزم المستشار القانوني الذي سيكون ملزماً فقط للوزير المسؤول عنه بأي اعتبار مهني أو رأي نقدي وسيركز بدلاً من ذلك على إيجاد الدعم والتبرير لجميع الإجراءات الحكومية.

مثل هذه الخطوة ستعزز بالفعل سلطة الحكم لكنها ستمنع تماماً أي قدرة قانونية على الدفاع عن قرارات الحكومة بشكل قانوني حتى أمام المنظمات والدول والكيانات خارج الدولة، هذه عملية أخرى لتعزيز قدرة الحكومة على الحكم دون أي قيود قانونية وقضائية.

الطريقة الصحيحة في هذا المجال هي الاستمرار في تعيين مستشارين قانونيين مهنيين ملتزمين بنزاهتهم المهنية، ولكن من ناحية أخرى إعادتهم إلى مرتبة المستشارين وليس صناع القرار.

المصدر: معهد السياسات والاستراتيجية/ ليئور أكرمان

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي