“المجتمع الإسرائيلي” في مرآة نتائج انتخابات 2022

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي / أوري فيرتمان ومئير إلران

ما الذي يمكن تعلمه عن “المجتمع الإسرائيلي” من نتائج الانتخابات وما التحديات المتوقعة مع تشكيل الحكومة؟

نتائج انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين، حتى قبل تشكيل الحكومة، تخلق أساسًا للتوقع باستقرار الحكومة، والتي وصفت بأنها ذات أهمية كبيرة للتخطيط طويل المدى والإدارة الذكية للقضايا المصيرية والمهمة في مجال الأمن القومي. السؤال الرئيسي في هذا السياق هو التأثير المستقبلي للصهيونية الدينية وعوتسماه يهوديت على الجو العام وعلى القرارات التي يجب اتخاذها بشأن القضايا الحساسة، بما في ذلك تلك المتعلقة بـ”الصراع الإسرائيلي الفلسطيني” والعلاقات اليهودية العربية في “إسرائيل”، مع التركيز على المناطق المتفجرة مثل الأماكن المقدسة في مدينة القدس، وهذه لها تأثير فوري على الأمن القومي. أبعد من ذلك هناك أسئلة أساسية تتعلق بمعاني وممارسات “إسرائيل” لهويتها كدولة يهودية وديمقراطية، هذا على خلفية الاستقطاب المتزايد في “المجتمع الإسرائيلي” والأغلبية الواضحة من ناخبي اليمين فيه، سيؤثر سلوك الحكومة الجديدة وهي حكومة يمينية بشكل واضح بشكل كبير على المناخ السياسي في “إسرائيل” والانقسامات داخلها، كل ذلك له عواقب مهمة على الحصانة الاجتماعية لــ”إسرائيل” ومكانتها الدولية.

انتهت انتخابات 2022 بحسم واضح لصالح كتلة اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو، نتيجة لذلك من المتوقع أن تخرج “إسرائيل” من الأزمة السياسية التي علقت فيها في السنوات الثلاث والنصف الماضية، والتي أجريت خلالها خمس انتخابات، إن فحص معطيات التصويت في هذه الانتخابات بحسب القطاعات ومن منظور طويل الأمد، يقدم صورة شاملة وديناميكية تعكس التغيرات التي حدثت في “المجتمع الإسرائيلي”:

  • معدل التصويت – ارتفع معدل التصويت في انتخابات 2022 مقارنة بانتخابات 2021، من 67.4 % إلى 70.6 %، لكن مقارنة بانتخابات 1973-1999، حيث كان متوسط معدل التصويت 78.8 %، لا يزال الإقبال على التصويت غير مرتفع بشكل خاص.
  • في انتخابات 2022، توجه ناخبو اليمين إلى صناديق الاقتراع بمعدلات أعلى مما كانت عليه في انتخابات 2021، ما أدى إلى تعزيز الكتلة التي يتزعمها بنيامين نتنياهو، يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في زيادة نسب التصويت في المدن التي تؤيد تقليديًا اليمين، (عسقلان – 2 %، بئر السبع – 4.6٪، ديمونا – 6.9%)، في المقابل، حافظ ناخبو يسار الوسط على نسبة إقبال مماثلة لتلك المسجلة في انتخابات 2021 (تل أبيب – 0.4%، جفعتايم – 0.3%، وهرتسيليا – 0.3%). مرة أخرى أُثبت وبقوة أكبر، أن اليمين بمكوناته المختلفة يشكل الأغلبية في “دولة إسرائيل”، هذا مع الأخذ في الاعتبار أيضًا حقيقة أن انتقال حزب “إسرائيل بيتنا” في عام 2019 إلى الكتلة المعارضة خلق صورة مضللة من التعادل بين اليمين واليسار الوسط، يبدو أنه في الانتخابات الأخيرة، حتى لو تجاوزت ميرتس وبلد نسبة الحسم، لكانت الكتلة اليمينية ستفوز بالأغلبية، حتى ولو بنسبة ضئيلة.
  • في الوسط العربي، حيث وصل معدل التصويت في انتخابات عام 2021 إلى أدنى مستوى في تاريخ الانتخابات بلغ 44.6%، وتوقع الكثيرون لها انخفاضًا ملحوظًا آخر ارتفع المعدل هذه المرة إلى 53.2%، ولا تزال هذه نسبة مشاركة أقل مما كانت عليه في انتخابات 2020، حيث وصل المعدل في ذلك الوقت لـ  64.8 %، وهو الأعلى منذ عام 1999، وبذلك ارتفعت القوة النسبية للأحزاب العربية في الانتخابات الأخيرة مقارنة بالانتخابات السابقة، لتصل 10.8% مقابل 8.6%، لكن قوتها النسبية معًا لم تزداد، ويرجع ذلك أساسًا إلى الانقسام بينهما الذي ترك حزب بلد تحت نسبة الحسم.
  • يُلاحظ أيضاً الاتجاه المستمر بين الوسط العربي في التخلي عن الأحزاب الصهيونية، ففي انتخابات 1992، اختار غالبية الناخبين العرب الأحزاب الصهيونية (52.3٪ مقابل 47.7٪)، وحصل حزب العمل حينها على 20.6٪ من أصواتهم، بعد 30 عامًا صوت 14.2 % فقط من العرب للأحزاب الصهيونية (كان معسكر الدولة هو الفائز الأكبر – 3.2 %)، بدأت هذه الظاهرة بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، وقد تشير أيضًا إلى تعزز الهوية الفلسطينية لدى الجمهور العربي.
  • سُجل أيضاً تعزز لقوة أحزاب الحريديم مقارنة بانتخابات 2021، من 12.8% إلى 14.2%، على الرغم من أن شاس ويهدوت هتوراه قد زادت قوتهما في الكنيست مقارنة بالانتخابات السابقة، من 16 إلى 18 مقعدًا، إلا أن قوتهما النسبية ظلت مستقرة عند النظر إلى العقدين الماضيين، بينما في انتخابات عام 1992، كانت القوة النسبية لشاس ويهدوت هتوراة حوالي 8.2% (حينها كانت نسبة التصويت بين عامة الناس أعلى)، إلا أنه في الانتخابات الأخيرة كانت 14.2 %. وتعود هذه الزيادة إلى النمو الديموغرافي في المجتمع المتدين الحريدي وخاصة نمو حزب يهدوت هتوراة الذي زاد من 3.3 % في انتخابات عام 1992 إلى 5.9 % في انتخابات عام 2022، وعلى الرغم من كل هذا، فمنذ عام 2003، ظلت قوة أحزاب المتدينين الحريديم مستقرة إلى حد ما، بمعدل 16-18 مقعدًا في الكنيست.
  • التغيير الأبرز والأهم هو النجاح الواضح لحزب الصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت، بزعامة بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير، الذي حصل على 14 مقعدا – بزيادة 8 مقاعد مقارنة بالانتخابات السابقة. التصويت في المستوطنات ذات الصلة يوضح هذا: معظم المؤيدين الجدد للصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت صوتوا في انتخابات عام 2021 لحزب يمينا بقيادة نفتالي بينت وأيليت شكيد، كما هو واضح في المدن التي حققت فيها الصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت نجاحا كبيرا (بئر السبع – 15.7 %، القدس – 14.2% وعسقلان – 13.3%)، وكذلك في المدن المؤيدة لأحزاب كتلة يسار الوسط. في الصورة العامة، ضعف حزب يمينا / البيت اليهودي بنسبة 5% مقارنة بعام 2021، مقارنة بالصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت التي ضاعفت قوتها بأكثر من الضعف من 5.1% إلى 10.8%. أي أن التعزيز الأساسي للصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت نتج عن اختفاء حزب يمينا، وهؤلاء من ناخبي اليمين الذين يبحثون عن حزب يمينًا أكثر من الليكود حيث وجدوا حزبا واحدا فقط هذه المرة. يُذكر أن هذا حدث أيضًا في الماضي عندما فاز حزب “إسرائيل بيتنا” بقيادة أفيغدور ليبرمان (الذي كان شعاره الانتخابي في ذلك الوقت: ليبرمان وحده يفهم لغة العرب)، بخمسة عشر مقعدًا في انتخابات عام 2009.
  • عند التقسيم إلى ثلاث كتل (يمين وسط – يسار، وعرب )، زادت كتلة اليمين – الحريديم بقيادة نتنياهو من 48.3 % في انتخابات عام 2021 إلى 49.6 % في انتخابات عام 2022، أما كتلة يسار الوسط، مع مكونات جناحها اليميني تراجعت من 41.5٪ إلى 38.3٪، وزادت الكتلة العربية من 8.6٪ إلى 10.8٪.

تداعيات رئيسية:

إن تشكيل حكومة على أساس ائتلاف من 64 عضو كنيست يخلق أساسًا متينًا إلى حد ما لبقائها وبالتالي لاستقرار الحكم، وهذا مهم للتخطيط طويل المدى والإدارة الذكية للقضايا الحاسمة والمصيرية في مجالات “الأمن القومي الإسرائيلي”، من بين أمور أخرى، سيمنع الاستقرار الحكومي وضعًا تُدار فيه الدولة بدون ميزانية، وسيساعد صناع القرار في اتخاذ خطوات مثل توسيع اتفاقيات إبراهام، وربما أيضًا خطوات من شأنها أن تسهم في الفصل السياسي بين “إسرائيل” والفلسطينيين – القضايا التي يوجد حولها إجماع واسع لدى “الجمهور الإسرائيلي”، حتى لو كانت القرارات المحتملة بشأن القضية الفلسطينية قد تثير الجدل داخل الائتلاف الناشئ.

كون أن حزب الصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت – الواقع في الطرف الأيمن من الطيف السياسي، والذي يصفه الكثيرون في “إسرائيل” والعالم على أنه حزب يميني متطرف – مكون رئيس للحكومة الجديدة قد يشكل هذا تحديًا رئيسياً أمام استقرار الائتلاف في مجالين مهمين: التحدي الأول، الخوف من تدهور العلاقات اليهودية – العربية داخل “إسرائيل”، وأيضًا النتائج المحتملة لموقف متساهل تجاه المستوطنين في الضفة الغربية مع تشديد الموقف تجاه الفلسطينيين، في صلب الموضوع سيكون هناك “الموقف الإسرائيلي” من الأماكن المقدسة في مدينة القدس، قد يؤدي هذا إلى تسريع المواجهات في الضفة الغربية والقدس ويؤدي إلى “التطرف والعنف” في الشارع العربي في “إسرائيل”، لدرجة اشتباكات شديدة في المدن المختلطة وخارجها. التحدي الثاني الذي يؤثر أيضًا على الأمن القومي لـ “إسرائيل”، يشمل موقف الإدارة الأمريكية من التداعيات العملية للصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت باعتبارهما مكونًا سياسيًا مهمًا في الائتلاف، هذه منطقة قد تلطخ العلاقات الخاصة مع إدارة بايدن، وكذلك مع الجالية اليهودية في الولايات المتحدة.

في الختام، تشير الصورة المعقدة إلى توتر متوقع بين الاستمرارية الأساسية في “السياسة الإسرائيلية” بشأن القضايا الأساسية في المجال الخارجي، والتغييرات المتوقعة المحتملة في المجال الداخلي، هذا لا سيما في المسائل المتعلقة بالموقف من المجتمع العربي والقضايا المتعلقة بالخلافات حول المعاني العملية لـ “إسرائيل” كدولة يهودية وديمقراطية، هنا من المحتمل أن تحسم درجة تأثير الصهيونية الدينية / عوتسما يهوديت في المستقبل على كل من الجو العام المشحون بالفعل في الفترة الحالية، وعلى السلوك والقرارات بشأن القضايا الحساسة، كل ذلك له عواقب فورية على الأمن القومي الإسرائيلي ومكانة “إسرائيل” الدولية.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى