إستراتيجية إدارة بايدن للأمن القومي: الصين والتكنولوجيا في بؤرة الاهتمام

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي/ يوحاي جويسكي

نشر البيت الأبيض والبنتاغون في أكتوبر الماضي الوثائق التأسيسية لإستراتيجية إدارة بايدن للأمن القومي، وتصدرت المنافسة متعددة الأبعاد مع الصين وأهمية تحقيق التفوق التكنولوجي قائمة الأولويات.

وتشير الإستراتيجية إلى أزمة المناخ كهدف رئيسي للتعاون العالمي، وأنه يجب احتواء التهديد الروسي وتقليصه، بينما تتناقص أهمية الشرق الأوسط ويزداد تراجعها في أولويات الإدارة.

هذا المقال يسلط الضوء على انعكاسات إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة وكيفية تأثيرها على “إسرائيل”.

نشرت الحكومة الأمريكية في أكتوبر 2022 نسختين غير سريتين من وثيقتين أساسيتين، تعرضان نهجها في مواجهة تحديات الأمن القومي الأمريكي في العصر الحالي، وتضمنت الوثيقتان: إستراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض، وإستراتيجية الدفاع الوطني التي نشرتها وزارة الدفاع.

 دفعت الحرب في أوكرانيا الإدارة الأمريكية إلى إجراء تغييرات على إستراتيجيتها وتأجيل نشرها العلني حتى أكتوبر، بالإضافة إلى ذلك، نشرت وزارة الدفاع وثيقتين رئيسيتين أخريين تركزتا على مراجعة الوضع النووي ومراجعة الدفاع الصاروخي.

 تعكس إستراتيجية الأمن القومي لإدارة بايدن تطورا في إستراتيجية إدارة ترامب، بمعنى زيادة التركيز على التعامل مع الصين باعتبارها التحدي الرئيس، إذ يوصف هذا التحدي بأنه منافسة بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية لتشكيل النظام العالمي، ويؤسس النصر المنشود في المنافسة مع الصين لتعزيز المصادر المحلية للقوة والحصانة، مع التركيز على الحفاظ على التصدر التكنولوجي وتوسيع قدرات الإنتاج، وكذلك على تأسيس نسيج قدرات الولايات المتحدة والشراكات مع الدول الديمقراطية ليشمل “الردع التكاملي” ضد الخصوم.

وتجدر الإشارة باهتمام إلى مواصلة الإدارة سعيها لتقليل وجودها في الشرق الأوسط، وبالتالي تزايد احتمالية الدور الصيني المتنامي في هذه المنطقة والتوتر بين واشنطن وشركائها فيما يتعلق بقضية الصين.

يأتي ذلك بينما قد تشكل سياسة الإدارة أساسًا لمزيد من التعاون التكنولوجي مع “إسرائيل”، وفي الوقت ذاته ارتفاع حدة التوتر بينهما بشأن الصين.

تستند الإستراتيجية الأمريكية إلى تحديد العقد القادم باعتباره حاسمًا لمجموعة واسعة من التطورات الإستراتيجية التي ستشكل الواقع العالمي في القرن المقبل، وفي المقام الأول صعود الصين والتعامل مع أزمة المناخ.

وتعكس الوثائق نفسها استمرارية واضحة بين نهج إدارة بايدن وإدارة ترامب، والتي قادت بالفعل الولايات المتحدة إلى تبني نهج المنافسة بين القوى مع وضع الصين في مركز التحدي الإستراتيجي والأمني جنبًا إلى جنب مع تقليل الانتباه إلى التحديات الأخرى وتقليل استثمار الموارد فيها (مع التركيز على الشرق الأوسط)، كما أكد أهمية تسخير الحلفاء والشركاء لمواجهة التحديات في مناطقهم، مع التركيز بشكل كبير على البعد التكنولوجي للمنافسة، خاصة مع الصين.

في السياق الأوسع، تؤكد إدارة بايدن أهمية المنافسة الأيديولوجية باعتبارها جانبًا مركزيًا يضع الولايات المتحدة كزعيمة الصراع بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية، التي تسعى جاهدة لتغيير قواعد السلوك في الساحة الدولية، وفي المقام الأول الصين.

لذلك دُمج تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان ومبادئ العدل والمساواة في وثائق الإستراتيجية إلى جانب التأكيد على سلب قدرة الأنظمة غير الديمقراطية على الاستفادة من التطورات في المجال التكنولوجي من أجل إحكام قبضتها على الجمهور.

تطرح إستراتيجية الأمن القومي عددًا من التحديات الرئيسية التي يجب على الولايات المتحدة مواجهتها:

 1- الصين باعتبارها التحدي الأساسي للولايات المتحدة نظرًا لكونها الخصم الذي يتمتع بالإرادة والقدرات (اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا وتقنيًا).

2- تم تقليص أهمية التهديد الروسي مقارنة بعام 2017، وهو الآن ليس ضمن الأولويات كتهديد الصين، ولكنه يُعرَّف بأنه “تهديد حاد وعاجل” يجب التعامل معه واحتواؤه.

 3- تتم مناقشة التحديات العالمية، وعلى رأسها الاحتباس الحراري والأوبئة، على نطاق واسع وتتزايد أهميتها.

 4- الاستثمار في مصادر قوة الولايات المتحدة من الداخل (Investing in Our National Power to Maintain a Competitive Edge) (الاستثمار في قوتنا الوطنية للحفاظ على ميزة تنافسية).

 5- تعزيز الديمقراطية في الولايات المتحدة ولدى حلفائها الذين يشاركونها قيمها.

تستخدم إستراتيجية الدفاع الوطني عدة مفاهيم جديدة (لم يتم توضيحها بالكامل):

 1- “الردع المتكامل” (integrated deterrence): بنية تحتية مفاهيمية لربط جميع مصادر قوة الولايات المتحدة، وعلى رأسها الدبلوماسية في نسيج سلس من النشاط في جميع الأبعاد والساحات والأماكن، وبالتعاون مع الحلفاء والشركاء، عبر حرمان الخصم من الإنجازات، ورفع أثمان النشاط العدواني، وتقليل استفادة أعداء الولايات المتحدة من العدوان، وتعزيز صمود الأنظمة والكيانات المهددة.

2- “إدارة المعارك” (الحملات): بموجبها يلزم دمج مجموعة واسعة من الأدوات وتفعيلها دون عتبة استخدام القوة العسكرية مع استخدام القوة، حتى المواجهة مع الخصوم العاملين في هذه المنطقة أنفسهم (Grey zone operations).

3- “بناء مزايا دائمة” (Building enduring advantages): تهدف إلى تعزيز التميز النوعي والتكنولوجي (والكمية) المستمرة للولايات المتحدة فيما يتعلق بمنافسيها المختلفين، من خلال تسريع عمليات بناء الطاقة، وتطوير تقنيات وأدوات جديدة وتنفيذها.

4- “الحصانة”: تؤكد وثائق الأمن القومي بشكل خاص تطوير حصانة الولايات المتحدة وتعزيزها كمرتكز ضد جميع تحديات المستقبل (في الصراع بين الديمقراطيات والديكتاتوريات)، والاقتصاد (سلاسل الإنتاج والإمداد المحلية)، وفي التعامل مع التحديات السيبرانية، وفي حصانة الأنظمة العسكرية ضد التشويش والتعطيل من الأعداء الذين يستخدمون أساليب مختلفة من أجل منع الوصول والسيطرة على المنطقة (Anti access / Area denial) بالوسائل التقنية المتقدمة.

كما تؤكد الوثائق أهمية الردع النووي كأساس لمصداقية الردع الأمريكي في جميع أنحاء العالم، وأهمية تحديث الأسلحة النووية في الولايات المتحدة.

فيما يتعلق بالشرق الأوسط، هناك انخفاض كبير في أهميته في أولويات الإدارة، فلا يزال يُنظر إلى المنطقة على أنها مصدر رئيسي للـ”إرهاب”، ولكن بنطاق وكثافة أقل بكثير من ذي قبل، ومعالجة هذا التحدي حسب رؤية الولايات المتحدة يجب أن تُدار من شركائها في المنطقة، بمساعدة أمريكية محدودة.

توضح الإدارة الأمريكية أنها تنوي التحدث مع دول المنطقة بشروطها؛ ما يعني ضمنيًا إيران وربما المملكة العربية السعودية أيضًا، وهي تضع خمسة مكونات لسياستها، وهي:

  • تعزيز الشراكات مع الدول التي تدعم النظام العالمي الحالي.
  • منع قدرة الجهات الفاعلة الإقليمية أو العالمية على تعطيل حرية الحركة البحرية في المنطقة (بما في ذلك مضيق هرمز وباب المندب) أو السيطرة على أراضي في المنطقة من خلال التهديدات وبناء القوة وممارستها.
  • الحد من النزاعات في المنطقة باستخدام الدبلوماسية قدر الإمكان.
  • تعزيز تكامل دول المنطقة من خلال شراكات في مجال الدفاع الجوي والبحري.
  • تعزيز حقوق الإنسان.

 تم ذكر “إسرائيل” نفسها كشريك في المنتدى الذي تتشارك فيه الولايات المتحدة والهند والإمارات العربية المتحدة (I2U2)، وكجهة فاعلة يعتبر اندماجها في المنطقة أمرًا مهمًا لتعزيز “حل الدولتين” بالنسبة “للصراع الإسرائيلي الفلسطيني”.

وأشير إلى إيران كجهة فاعلة ذات سياسة “عنيفة وقهرية في بيئتها” (على غرار روسيا وكوريا الشمالية)، والتي ستعمل الولايات المتحدة ضدها وتساعد دول المنطقة على بناء القدرة على التعامل معها.

في السياق النووي، توضح الإدارة الأمريكية أنها “ستستخدم الدبلوماسية للتأكد من أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية، لكنها ستعمل على إعداد خيارات أخرى” في حالة فشل الدبلوماسية.

تدهور مكانة الشرق الأوسط في الأولويات الأمريكية إلى الدرجة الرابعة يعكس انخفاض قيمة المصالح الأمريكية فيه والتعب الدائم منه، إذ أصبح من الممكن الآن رؤية لاعبين آخرين لديهم مصالح كبيرة فيه، وعلى رأسهم الصين وروسيا اللتان توسعان نفوذهما فيه.

بالنسبة لـ”إسرائيل”:

 1- الصين هي محور الإستراتيجية الأمريكية، وستواصل ملء أجزاء كثيرة من إستراتيجية الإدارة، بما في ذلك تجاه “إسرائيل”.

 2- تواصل الإدارة الأمريكية السعي إلى تأسيس نسيج أمني إقليمي يمكنه التعامل مع مشاكل المنطقة بدعم أميركي من الخلف.

 3-في ظل عدم وجود رد أمريكي حقيقي على الصين، وفي ظل تنامي مصالح بكين في المنطقة، فمن المرجح أنها ستستمر في توسيع وجودها في المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا وأمنًيا بدرجة متزايدة أيضًا.

 4- من العناصر التي تم تأكيدها في إستراتيجية إدارة بايدن: الحفاظ على حقوق الإنسان ومعارضة أدوات الرقابة الحكومية الواسعة.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى