كيف يقاتل العدو في الضفة الغربية؟

تحليل الموقف والتوصيات

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

أولاً: الموقف:

يتسم الموقف اليومي في الضفة الغربية بحالة استباحة وهجوم متكرر من العدو؛ فلا يكاد يمر يوم على مدن وقرى الضفة الغربية دون أن تكون هناك عملية مداهمة أو اقتحام أو مطاردة لعناصر المقاومة الفلسطينية ونشطائها، ولا تفتأ قوات العدو من الدخول إلى مناطقنا جابية أثمان بالأرواح وخسائر في الممتلكات، فكل يوم هناك شهداء يرتقون، وبيوت تدمر، وممتلكات تصادر، لذلك تأتي هذه الورقة لتحلل “الموقف” إلى عناصره الرئيسية، بحيث تحدد أسباب فعل العدو هذا، وما يقوم به من إجراءات تعبوية أثناء قيامه بأعماله الميدانية، وصولاً إلى مجموعة توصيات، نحسب أنها مفيدة لموجهة هذا “الموقف” والحد من تداعياته.

ثانياً: تحليل الموقف

إن الهدف من تحليل الموقف هو تحديد أهم الأسباب التي تدفع العدو للخروج اليومي في عمليات تعبوية ضد مُدننا وقُرانا في الضفة الغربية، والتي نعتقد أن أهمها – الأسباب – ما يأتي:

  1. معلومات عن بداية تشكيل تهديد:
    إن أحد الأسباب التي تدفع العدو للخروج في إجراءاته اليومية ضد مدننا وقرانا؛ حصوله على معلومات من مصادره المختلفة -بشرية وغير بشرية- عن بداية تشكل تهديد في مكان ما، قد يكون هذا التهديد عبارة عن فكرة في رأس مقاوم أو مقاومين ينون تنفيذها؛ أسرّ بها أحدهم إلى غير أهلها؛ فوصلت للعدو، فخرج لتحييد صاحبها، في إجراءات تترك أثراً نفسياً على كل من سيفكر مستقبلاً بمثل هذا التفكير، ناتج هذا الأثر عن الشعور بأن هذا العدو يعلم “السر وأخفى”، فيميت بإجرائه هذه بذور التفكير المقاوم في مهده، ولا يسمح له بالنمو فضلاً عن الولادة.
  1. معلومات عن تبلور تهديد واستعداده للتفعيل:
    كما أن بعض أسباب أفعال العدو اليومية ضد مُدننا وقُرانا ومُقاومينا؛ تبلغه معلومات من مصادرها عن تبلور تهديد واستعداده للتفّعيل، كأن تتحول الفكرة في رأس المقاوم أو المقاومين إلى إجراءات تنفيذية، تعوزها الحركة والتحضير والتجهيز، فيثور (غبار) الفعل التحضيري ويتعالى، فيراه العدو بوسائط رؤيته البشرية والمادية، فيخرج لتحييده، وضربه في مهده، قبل أن يخرج عن السيطرة محققاً هدفه؛ أو يشجع غيره على الحذو حذوه.
  1. تحييد تهديدات فعلية وضرب أصول بشرية أو مادية للمقاومة:
    إن العدو ينظر إلى أهلنا في مدننا وقرانا على أنهم تهديد؛ يراقبهم ويحصي عليهم أنفساهم، ويواكب نشاطاتهم وتحركاتهم، فما ظننا عندما يرى فصائل المقاومة تستعرض قدراتها، وتنشر مقاتليها في كل شارع وزقاق، فتخرج مجاميع المقاومين خلف شهدائهم -وهذا أقل حق للشهداء علينا- مستعرضة أسلحتها وتجهيزاتها الفردية، وتطلق النار فرحاً بالشهادة، أو غضباً للشهيد، وتجمع -الفصائل- كل مقاوميها لتأدية واجب العزاء بعد الدفن، حاسري الوجوه وملثمين، وتبقى أمام عدسات الكاميرات لساعات طويلة، وهذا فعل يرى فيه العدو تهديداً فعلياً يجب ضربه وتحييده، ومنعه من النمو والخروج عن السيطرة، لذلك، يقوم بما يقوم به من مناورات وجولات، علّه يظفر بصيد هنا أو فريسة هناك.
  1. استكمال إجراءات وغلق ملفات:
    من دوافع العدو للخروج اليومي للعمل ضد مقاومتنا؛ استكمال إجراءات لم تستكمل، كهدم بيت أو توقيف مطلوب، أو تصفية مسؤول أو تحييده، أو ضرب قدرات مادية منعاً من الاستفادة منها، إنها إجراءات يهدف العدو منها غلق ملفات لم تغلق، وتحييد قدرات لم تحييد.
    فليس هناك ملف يفتحه العدو ويتركه بدون إغلاق؛ حتى لو طال الزمن، وظن البعض أن العدو نسيه، أو جاءه ما يشغله عنه، فما يُفتح يجب أن يُغلق، وما قُيّد على قائمة الأهداف لن ينسى، وإن تأخر التعامل معه أو التصدي له.
    هذه بعض أهم الأهداف التي تدفع العدو للعمل اليومي في مدننا وقرانا، فتراه زائراً في الليل، أو طارقاً في النهار، يصبحنا أو يمسينا، ولا يخرج إلّا وقد ترك جرحاً ينزف فينا، وهو في تنفيذه لهذه الأهداف يقوم بسلسلة من الإجراءات التعبوية لا تخفى عن عين أي راصد أو متابع، نتحدث عنها في العنوان التالي.

ثالثاً: إجراءات العدو

إن حديثنا عن هذه الإجراءات الهدف منه فهم كيف يفكر العدو، وكيف يتصرف عندما يريد الخروج لتنفيذ أي عمل تعبوي في مدننا وقرانا، الهدف من هذا الفهم؛ ألا نسمح لعدونا بمفاجأتنا، وأن نسلب منه زمام المبادرة، وأن نفشل سعيه، ونضرب خطته.

لذلك سنتحدث عن أهم الإجراءات التي يقوم بها العدو أثناء نشاطاته التعبوية في مدننا وقرانا، والتي منها:

  1. المواكبة المعلوماتية للإجراءات التعبوية:
    فلا يخرج العدو في أي نشاط تعبوي دون أن تكون هناك مواكبة معلوماتية لهذا العمل، فترى مصادر معلوماته -البشرية والمادية- تنشط قبل الفعل ومعه وبعده، لذلك فإن أبناء المقاومة في مدننا وقرانا بما يملكون من معرفة وخبرة في ساحة عملهم، لابد أنهم يشعرون بحراك مصادر المعلومات تلك، بل قد يرونها رأي العين، وهنا فإن القراءة الصحيحة، والتحليل الدقيق لحراك مصادر المعلومات المعادية تلك، يؤشر وإلى حد كبير إلى مكان فعل العدو وزمانه، بل قد تصل بنا القراءة الصحيحة إلى تحديد الهدف الدقيق من حركة العدو وفعله، لذلك نقول دائمًا الله الله في المعلومات فلا تغفلوا عنها ولا تستهينوا بها جمعاً وتحليلاً وحسن قراءة.
  1. حشد قدرات تناسب المهمة:
    يلي جمع المعلومات؛ حشد العدو لقدرات قتالية تتناسب مع الهدف المنوي تحقيقه، فلن يحشد العدو-على سبيل المثال- لواء مقاتلاً لضرب مقاوم هنا أو تحييد وسيلة قتالية هناك، بل يجمع ويحشد لكل هدف ما يناسبه من قدرات، وهنا تجب الإشارة إلى أن المقاومين وبعد هذه السنوات الطوال من المقاومة والاحتكاك بالعدو؛ لابد أنه أصبح لديهم تصور واضح عن الأماكن الجغرافية لتجمع وحشد القدرات المعادية قبل خروجها لتنفيذ أي مهمة، فلا يمكن أن لا يكون المقاومون غير مطلعين على مكان حشد القوات التي تداهم جنين أو نابلس مثلاً، أو تنطلق للدخول إلى قرى القدس ومخيماتها، إنها قوات نظامية كلاسيكية، تضمها جغرافيا، ويحكم تحركها تدبير، والمتابعة والمواكبة اليومية تفضي إلى معرفة مكان التجمع، وزمن الحركة، وزمان الوصول، فإن لم تكن هذه -المعرفة- كذلك التوصيف؛ فلنجهد أن تكون كذلك.
  1. تحريك هذه القدرات باتجاه الهدف:
    الخطوة التي تلي المواكبة المعلوماتية، وحشد القدرات القتالية؛ هي تحريك هذه القدرات نحو أهدافها، وهنا يخرج الإجراء من طابعة (السري) إلى ظهوره العلني، فلا يمكن إخفاء القوات ولا الآليات أثناء الحركة والتردد على الطرقات، وكلما كنا نحوز رؤية (عقابية) ترى المشهد من أعلى وتفهم “الموقف” بدقة؛ كلما نزعنا من عدونا زمام المبادرة، وحُلنا بينه وبين أن يفاجئنا، ولن يستطيع تمويه جهة حركته، ولن تختلط علينا الأمور، وسنميز محور”جهده الرئيسي” عن “محور جهده الخداعي”، وسيجدنا ننتظره حيث لا يتوقعنا، ونضربه من حيث لا يحتسبنا.
  1. ضرب طوق عسكري على منطقة الهدف:
    وقبل أن يدفع العدو بـ “قوة تنفيذ الواجب” نحو هدفها؛ وحتى يؤمن لها أفضل موقف للعمل، فإنه يقوم بضرب طوق خارجي على منطقة الهدف، فيقطع عنه سبل الإمداد والعون، حتى لا تصله أي (فزعة) أو (عونة) من الخارج، ولكي لا يستطيع -الهدف- الخروج من طوق المحاصرة الخارجي إن شعر بالخطر وتنبه للتهديد، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مواقع تموضع قوات الحصار الخارجي؛ مواقع لا تتبدل ولا تتعدد، فأي مخيم أو مدينة من مدننا إن أراد العدو محاصرتها فلابد له أن ينشر قواته ويُموضع قدراته في جغرافيات وأماكن؛ لا نتصور نحن المراقبين عن بعد أنها تغيب عن أبناء الميدان الذين يعرفونه معرفتهم لأكف أيديهم، فإن كان التوصيف كما ذكرنا؛ فإن تهديد الحصار والطوق الخارجي يمكن أن يتحول إلى فرصة للمقاومين إن هم بقوا (مصحصحين).
  1. استفزاز الهدف للخروج من مكانه:
    وبعد أن يطبق العدو حصاره الخارجي على منطقة الهدف، يقوم بإجراءات وحركات ونشاطات الغاية منها استفزاز الهدف -قد يكون فرد بعينه، أو مجموعة بذاتها، أو وسيلة قتالية يريد العدو تدميرها- ودفعه للخروج من مكانه، حتى يتسنى للعدو تحويل “التقدير” الذي بنى عليه خطته إلى “معلومات صلبة” تقود إجرائه، فيحيد الهدف بأسرع وقت وأقل ثمن، وهنا يجب أن يكون هناك حسن تقدير لأي خطوة يريد أن يخطوها المقاومون، فلا يدفعهم استفزاز عدوهم للتصرف وفقاً لجدول أعماله وما يريحه عملياتياً، فيقعون ضحية سوء قراءتهم أو تقديرهم.
  1. سحب الهدف إلى ميدان قتال يناسب العدو:
    إن الهدف من استفزاز العدو للأهداف -البشرية منها أو المادية- سحبها وإخراجها للاشتباك معها في ميدان قتال يناسب العدو، فيفرض على المقاومين شروط المعركة، ويخوضها معهم من موقع قوة، ويسلبهم ميزتهم التفاضلية، ونقطة قوتهم التعبوية، عندها سيتصرفون بردة فعل، ومن مربع الأزمة، وليس من منطلق حرية العمل ومرونة الحركة، فيقع المحظور، ونتكبد الخسائر.
  1. عزل الهدف عن محيطة:
    إذا نجح العدو في سحب الهدف إلى بقعة قتال تناسبه تعبوياً وتمكنه من التحكم والسيطرة على الموقف؛ فإنه يقوم مباشرة بعزل الهدف عن محيطة، وسد مساحات الحركة أمامه، ويضيق هامش المناورة عليه، ويعزله في أضيق مساحة جغرافية متصورة، عندها يفقد الهدف -فرد أو جماعة- القدرة على التفكير المنظم الذي يمكن أن يخرجه من مخمصته، وهنا تجب الإشارة إلى أن أهم وأفضل ما يتمناه العدو -مطلق عدو- من عدوه؛ حرمانه ميزة التفكير المنظم الذي يمكّن أي مأزوم من حل أزمته، وأي مكروب من حل كربته.

وليس هناك موقف أو إجراء يمكن من خلاله حرمان الخصم من التفكير المنظم أفضل من إجراء الحصار، وتضيق مساحة المناورة عليه وإشعاره أنه معزول عن محيطه.

  1. تنفيذ إجراء “طنجرة الضغط”:
    بعد العزل يأتي دور تطبيق إجراء “طنجرة الضغط” التي (تُنضج) ما لم يَنضج، و(تطهو) ما عصي على الطهي، إنه موقف يضع العدو فيها مقاومينا في وضعية يعزلهم فيها عن محيطهم، ويمارس عليهم شتى أنواع التضيق المكاني المصحوب بالنيران، فتضيق على المقاوم المساحات، وتسلب منه المتاريس والزوايا الآمنات، فتغلي الأرض من تحته، ولا يترك له أي منفذ للخروج، فإما الاستسلام والخروج وفقاً لشروط العدو الزمانية والمكانية، وإما الشهادة تحت الركام والهدم والدمار.
  1. الإطباق على الهدف:
    أما الإجراء النهائي من سلسلة الإجراءات التي يقوم بها العدو أثناء تصديه لمقاومينا في الداخل، فهو الإطباق على الهدف للتأكد من القضاء عليه، وتحييده عن المشهد، وغلق ملفه ودائرته، لتبدأ سلسلة من الإجراءات المشابهة، لمطاردة هدف مشابه، في حلقة مفرغة، نخسر فيها القدرات البشرية والمادية، ويسجل علينا فيها العدو النقاط بعد النقاط، الأمر -تفوق العدو- الذي نعتقد أن التعامل معه وفق لما سيرد من توصيات، قد يحد من خسائرنا وما نتكبده من معاناة.

رابعاً: التوصيات:

أمام هذا “الموقف” وتلك الإجراءات؛ فإننا نوصي المقاومين بمجموعة من التوصيات -لن نطيل التفصيل فيها- نعتقد أنها تساعد في الحد من خسائرهم، وتربك عدوهم، بل وقد توقع فيه خسائر بشرية ومادية، هذه التوصيات قد يكون من أهمها:

  1. المواكبة المعلوماتية.
  2. (إعماء) العدو عبر حرمانه من المعلومات من خلال تطبيق الصمت اللاسلكي والإلكتروني، ليكن شعارنا “لا هواتف وتلفونات حيث المقاومين”.
  3. عدم الاستجابة للاستفزازات.
  4. عدم الانجرار للمواجهات وفق شروط العدو الزمانية والمكانية.
  5. الاختفاء عن الرادارات والبعد عن العراضات.
  6. عدم تقبل الحصار والدخول إلى (طنجرة) ضغط العدو.

هذا بعض مع حضر في هذا “الموقف”

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى