أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

لغم على الطريق: المهمة الأولى للحكومة والعواقب الوخيمة

ترجمة الهدهد

N12/ عاموس يادلين

التطورات الحاصلة على الساحة الفلسطينية قد تعطل قدرة الحكومة الجديدة ورئيسها على الدفع بأهدافهما الاستراتيجية في المجال السياسي والأمني، فالخطوات الكبيرة التي ستتخذها الحكومة “الإسرائيلية” الجديدة في الساحة الفلسطينية، ستؤدي إلى احتمال التصعيد إلى حد اشتعال الأوضاع في الضفة الغربية بما فيها القدس، يكمن ذلك الاحتمال في مزيج من الأسباب التي تسببها “إسرائيل” والتي سيتلوها ردة فعل فلسطينية.

ومع ذلك، فإن تحقق هذه الإمكانية وسيطرة الساحة الفلسطينية على الأجندة الاستراتيجية لـ “إسرائيل” يعتمدان إلى حد كبير على الحكومة القادمة، وسلوكها وأعمالها على الأرض.

قبل بضع سنوات، وضعت شعبة الاستخبارات على طاولة صناع القرار إنذارا إستراتيجيا يتعلق باشتعال الأوضاع في الضفة الغربية، ويبدو أن الاتجاهات الكامنة وراءه تتفاقم، وفي ظل بداية تلاشي حكم أبو مازن، تعيش السلطة الفلسطينية هناك تراجع في الحكم والفساد وانعدام الشرعية وصعوبات اقتصادية مزمنة، ومنطقة مليئة بالسلاح الذي مصدره سرقات من قواعد الجيش “الإسرائيلي” ومنظمات إجرامية وتهريب من الأردن، وجيل شاب لم يعرف الانتفاضة ولا يخاف من أجهزة السلطة الأمنية، وبالتالي ينهض ويتسلح ويشن عمليات، ويحظى بتأييد شعبي واسع.

إن عمليات الاعتقال المستمرة والمكثفة التي يقوم بها الجيش تستمر منذ عدة أشهر، وأحبطت مئات العمليات، واعتقلت آلاف المشتبه بهم وخلفت عشرات “الشهداء” الفلسطينيين، في ظل غياب الأفق السياسي بين “إسرائيل” والفلسطينيين، وفي ظل الحساسية الشديدة في الأماكن المقدسة، خاصة في المسجد الأقصى.

سيؤدي اشتعال الأوضاع في منطقة الضفة الغربية بما فيها القدس إلى غرق “إسرائيل” بشكل كبير في الوحل، وسيجعل من الصعب عليها تحقيق الأهداف الاستراتيجية الحيوية التالية:

1 – احتواء إيران النووية.

2 – تعميق العلاقات في المنطقة وتوسيع دائرة التطبيع مع التركيز على السعودية.

3- تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والحفاظ على دعمها لإسرائيل.

4- الحفاظ على مكانة إسرائيل الإقليمية والدولية بما في ذلك في مواجهة التحديات القانونية والاقتصادية.

كيف سيضر التصعيد في الساحة الفلسطينية بالقدرة على تقديم رد مثالي لأهداف “إسرائيل” الاستراتيجية الأساسية، ولماذا يجب إعطاء هذه الأهداف الأولوية على التحدي الفلسطيني في الوقت الحاضر؟

التحدي النووي الإيراني..

بلغ البرنامج النووي الإيراني مرحلة متقدمة غير مسبوقة، حيث قامت إيران بتكديس اليورانيوم المخصب بنسبة 20٪ و60٪ بكمية تكفي لأربع قنابل، ويمكن تخصيبها إلى المستوى العسكري (90٪) في غضون أسابيع قليلة، هذا، على عكس إنتاج الأسلحة النووية (توفير جهاز متفجر نووي فوق صاروخ، الأمر الذي سيستغرق من إيران بضع سنوات من لحظة اتخاذ القرار). في الوقت نفسه، يقوم النظام الإيراني بتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة في مناطق محمية جيدًا، ويضع العراقيل أمام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن المحتمل أنه يفكر في تجاوز عتبة 60٪ وبدء التخصيب إلى 90٪.

البدائل التي لدى “إسرائيل” الآن لكبح برنامج إيران النووي بمفردها معقدة ومحفوفة بالمخاطر، وستقلل من الإنجاز الرئيسي لإسرائيل في العقود الأخيرة وهو تحويل البرنامج النووي الإيراني إلى مشكلة عالمية وليس مشكلة إسرائيلية.

في ظل هذه الظروف؛ فإن وقف تقدم إيران النووي يعتمد على الساحة الدولية وخاصة الولايات المتحدة؛ ومع ذلك فإن التحدي الذي تشكله إيران ليس من بين أولويات إدارة بايدن والعالم، والتي تركز اليوم على المنافسة بين القوى العظمى و الحرب في أوكرانيا، والتنافس مع الصين، والصراع من أجل الحفاظ على التفوق التكنولوجي.

في ظل هذه الحقائق، فإن المهمة الأسمى للحكومة الإسرائيلية هي حث العالم على التركيز مرة أخرى على وقف التقدم النووي الإيراني، لهذا سيتعين عليها حشد نقاط القوة وبناء الثقة وستحتاج إلى هدوء في الساحة الفلسطينية للاستفادة من العلاقات الخاصة وقنوات التعاون مع الولايات المتحدة ضد إيران.

ومع ذلك، فإن التصعيد في الساحة الفلسطينية في الوقت الحاضر، أو التحركات أحادية الجانب لتغيير الوضع الراهن- وقبل كل شيء الضم الفعلي- سوف يركز الانتباه إلى العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في أحسن الأحوال، ويؤدي إلى تدهورها في أسوأ الأحوال، على أي حال، فإن مثل هذه الخطوات ستضعف بشدة القدرة على التركيز على الحوار مع الإدارة الأمريكية وتسخيرها للتعاون الوثيق ضد إيران.

القضية الفلسطينية لا تزال على رأس اهتمامات دول الخليج- رغم ادعاء إسرائيل غير ذلك- وبالتالي فهي لا تزال ملتزمة تجاهها من حيث الرأي العام الداخلي و”الشارع العربي”، وهو ما انعكس بشكل جيد خلال مونديال قطر.

اتفاقية التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة أصبحت ممكنة بفضل “تنازل” إسرائيل بشأن خطوات الضم في الضفة الغربية، وتظهر المملكة العربية السعودية قدراً أكبر من الحساسية تجاه القضية الفلسطينية، بصفتها من قاد مبادرة السلام العربية ونظراً لمكانتها الملزمة في العالم الإسلامي، لذلك التصعيد في الساحة الفلسطينية بشكل عام، وحول المسجد الاقصى بشكل خاص، سيمنع السعودية من التقدم على المستوى السياسي مع إسرائيل، كما ستؤدي المواجهات الشديدة في الأماكن المقدسة إلى توترات مع مصر وبالتأكيد مع الأردن إلى درجة تقويض العلاقات الثنائية.

علاوة على ذلك، فإن أي تقدم في العلاقات مع المملكة العربية السعودية سيعتمد على ضمانات أمريكية مهمة وفوائد تعود على المملكة، مع التحوط من المخاطر من وجهة نظر إسرائيل (مطالب المملكة العربية السعودية بأنظمة أسلحة متطورة وبرنامج نووي مدني واسع النطاق)، والتوترات في العلاقات بين تل أبيب وواشنطن حول القضية الفلسطينية ستجعل من الصعب للغاية الحفاظ على اتصالات حساسة واستكشاف حساس من هذا النوع في الوقت نفسه.

وقد حذر وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن “إسرائيل” مؤخرًا من أن الولايات المتحدة ستعارض بشدة التحركات التي تقوض احتمالات قيام دولتين، بما في ذلك توسيع المستوطنات والتحركات نحو الضم وانتهاك الوضع التاريخي الراهن في الأماكن المقدسة وهدم المنازل، والترحيل والتحريض.

التحركات “الإسرائيلية” التي من شأنها أن تقوض بشكل واضح التوازن القائم في الساحة الفلسطينية أو في الأماكن المقدسة في القدس، خاصة إذا تم تحديدها على أنها سبب للتصعيد الأمني، ستضر ليس فقط بالعلاقة مع إدارة بايدن والتنسيق معها- بل ستضعف أساس العلاقة المشتركة بين الشعب الأمريكي (بما في ذلك يهود الولايات المتحدة الأمريكية) والإسرائيلي، وهذا بالذات إذا كانت خطوات الحكومة القادمة تعتبر في الولايات المتحدة والغرب انتهاكًا للديمقراطية وسيادة القانون في “إسرائيل”، وعنصرية سوداء تميز ضد التيارات الإصلاحية ومجتمع الشاذين، لقد أثارت البيانات والمنشورات خلال المحادثات لتشكيل الحكومة ردود فعل أولية في “إسرائيل” والعالم، وهي إشارة أو دليل على القادم.

سيؤدي التصعيد في الساحة الفلسطينية أيضًا إلى تسريع الإجراءات الجارية بالفعل ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية (ICC) ومحكمة العدل الدولية (ICJ) في لاهاي، ولا شك أن إسناد صلاحيات الإدارة المدنية إلى حزب سياسي أيديولوجي، يعين المستشارين القانونيين في المناطق ويوفر حصانة للجنود من الملاحقة القضائية، سوف يُنظر إليه في العالم على أنه تسييس لنظام الحكم- الإداري العسكري في الضفة الغربية. لذلك، فإن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تقوض الموقف التقليدي لإسرائيل بأن حكمها العسكري في الضفة الغربية مؤقت، وأن السيطرة المستقبلية على المنطقة سيتم تحديدها في المفاوضات المستقبلية.

هذه التحركات بالتأكيد إذا كانت مصحوبة بإجراءات لإضعاف المحكمة العليا، ستحرم إسرائيل من أكثر خط دفاع فاعلية لديها، والذي بموجبه يكون نظام إنفاذ القانون الإسرائيلي مستقلاً، ويتبع قواعد القانون الدولي ويمكنه أن يقاضي الجيش الإسرائيلي على تصرفاته من تلقاء نفسه، من خلال خط الدفاع هذا تمكنت إسرائيل لسنوات عديدة من صد مطالبة أعدائها في العالم بتطبيق مبدأ “المكملات ” وفرض سلطة قضائية عالمية على أراضيها وجنودها وضباطها.

ما هي التحركات التي يجب تجنبها؟

1 – تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى: في العقد الماضي أثبت المسجد الأقصى أنه ” المفجر النهائي” الذي يربط بين الساحات الحساسة، والتي لدى إسرائيل مصلحة أمنية عميقة في الفصل بينها، في مايو 2021، كان التصعيد في المسجد الأقصى هو السبب في دخول غزة إلى المواجهة، والأسوأ من ذلك امتداده إلى داخل إسرائيل والمدن المختلطة – وهو إنجاز غير مسبوق لحركة حماس، لذا فإن الاختبار الحقيقي الواضح الذي ستواجهه الحكومة في المسجد الأقصى سيبدأ في أبريل، عندما يبدأ شهر رمضان الذي سيتزامن مع عيد الفصح وذكرى المحرقة والنكبة، ويليه يوم القدس، ومع ذلك، قد تتصاعد التوترات في المسجد الأقصى حتى قبل الأعياد والمناسبات المتفجرة.

2- خطوات الضم الفعلي، وتطبيق السيادة وإقامة البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية: مثل هذه التحركات ستضر بمكانة إسرائيل الإقليمية والدولية وعلاقاتها مع حليفتها الوحيدة الولايات المتحدة، وسيصعب أكثر على إسرائيل عملية التطبيع والاندماج في المنطقة وسوف تسرع الحملة القانونية الدولية ضدها، وقد يؤدي التدمير الواسع للمباني الفلسطينية إلى زيادة هذه النتائج السلبية .

3- تغيير في السياسة التي تفصل الجمهور الفلسطيني عن المشاركة في النضال: لم تجر موجة النضال الحالية (مثل تلك التي حدثت في 2015-2016) على المستوى الشعبي، لقد كانت مسلحة ومصدرها الرئيسي هو من شمال الضفة (جنين ونابلس) وهي ليس متواصلة ويومية، إن شروط التصعيد موجودة، وما يمنعه هو العمل المستمر والحازم والمركّز، هذا الاستخدام غير المتوازن للقوة والعقاب الجماعي (الإغلاق والتقليص الحاد في عدد العمال في إسرائيل) والأضرار التي تلحق بالاقتصاد الفلسطيني، كل هذا سيحقق النتيجة المعاكسة وسيوسع في الواقع دوائر المواجهات.

4- التغيير الحاد في انتشار القوات في الضفة الغربية: التحرك الكاسح والسريع لقوات حرس الحدود من الضفة الغربية إلى النقب والجليل سيخلق عبئًا غير عادي على الجيش الإسرائيلي، وسيستلزم نشر قوات احتياط كبيرة في منطقة معرضة للاضطراب، وقد يخلق أيضًا اضطرابات لدى البدو في النقب.

5- التدخل السياسي في الاعتبارات الأمنية للجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية والشرطة: إن المنظومة الأمنية يوجهها نهج الدولة والمصالح الأمنية لدولة إسرائيل، مثل الجيش الإسرائيلي والشاباك في الضفة الغربية، أيضا ً شرطة منطقة سلوان المسؤولة عن البلدة القديمة، تنجح أيضاً في منع التصعيد في المسجد الأقصى طالما أنها تعمل وفقًا لمصالح الأمن والقانون والنظام العام.

التدخل السياسي في اعتبارات الأجهزة الأمنية والإضرار باستقلاليتها وصلاحياتها والتدخل في تسلسل القيادة وإلقاء اللوم على القوات في النتائج هو وصفة لإضعافها والإضرار بعملها والتصعيد في الميدان.

6- فجوات الحوكمة بين المستوطنين في الضفة الغربية: ستؤدي السياسة التي تسمح بتزايد عنف المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين إلى تأجيج المنطقة وتعقيد مهمة قوات الأمن لتوفير الهدوء والأمن الشخصي لجميع سكان الضفة المستوطنين اليهود والعرب.

7- الإضعاف المتعمد للسلطة الفلسطينية: تضعف السلطة الفلسطينية كنظام حكم مقبول وفعال بمرور الوقت، بطريقة تخلق مشكلة متفاقمة في فرض النظام وتضر بكفاءة وشرعية أجهزتها الامنية. وهذا يشمل جهودهم لإضعاف حماس ووقف سيطرتها على الضفة الغربية- وهذه مصلحة مشتركة للسلطة الفلسطينية وإسرائيل.

يخلق تفكك السلطة الفلسطينية تهديدًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد لإسرائيل: فغير الحاجة إلى ملء الفراغ على المستوى الأمني من خلال انتشار قوات الجيش الإسرائيلي وتفعيلها على نطاق واسع، هناك عواقب على المستوى العملي: فالمسؤولية عن جميع جوانب الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين قد تنتقل تدريجياً إلى إسرائيل مع ضعف حكم السلطة الفلسطينية، وفي الوقت نفسه سيتم تقليل المساعدات المالية الدولية المقدمة حاليًا للسلطة الفلسطينية، وسيقع عبء تمويل حياة الفلسطينيين على عاتق دافع الضرائب الإسرائيلي.

حتى على المستوى المفاهيمي، من المتوقع أن يؤدي توسيع السيطرة الإسرائيلية إلى درجة الضم الفعلي إلى إنهاء مبدأ الدولتين وتعزيز فكرة الدولة الواحدة، التي تتحدى جوهر “إسرائيل” كدولة يهودية ديمقراطية وعادلة.

في الختام، يتجه النظام الفلسطيني حاليًا نحو التصعيد لعدة أسباب، واستقراره ومنع التصعيد هي المهمة الأولى للحكومة القادمة.

وقد تعيق بعض التحركات، ناهيك عن محفزات أو مسرعات التصعيد، “إسرائيل” من كبح التهديدات الأمنية الاستراتيجية الأخرى وهي في مرحلة حرجة من تشكلها، وعلى رأسها تقدم إيران نحو القدرات النووية.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي