أخبارتقدير موقف

الحرب الناعمة في الأهداف والمراحل وطرق العمل والوسائل: الجزء الخامس

الهدهد/ الخبير العسكري والأمني أ. عبد الله أمين
الجزء الخامس 

تناولنا في الأجزاء الأربعة من هذه السلسلة بالبحث والتفصيل الحرب الناعمة في مستوياتها وأهدافها ، والشرائح المجتمعية التي تعمل على استهدافها ، وما تصبو له من اهداف لتحققه مع تلك الشرائح ، ونتناول في هذا الجزء الخامس من هذه السلسلة مراحل عمل الحرب الناعمة ، على أن نختمها في الجزء السادس بالطرق والوسائل التي تُستخدم في هذا النوع من الحروب . أما من حيث المراحل فإن الحرب الناعمة تمر بثلاثة مراحل متتالية على النحو الآتي :

المرحلة الأولى : التحول أو التغيير الثقافي :
يسعى محاربو الحرب الناعمة في هذه المرحلة إلى تحقيق مجموعة أهداف تعد من أهم ركائز نجاحهم ، ومن ممهدات ومنطلقات عملهم للمراحل التالية ، هذه الأهداف عباة عن :
1. اضعاف وتخريب المرتكزات الفكرية والعقائدة والقيمية للمجتمع :
فحتى يحقق محاربو الحرب الناعمة ما يصبون له من أهداف ، لا بد لهم إبتداءً من أن يضربوا الأرضية الصلبة التي يقف عليها المجتمع والمنطلقات العقائدية والفكرية التي ينطلق منها أبناؤه والقيم والأعراف التي تحكمهم ، فبقاء هذه المرتكزات وهذه الموجهات يعني بقاء نقاط المثابة والرجوع التي يرجعون لها عند الاختلاف وعدم وضوح الرؤية . ومن أهم هذه المرتكزات التي يتم العمل على ضربها ؛كل ما من شأنه أن يشد من أواصر المجتمع ويقرب بين أبنائه على اختلاف مذاهبهم واعراقهم ، فقيمة الأخوة في الوطن ووحدة المسار والمصير ، وتقبل الآخر ، وتقديم مصلحة الكل على مصلحة الفرد وغيرها من مسببات تماسك بنيان المجتمع ، فإن نحج العدو في ضربها ؛ أحال المجتمع إلى فرق ومذاهب وقوميات يتسلل ــ العدو ــ من بين شقوق اختلافها الموضوعي ليزرع ألغام الفرقة بينها يفعّلها متى شاء ليفجر المجتمع من داخله ، فيسهل عليه استهدافه من خارجه .
2. إيجاد معتقدات وقيم جديدة تخدم مصلحة العدو :
وحيث أن بني البشر لا يمكن أن يحيوا دون قيم وموجهات ومنطلقات فكرية وقيمة وعقائدية ، وبعد أن ينجح العدو في ضرب منطلقاتهم ومرتكزاتهم تلك ، فإنه يعمد إلى احلال ما يناسبه وما يسهل عليه السيطرة على مجتمع الدول الهدف ، من قيم وأخلاق وعقائد من قبيل ، التعايش السلمي ، وثقافة الاستهلاك ، وتفوق الأجنبي على المحلي ، والحرية الفردية غير المنضبطة و … .

المرحلة الثانية : التحول أو التغيير السياسي :
في هذه المرحلة من مراحل الحرب الناعمة ، وبعد أن يقوم العدو بضرب المنطلقات الفكرية والعقائدية والأخلاقية لمجتمع الدول الهدف ، واستبدالها بما يناسبه من قيم وأعراف وأخلاق ؛ تبدأ مرحلة التحول والتغيير السياسي في الدولة الهدف ، وهنا يحاول العاملون في ميدان هذه الحرب تحقيق التالي من الأهداف :
1. اضعفات الدوافع الفردية وروحية الدفاع عن النظام الموجود :
فالنظام الموجود هو عبارة عن المصداق العملي للعقد الاجتماعي الذي تعارف عليه أهل الدولة ، وله ــ للنظام ــ تنازل الناس عن بعض حرياتهم الفردية في سبيل تأمينه لانتظام حياتهم الجمعية ، وهو ــ النظام ــ الذي يسند له المجموع مسؤولية الدفاع عنهم وعن مصالحهم ، وانطلاقاً من مجموعة القيم والأعراف والعقائد الحاكمة للمجتمع ، يستمد النظام أسباب الدفاع عنه ، فإن نجح العدو في ضرب تلك المنطلقات والعقائد والأعراف التي يقوم عليها المجتمع ، فإنه بذلك يكون قد حقق هدفه في اضعاف دوافع وروحيه الدفاع عن النظام الموجود ، فيغدو النظام بلا خطوط دفاع تحميه وتدافع عنه أمام الاستهدافات الداخلية فضلاً عن الخارجية .

2. تحضير المجتمع من أجل التحركات الاعتراضية والعصيان المدني :
فحين تضعف دوافع الانتماء للنظام الموجود ، ولا يعود أبناؤه يرون فيه ما يمثلهم ، وأنه لا يحقق ما من أجله تنازلوا له عن بعض حقوقهم وحرياتهم ، من تأمين لمصالحهم والدفاع عنها ، فإن أرضية التحركات المعارضة والعصيان المدني ضد هذا النظام تصبح مهيأة وجاهزة للتفعيل والاستثمار الخارجي ، ولا ينقصها سوى قليل من الجهود لتصبح أمراً واقعاً يفضي إلى الفوضى التي تعصف في أركان النظام ومؤسساته .

المرحلة الثالثة : مرحلة ظهور العصيان المدني :
في هذه المرحلة من مراحل الحرب الناعمة ، تبدأ مظاهر الاخشوشان تطغى على المشهد ، وتبدأ الأجواء بالسخونة ، ومرجل الدولة بالغليان ، وهنا يبحث مشغلو الحرب الناعمة عن الفرصة أو الفرص التي تتيح لهم التدخل في مجريات الأحداث بما يضمن لهم تحقيق ما يصبون له من أهداف، ومن هذه الفرص التي تشكل منصة للانطلاق لاحداث التغيير ما يلي :
1. اثارة المجاميع المدنية التي بدلت ولاءها من خلال استغلال الفرص المختلفة من قبيل الانتخابات ،
الحرب ، أزمات مجتمعية وغيرها من صواعق التغيير والتفجير : حيث يشكل نجاح الحرب الناعمة في تغير المنطلقات الفكرية والعقائدية للمجتمع فرصة لتشكيل مجموعات مدنية تدين بالجديد من تلك المنطلقات والمعتقدات وتعتقد بها ومنها تستمد توجهاتها ولها تعمل ، ثم تبدأ هذه المجاميع بالنمو والرشد والتكتل تحت مسميات مختلفة ، وتكتلها واجتماعها يعني تكوّن كتل بشرية صالحة للاستثمار في المفاصل الأمنية كالحروب أو السياسية من قبيل الانتخابات بمختلف مستوياتها بدءاً من صغيرها في المجالس القروية وانتهاءاً بكبيرها في المجالس التشريعية ، ، وهنا تكتسب المعارضة المرتهنة للخارج غطاء الشرعية الذي تبحث عنه عبر التغيير العنيف حرباً أو السلميُّ انتخاباً والذي يمكّنها من تغيير وجهة المجتمع والدولة ، كما يمكن استثمار هذه المجاميع التي دانت للخارج في أوقات الحروب كطابور خامس يفت عضد المجتمع من داخله عند الحاجة ، فضلاً عن أن مثل هذه المجموعات المرتهنة تعمل على تفعيل والنفخ في أي أزمة داخلية لتحيلها إلى نار تحرق البلاد وتقضي على العباد.
2. عمل المناورات للشرائح الشعبية وحركات المعارضة من أجل تحقيق التنسيق والانسجام فيما بينها :
وفي هذه المرحلة يقوم موجهو الحرب الناعمة بالعمل على تنسيق تحركات المجاميع المرتهنة لهم ، وتوجيه جهودهم المتفرقة نحو هدف واحد وهو اسقاط النظام وضرب مرتكزاته ، فالمنخرطون في الحراك الشعبي اليومي ، في أغلب الأوقات لانشغالهم بالتفاصيل اليومية التكتيكة ، يغيب عنهم أصل الهدف والاتجاهات الاستراتيجية للتغيير ، فيأتي دور موجهوا الحرب الناعمة لتوجيه هذه التحركات والتنسيق بينها لتسير في اتجاه واحد ووحيد ،وهو تحقيق ما يؤمن مصالحهم وأهدافهم في المستويين العملياتي والاستراتيجي .
3. المأسسة والتعبئة والحشد الشعبي للمعارضة ، افراداً وجماعات :
وحتى يكون هذا الجهد والتنسيق مثمر وموصل للهدف، لا بد له من الحشد والتعبئة والتحرك كمؤسسة ، يكمل ويدعم بعضها جهد الآخر ، فبقاء حركات الاعتراض والعصيان عاملة دون تنسيق وحشد لقدراتها ؛ يعني قدرة التعامل معها وإدارتها من قبل حكومة الدولة الهدف ؛ فتهدئ من غضب هؤلاء إلى حين التخلص من عصيان أولائك ، وتأمين متطلبات هذه المجموعة على حساب تلك الأخرى ، واللعب على تنقاضات المعارضين لتفتيت جهودهم وإظهارهم بدون أهداف مركزية متفق عليها يمكن أن تؤمن دعم الخارج لها ، لذلك فإن أهم هدف للعاملين في ميدان الحرب الناعمة في هذه المرحلة إظهار المعارضات الداخلية للنظام على أنها معارضة واحدة متماسكة ذات أهداف موحدة يسهل من خلالها تقديمها ــ المعارضة ـ كبديل عن نظام الحكم الحالي .

المرحلة الرابعة : انهيار النظام الموجود :
في هذا المرحلة من مراحل الحرب الناعمة ، تصل الثمرة على حالة النضج ويحين موسم الحصاد والقطاف ، فيُشمر عن ساعد التغيير ، وترتفع حدة المواجهة مع النظام هدف التغيير ، وتفعّل أدوات الحصاد وجني المحصول بعد كل تلك الجهود التي بذلت عليه ، وتبدأ الحرب الناعمة جهدها الجديد لتحقيق الأهداف الآتية :
1. مواجهة المجاميع المعارضة المختلفة للحكومة :
حيث تبدأ مرحلة مواجهة حكومة الدولة الهدف من خلال المجاميع البشرية التي عُمل على تربيتها وتطوير فعلها وتغير قناعاتها وتم تكتيلها في كتل وحشد طاقاتها وتعبئتها في اتجاه واحد ، فتواجه الحكومة ومقرراتها وتوجهاتها ، محاولة افقادها ــ الحكومة ــ مبرر وجودها والأصل الذي تستمد منه شرعيتها وتقبلها من قبل أبناء شعبها ، فتسفّه إجراءتها وما تقوم به من تحركات في سبيل لملمة الموقف والخروج من المأزق ، ولا يؤبه لما تقول أو تفعل ، وتصغر حسناتها وتعظم سيئاتها .
2. احباط قدرات واجراءات القوات الأمنية والدفاعية :
ويعمد في هذا المستوى من العمل إلى ضرب الجهاز المناعي والخط الدفاعي الأول عن النظام والدولة ، فتحبط إجراءاتها الأمنية وخططها الدفاعية ، فأبناء الأجهزة الأمنية والدفاعية هم أبناء المجتمع ؛ منه خرجوا ولأجله يعملون وبه ــ المجتمع ـ يتأثرون ، والانسان ابن بيئته ، فإن أصبحت البيئة الداخلية غير مواتية للنظام الحاكم ؛ تصبح قدراته على توجيه أجهزته الأمنية الدفاعية وإقناعها بتنفيذ ما يتم أخذه من قرارات صعبة إن لم تكن مستحيلة ، فإن تحقق هذا الهدف ــ عدم القدرة على التوجيه والتنفيذ ــ فهذا يعني أن النظام فقد أحد أهم مرتكزات بقائه ؛ عنينا بها هيبته ، فإن فقد النظام هيبته ، فقد مبرر وجوده وجهاز مناعته وخط دفاعه الأول .
3. انهيار وتغير النظام السياسي :
فإن فقد النظام هيبته أمام أبناء مجتمعه وشعبه ، وأصبح لا يلقى بالٌ لما يقول ويقرر ، فهذا يعني أنه أصبح على مشارف الانهيار والتحول والاستبدال ، فاصل وجوده قائم على هيبة ناسه له واحترامهم لما يقول وقبولهم به ، فإن فقدت هذا الأمور ، فيعني أنه فقد روحه ومبرر بقائه ، فكبر عليه أربعاً وقل سلام .

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي