هليفي رئيساً للأركان.. هل بالإمكان أفضل مما كان؟

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

أولاً: الاستهلال

بناءً على قرار “الحكومة الإسرائيلية” المنتهية ولايتها مؤخراً؛ سيتولى الجنرال “هرتسي هليفي” “مساعد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية” المنتهية ولايته؛ الجنرال “أفيف كوخافي”، سيتولى الأول رئاسة الأركان مع بداية شهر كانون الثاني 2023 ليكون رئيس هيئة الأركان 24 لجيش الكيان المؤقت.

وبدون الخوض في تفاصيل وخلفيات هذا الضابط والمناصب التي مر بها، والقيادات التي تولى مسؤوليتها الأولى، حيث كان قائداً للواء في الضفة الغربية، وقائداً لفرقة في الشمال الفلسطيني، فضلاً عن قيادته للمنطقة الجنوبية، ثم رئيساً للاستخبارات العسكرية، وصولاً إلى أهم منصب في هيكلية الجيش؛ ألا وهو نائب رئيس هيئة الأركان، الأمر الذي يعني في التوصيف الوظيفي أنه مسؤول عن الإشراف على مسار بناء القوات وتطويرها قبل تشغيلها من قبل رئيس الأركان.

كل هذه المناصب والقيادات تنبؤك أن هذا الرجل قد احتك مع أهم الجبهات التي تشكل أكثر التهديدات على هذا الكيان؛ ففي الشمال حزب الله وامتداداته المحلية والإقليمية، وفي الجنوب حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، العدوين اللدودين له ولمنظومته الأمنية والعسكرية، أما ما شغله من رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية والتي تعد المقدِّر الرئيسي للوضع الأمني للكيان؛ فقد أتاح له هذا المنصب الإشراف والمتابعة المعلوماتية القريبة على كل ما يواجه هذا الكيان من تهديدات؛ داخلية وخارجية.

إذاً نحن نتحدث عن جنرال (عتيق) ابن المنظومة، يعرف ما لا يعرفه كثيرون، أو ينظّر له المنظّرون، فإن كان غيره يقرأ ويحلل ويستنتج بناءً على معلومات عامة أو نصف صلبة؛ فهو – هليفي – يقرأ معلومات صافية، ويشاهد حقائق واقعية غير مزينة ولا (مبهرة)، يراها كما هي عارية من كل تجميل، وبعيدة عن كل تضليل.

لذلك فإن المنطق والعقل يحملان على القول أن هذا الجنرال يعرف ما يواجهه من تحديات وما يعترض طريقه من عقبات، وهو مفوض ومسؤولٌ وفقاً لتوصيفه المهني أن يجد لها حلولاً، وأن يجترح لها (المعجزات).
إن هذه المقالة سوف تناقش أهم ما يعترض هذا الجنرال من عقبات وتحديات؛ ولكن ستناقشها مقارنة بما نما وينمو من تحديات وعقبات مصدرها ما طرأ على أعدائه (اقرأ المقاومة) من تطور
، وما حققوه من إنجازات، فقصر الحديث عن العقبات الداخلية دون التطرق للتحديات الخارجية؛ سوف يترك الموقف مبتوراً غير مفهوم، وغير قابل لتوقع المآلات.

المقاومة بالضفة الغربية.. الكيف في مواجهة الكم!!

 

ثانياً: المشاكل والعقبات

كون رئيس الأركان المقبل، شغل منصب نائب لرئيس هيئة الأركان الحالي؛ فإن هذا يعني أنه من أكثر ضباط القيادة معرفة بالمشاكل والعقبات، حيث إنه هو المعني سابقاً في الإشراف على مسار بناء القوات ومراقبة تطورها لذلك فهو يعرف نقاط قوتها وضعفها وما يمكن أن تستغله من فرص وما يقف في وجهها من تهديدات، كما أنه هو المعني بعمل التوليفة المناسبة لمركب الشعب والمجتمع، ليبني منه أفضل ما يمكن من قوات (جيش)، لذلك سنطرح أهم ما يواجه هذا الجنرال من عقبات على صعيد بناء القوات والتي نعتقد أنها كانت سابقاً، وما زالت حاضراً، ولن نغامر إذا قلنا أنها ستبقى مستقبلاً تواجهه هو ومن سيخلفه في هذا المنصب، وهي مشاكل وعقبات بنيوية نشأت كمنتج رئيسي لتطور التهديد (اقرأ المقاومة بمختلف فصائلها الداخلية والخارجية) الذي يواجهه، ومن أهم هذه العقبات ما يتمثل في الآتي:

  1. عقبة الدافعية وتقبل الأكلاف:
    إن من يراقب ويتابع شؤون العدو العسكرية خصوصاً والأمنية عموماً؛ يرى أن قواته تعاني من أزمة في الدافعية القتالية التي تعد من أهم عناصر بناء وتطوير الجاهزية، وشواهد هذا التراجع من الكثرة بمكان بحيث يطول شرحها وسردها، فهي تبرز في حالة عدم الانضباط، والسرقات التي تتم من مخازن الوحدات التشكيلات، وتمنع الجنود عن الخدمة في بعض المواقع، أو تمردهم على الأوامر والتوجيهات، إنها – نقص الدافعية – تبرز عندما تختفي القوات ولا تعود تظهر في جميع خطوط الجبهات عندما تهدِّد المقاومة برد هنا أو رد هناك. كما يمكن مشاهدتها في تقارير مفوض شكاوى القوات، فكثرة شكاوى الضباط وتذمر الأفراد التي ترده؛ دليلٌ على عدم الثقة فيما بين أفراد الجيش بمختلف طبقاته – رأسياً وأفقياً – والثقة بالقائد ورفيق السلاح هي من أهم عوامل بناء الدافعية التي تنعكس سلباً أو إيجاباً على الجاهزية.
  2. عقبة الخدمة الدائمة وهجرة العقول والكفاءات:
    وهذه العقبة من أهم العقبات التي يشكو منها جيش العدو، فجنوده يأبون الخدمة الدائمة الطويلة، وهي التي تصنع الخبرة وتراكم المعرفة، كما أنهم – الجنود – يفضلون الخدمة في الوحدات (الناعمة) والأقل خطورة والتي تكسبهم خبرات مهنية يستثمرونها في الحياة المدنية لاحقاً، كوحدات السايبر، والحرب الإلكترونية، وغيرها من الوحدات والتشكيلات الخدمية، وهذه الوحدات على أهميتها؛ لا تحسم حرباً ولا تصنع مقاتلاً مركز ثقل عدوه القتالي يتمثل في الجندي المقاتل الذي يحتك به ميدانياً ويشتبك معه جسدياً.
  3. عقبة الاحتياط:
    نعلم أن هذا الكيان إنما هو جيش له (دولة) فكل مواطنيه تحت السلاح، يستدعون عند الحاجة للخدمة في جميع المرافق والمؤسسات العسكرية الصرفة، أو تلك التي تؤمن الدعم والإسناد الناري أو الإداري لهذا الجيش، كما أننا نعلم أن هذه القوات العاملة لدى هذا العدو لا تستطيع العمل على أكثر من جبهة أو التعامل مع أكثر من تهديد حقيقي لمدى يزيد عن اثنتين وسبعين ساعة إلى حين دعوة الاحتياط، وهنا لب المشكلة، فنسبة تلبية الاحتياط نسبة متدنية جداً، فضلاً عن أن الكفاءة القتالية لهذه القوات منخفضة كنتيجة رئيسية لعدم خضوعها لأيام تدريب مناسبة تكسبها الخبرة وتحفظ لها الكفاءة، وفي هذا المجال يطول الحديث ويتشعب.
  4. عقبة الدمج بين القوات (تشابك الأذرع):
    إن القدرات القتالية التي تمتلكها الدول والحركات، مالم تعمل أثناء القتال كمنظومة نار واحدة تُصب على هدف واحد لتحقيق غاية واحدة؛ ما لم تكن كذلك فإنها لا تعدو كونها قدرات نارية، لا يمكن أن تولد الطاقة المطلوبة لتحقيق الأهداف بأسرع الأوقات وأقل التكاليف، والملاحظ هنا هو أن جيش العدو وبناءً على مراقبة معظم مناوراته التي يجريها، يواجه مشكلة غير هينة في الدمج بين هذه القوات، إنه يعاني في التنسيق وتوحيد النار مع المناورة، رأينا هذا في حرب تموز 2006 و حروب العدو على غزة منذ 2008 وحتى 2014، هناك فجوة هائلة بين النار والمناورة، فكثافة وفتك الأولى لا يخدم حركية الثانية، لذلك لا تُحسم ولم تحسم معارك العدو من بعد تموز 2006 وحتى الآن لصالحه؛ وإن دمرت أو قتلت، فلا خير وفائدة من نار لا تخدم مناورة.
  5. عقبة سلاح المشاة وفقدان الخبرة القتالية الحقيقية:
    لقد تحدثتْ تقارير لجان التحقيق التي أعقبت حرب تموز 2006 عن أن ما كانت تمارسه قطاعات الجيش في الضفة الغربية خصوصاً، وفلسطين عموماً من مطاردة للمنتفضين وفض اشتباكات المتظاهرين، والاقتحام اليومي لقرانا وبلداتنا، حوّلها من قوات جيش مطلوب منها التعامل مع التهديدات الحقيقية الوجودية التي تواجهه، حوّلها إلى قوات شرطة أو مكافحة شغب، ما انعكس على قدراتها وجاهزيتها وكفاءة مقاتليها، لكن المفارقة أن هذه الملاحظة في ذاك الحين؛ لم تنعكس إيجاباً على تشغيل هذه القدرات لاحقاً، بحيث تتفرغ لبناء ذاتها وتطوير قدراتها لحين المعارك والحروب الحقيقية، وما زلنا نشاهدها تمارس نفس الفعل – الأمن الجاري – حتى اليوم، وهذه القوات، قوات مشاة يفترض فيها أن تحسم المعارك، وتجني ما تزرعه نيران المدافع والطائرات، وتراكم من خلال ذلك الخبرات وتبني الكفاءات، ما يعني أن أصل القوات التي سيقع عليها عاتق المناورة البرية التي تحسم المعارك، لديها مشكلة حقيقية في تنفيذ ما سيطلب منها مستقبلاً – في حال طُلب أصلا – من كسر الحدود، وتخطي الحواجز والتوغل براً؛ شمالاً أو جنوباً.
  6. العقبات اللوجستية والإدارية:
    أما عن العقبات اللوجستية والإدارية، فحدث ولا حرج، وتكفي هنا شهادة قائد الذراع اللوجستي لجيش العدو، أو ما يعرف اصطلاحاً بضابط اللوجست الأول الجنرال ” رونان كوهين ” عندما قال ما مضمونه ” أننا في أي معركة قادمة مع غزة أو حزب الله في لبنان لن نسير على الطرق الرئيسية في البلد، بل سنسلك طرقاً موازية لهذه الطرق “في إشارة واضحة إلى انعدام الأمن على هذه الطرق التي تعد بمثابة الشرايين والأوردة التي تحمل الغذاء والأكسجين – الإمداد بمختلف أنواعه – النقي لخلايا هذه المؤسسة المنتشرة في طول البلاد وعرضها، فكيف سيصبح وضع هذه القوات إن قطع هذا الإمداد أو تأخر؟ أما ما قاله الجنرال “بريك” عن حالة مستودعات الجيش وما فيها من (خردة) فحدث ولا حرج، ونختم بما تقوله أمهات الجنود من أنهن يرسلن مع أبنائهن وجبات الطعام إلى معسكراتهم، كون ما يقدم لهم في قواعدهم من غذاء لا يصلح للاستهلاك البشري!!

ثالثاً: التحديات

أما عن التحديات التي نشأت عنها تلك العقبات؛ فإنها تحديات مصدرها تطور التهديد وقدرات المقاومة، وهي تحديات ما فتئت تتزايد وتتعاظم حتى وصلت إلى المستوى الذي جعل جيش العدو يتحاشى التصادم معها – حركات المقاومة – في قتال حقيقي، تشتبك فيه القوات على الأرض، ولا تمارس فيه العمليات العسكرية عبر (الملاقط)، فالحرب تحسم براً ولا يمكن أن تنجز جواً أو بحراً، وهنا الأرض هي حاضنة أم هذه التحديات، والتي منها وعلى رأسها التالي:

  1. تعاظم قدرات المقاومة:
    فلا المقاومة في لبنان هي المقاومة التي كانت عليه في تموز 2006، لا شكلاً ولا مضموناً، ولا المقاومة في فلسطين هي هي ما كانته في 2008 وما تلاها، ولا وعي أهلنا في مناطق 48 هو هو؛ فقد أصبح العدو يحسب لهم ألف حساب، ويدخلهم في حساباته، كيف لا وقد رآهم يخرجون مدناً وقرىً عن سيطرته في معركة ” سيف القدس “، وفي السياق فإن الامتدادات الإقليمية لهذه الحركات لم تعد كما هي، فكل يبحث له عن دورٍ في معركة “وعد الآخرة” من صنعاء في اليمن وصولاً إلى الجولان السوري، ومروراً بالعراق، وما تكتنزه مصر والأردن من قدرات وطاقات تبحث عمن يستثمر فيها، ويحدد لها المهمات والواجبات. هذا تعاظم للقدرات يراه العدو ويشاهده ولا يجد له حلاً حقيقياً جذرياً يسقطه من قائمة التهديدات والتحديات.
  2. تراكم الخبرات العملياتية:
    أما عن تراكم الخبرات لدى فصائل المقاومة في فلسطين وخارجها، فحدث لا حرج، فشتان شتان بين من خاض حروباً حقيقية، واحتك بعده باشتباكات أرضية؛ شتان بينه وبين من لا يزال يناور في تمارين افتراضية ومناورات مع قوات تعد (أهلية في محلية)، إن من خَبِر أزيز الرصاص الحقيقي على جلده، وقَرَع صوت المدافع والقذائف في حرب حقيقة طبلة أذنه، إن من خَبِر هذه المواقف؛ راكم معه من الخبرات ما لم ولن يراكمه من ناور وتدرب سنوات وسنوات، في مشاريع تدريب وهميات، لقد استطاعت فصائل المقاومة أن تراكم خبرات لا يستهان بها في كيفية توحيد الجهود على الهدف، كيف تصنع من مختلف أنواع وسائطها القتالية منظومة نار فتاكة، لا يملك العدو لها دواء، ولا يرجى لما تحققه فيه من جروح وإصابات شفاء.
  3. قرار تشغيل القدرات:
    وما هو أهم من القدرات والخبرات؛ قرار تشغيلها، والاستفادة منها عند الملمات، لقد راكمت فصائل المقاومة كلها من القدرات البشرية والمادية ما هو معدٌ للتصدي والتحدي الحقيقي لأي عدوان، ولم تجمعها من أجل الاستعراضات ولا الاحتفالات، وقرار التشغيل هنا حاضر، وتحمل أكلافه وما ينتج عنه من مخاطر أيضاً حاضر، وليست هناك سلسلة طويلة من البيروقراطيات التي يجب أن يقطعها الأمر أو القرار ليصل إلى جهات التنفيذ، إنه أقصر من المسافة بين الفم والأذن! إنه مختصر بشكل بسيط جداً يعلمه الجميع، فإن فتح العدو النار؛ فردوا عليه بما يحيل ليله نهار، والسلام.
  4. قدرة على تحمل الأكلاف وقبول المخاطرات:
    فنحن مجتمعات لم تتربى على رغد العيش، فحياتنا في كل أوجهها صراع في صراع، وتسهيلات الحياة لا تعني لكثير منا شيئاً، فضلا عن أن يعرفها بعضهم، فإن أوجعنا العدو بضربة هنا أو قصف هناك؛ أوجعناه أضعافاً مضاعفة وبقدر أقل بكثير مما استخدم هو لإيلامنا، إنه عدو جاء بحثاً عن لبن وعسل، ولم يأتي لتلقي الضربات، ولتثور في وجهه المتفجرات، فإن كانت طاقته على التحمل تسعفه لفترة بسيطة يتمكن معها من الخروج من حيث أتى، فإن لدينا طاقة تحمل من لا يجد له غير هذه الأرض أرضاً وغير هذه السماء سماءً، وشتان شتان بين الطاقتين.
  5. اتساع رقعة المواجهات وتشابك الساحات:
    فلم يعد عدو هذا المحتل الغاصب محصوراً في غزة أو الضفة الغربية، فقد امتد حتى وصل صنعاء جنوباً، وإيران شرقاً، وما بين هذه الجغرافيات من جغرافيات، فمصر الشعب لها دور تنتظره وتبحث عنه، وأهلنا في الخليج لم ولن يقصروا إن دعا الداعي، أما عن الأردن وعشائرها فهم يعدون أنفسهم أصحاب الدم وأهل الثأر، وأهلنا في سوريا ولبنان لم يمتحنوا يوماً بأمر يخص فلسطين إلا وخرجوا بيض الوجوه مرفوعي الرؤوس، وهنا يأتي دور أصحاب الأرض وأهل الدم (اقرأ فصائل المقاومة الفلسطينية وشعبها) ليحددوا لكل منهم دوره، قبل الغارة، ف- (العليق) عندها لا ينفع.

رابعاً: الخلاصة

نختم بخلاصة مختصره تقول: إن هذا الجنرال القادم، سيواجه ما واجهه مَن قبله، وس- (يغرّز) فيما (غَرّز) به من قبله، وسَيورِث مثل ما ورِث من عقبات وتحديات، إن لم يكن أكبر وأكثر، ولن تتركه فصائل المقاومة ليهنأ بسني ولايته الأربع، ولن تنم له المقاومة حتى لو كان نملة.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى