نحو الصمود: الفلسطينيون بعد انتخابات الكنيست الـ 25

ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي/ يوحنان تسوريف وعلي الأعور

المقال يعبر عن رأي كاتبيه

نتائج انتخابات الكنيست لم تفاجئ الفلسطينيين، على العكس من ذلك – لقد عززت ما عرفوه منذ فترة طويلة ” الأمور تتجه نحو اليمين، وفكرة الدولتين تستمر في الابتعاد”، والآن فإن أي خطوة تتخذها الحكومة الجديدة ويفسرها الفلسطينيون على أنها انتهاك لطموحهم في الاستقلال الوطني قد تدفع نحو التعاون بين الأطراف المتخاصمة هناك وحتى نحو الوحدة الوطنية. قد يكون نضالهم في مثل هذه الحالة أكثر اتحادًا وجماعيا. إذاً كيف يجب أن تتصرف الحكومة المستقبلية؟

لم تفاجئ نتائج انتخابات “الكنيست الإسرائيلي” الفلسطينيين، الذين أدركوا التغييرات التي طرأت منذ أكثر من عقد على موقف “المجتمع الإسرائيلي” من القضية الفلسطينية وخاصة التأييد المتزايد للأحزاب المعارضة للتسوية السياسية، على هذه الخلفية ازداد تناولهم لقضية الفائدة من الاستمرار في الاستناد على عملية نشأت من التوقيع على اتفاقيات أوسلو.

في الوقت نفسه تم الكشف عن الفخ الذي وقعوا فيه: إن إنشاء السلطة الفلسطينية بحد ذاته إنجاز وطني يجب الحفاظ عليه، لكن هذا الإنجاز لا يقرب من الاستقلال السياسي الفلسطيني، ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية رغم الانتقادات الموجهة إليها وإلى زعيمها محمود عباس، يُنظر إليها على أنها الوسيلة الأكثر فاعلية في النضال السياسي والدولي ضد “الحكومة الإسرائيلية” إذا ما شددت الأخيرة من سياستها تجاه الفلسطينيين.

إن اقتراح السلطة بطلب وجهة نظر من محكمة العدل الدولية بشأن وضع الضفة الغربية والذي تم قبوله في الأمم المتحدة، يشهد على ذلك. وفي الوقت نفسه فإن النضال والاحتجاج الفلسطيني في الساحة المحلية قد يتصاعد ويأخذ طابعا مناطقياً وبُعدا جماهيرياً، إلى جانب زيادة التعاون بين الأطراف المتخاصمة وكون أن هذا هو الحال يجب على الحكومة التي سيتم تشكيلها دراسة خطواتها بعناية وصياغة الأولويات وإيصال رسالة مطمئنة للفلسطينيين.

لم تفاجئ نتائج انتخابات الكنيست الخامس والعشرين الفلسطينيين، وباعتبارهم من المتابعين بشكل مستمر للأحداث في “إسرائيل” فقد لاحظوا التغيير الذي يحدث منذ أكثر من عقد على موقف “المجتمع الإسرائيلي” من القضية الفلسطينية والزيادة المستمرة في قوة الأحزاب المعارضة للتسوية السياسية، وعززت النتائج بالفعل تقييمات كانت تتشكل في هذه السنوات لدى العديد من الفلسطينيين، والتي بموجبها: أن إسرائيل لن تعترف أبدًا بالفلسطينيين كشعب وحقهم في تقرير المصير. وأن إسرائيل ترفض حل الدولتين وفي أفضل الأحوال ستوافق على توسيع نطاق الحكم الذاتي الفلسطيني، وأنها ستستمر في إقامة المستوطنات في الضفة الغربية ولن تُخلي البؤر الاستيطانية في المنطقة، وأن التنسيق الأمني هو الأهم بالنسبة لــ”إسرائيل” وليس التسوية السياسية، وأن “القوى الإسرائيلية” التي تسعى إلى تأسيس العلاقات على أساس التعايش والسلام قد أصابها الوهن الشديد ويتزايد خطر الانتقال من الصراع القومي إلى الصراع الديني.

التقارير المسربة من مفاوضات الائتلاف في “إسرائيل”، والتي بموجبها يطالب حزب الصهيونية الدينية بنقل السيطرة على الإدارة المدنية إليه، وإلغاء قانون الانفصال، وتسويغ بؤر استيطانية وضم مستوطنات، لكنها تعزز الدعوات للمصالحة ووحدة الصف. يتم تفسير هذه المطالب على أنها محاولة لتهويد الضفة الغربية والقضاء نهائيًا على فكرة الدولتين، والتي معظم أعضاء “الحكومة الإسرائيلية” الجديدة، هكذا في رأي معظم الفلسطينيين، لا يؤمنون بها والسلطة الفلسطينية في نظرهم مصدر إزعاج يجب إزاحتها عن الطريق.

ومع ذلك، يبدو أن نتائج “الانتخابات الإسرائيلية” على وجه التحديد والخوف من أن تسد الحكومة الجديدة الطريق أمام الإنجازات السياسية للفلسطينيين حتى الآن، هي ما يطمئن السلطة الفلسطينية قليلا – التي تثبت صمودها وبقائها حتى في مواجهة نزع الشرعية عنها والانتقادات غير المسبوقة تجاه سياساتها وأدائها على الساحة الداخلية.

حتى المتحدثون المعارضون يعترفون بالحاجة وهو أمر لا مفر منه في الواقع، للاتفاق أو التعاون معها، وفي ضوء نتائج الانتخابات، بدأ محمود عباس أيضًا في الحديث لصالح المصالحة الوطنية، واجتمع عزام الأحمد ممثل فتح في محادثات المصالحة، في لبنان في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) مع مسؤول حماس البارز موسى أبو مرزوق.

اقتراح السلطة الفلسطينية باللجوء إلى محكمة العدل الدولية من أجل تحديد ما إذا كانت السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية ترقى إلى مستوى الضم، الذي أيدته الأمم المتحدة، لقي العديد من ردود الفعل الإيجابية حتى من قبل حماس، وكذلك إعلان مكتب التحقيقات الفدرالي عن فتح تحقيق في وفاة الصحفية شيرين أبو عاقلة كما يعود الفضل للسلطة الفلسطينية في قرار اللجنة الثالثة للأمم المتحدة الذي ينص على أن للفلسطينيين الحق في تقرير المصير.

في الخطاب الداخلي الذي يتطور بعد الانتخابات، يتزايد الانشغال بمسألة الفائدة من استمرار الاعتماد على الخيار السياسي كمخطط رئيسي لتحقيق الاستقلال الفلسطيني وتتزايد الأصوات المطالبة بالتخلي عن الالتزام باتفاقات أوسلو والاستجابة للمطالبة الشعبية بالمصالحة الوطنية بين المنظمات.

صحيح أنه لا يمكن في هذه المرحلة ترجمة الخطاب الحر والصاخب بشأن الحلول والسيناريوهات التي قد تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية إلى إجماع عملي، ولكن بالنظر إلى هذا الخطاب ومحاولات زعزعة استقرار السلطة الفلسطينية من قبل المنظمات الإسلامية المعارضة والمنظمات المحلية المسلحة في الضفة الغربية، تبرز السلطة الفلسطينية كهيئة لديها القدرة على التعامل بفعالية مع التحديات السياسية والدولية التي قد تفرضها الحكومة الجديدة على الفلسطينيين.

إن دراسة ثلاث عمليات يمر بها الفلسطينيون على مدى الثلاثين عامًا الماضية قد تشير إلى كيف يمكن أن يواجهوا التحديات التي ستفرضها “الحكومة الإسرائيلية” الجديدة عليهم.

بدأ التسليم مع وجود “إسرائيل” في المنطقة يتخذ تعبيراً عملياً مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، والتي عبرت في الواقع عن اعتراف بضعف القوة الفلسطينية والاستعداد للعيش بشكل مستقل إلى جانب “إسرائيل” وليس في مكانها، بعد 29 عامًا من ذلك في عام 2017، جاء دور حماس أيضًا لتعترف بمحدودية قوتها وقبلت مبدأ الدولة الفلسطينية على طول خطوط 67، ولكن دون اعتراف وسلام مع “إسرائيل”، مع مطالبتها بالإجماع في هذا الأمر.

الانتقال من عصر الثورة إلى بناء المؤسسات: ياسر عرفات الذي سبق عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية، واصل روح الثورة بعد توقيع اتفاقيات أوسلو وألحق أضراراً جسيمة بالنهوض بالتسوية مع “إسرائيل”، وعارض عباس، بصفته نائبه سياساته بشدة، وصحب انتخابه للرئاسة عام 2005 شفافية كبيرة وإعلان صريح للسياسة التي ينوي اتباعها، والتي عبرت عن الالتزام الكامل باتفاقيات أوسلو والاستعداد لتطبيقها وفق نصوصها وصياغتها، في عهد عباس ومن بين أمور أخرى بفضل سلام فياض الذي شغل منصب رئيس الوزراء خلال السنوات السبع الأولى من رئاسته تم بناء النظام الفلسطيني على أسس مؤسساتية و أكثر كفاءة من تلك التي أدارها عرفات كنظامغير هرمي دون تقسيم واضح للوظائف والسلطات.

القبول بالسيادة الدولية: تعتبر اتفاقيات أوسلو أهم إنجاز للفلسطينيين منذ أن بدأوا نضالهم ضد الوجود اليهودي في المنطقة، هذا الإنجاز هو إلى حد كبير نتيجة التزام منظمة التحرير الفلسطينية بقواعد اللعبة والقرارات الدولية التي تم رفضها حتى ذلك الحين، واليوم تستثمر حماس أيضًا الجهود، وإن لم تنجح كثيرًا، في تطوير نظام العلاقات الخارجية. وهو ما يعبر عن إدراك الحاجة إليها، وتعتمد أهمية الحفاظ على السلطة الفلسطينية إلى حد كبير في الحفاظ على الدعم الدولي، والسلطة رغم ضعفها المستمر، ما زالت تعتبر البيت الوطني الفلسطيني.

لذلك، إذا حاولت “الحكومة الإسرائيلية” الجديدة إعادة الساحة الفلسطينية إلى الواقع الذي سبق اتفاقيات أوسلو، أو إعادة تحديد علاقتها معها بما يمكن أن يفسره الفلسطينيون فلسطينيًا لن يوافق على التنازل عما سبق وحققه ولا عن التطلعات والآمال التي تغذي المبرر لاستمرار وجود السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية، ككيان وطني مقبولة من قبل الغالبية العظمى من الجمهور الفلسطيني وضرورة الحفاظ عليها إجماع لدى كل فلسطيني تقريبًا، ويركز الخلاف على مسألة السياسة التي يجب أن تتبناها السلطة وكيف يجب أن تعمل، حتى الآن، فإن الادعاءات العديدة التي تفيد بأن السلطة الفلسطينية ليست أكثر من مقاول تنفيذي “لإسرائيل” قوض موقفها نسبياً، وحماس على الرغم من معارضتها للتنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” تدرك أكثر مما كانت عليه في الماضي حدود استخدام الأسلحة النارية.

مشاركة حماس في الانتخابات، والضغوط التي تمارسها من أجل إجرائها، والرسائل المتكررة لقادتها في آذان عباس وقادة فتح والتي يقولون فيها إنهم لن يتمكنوا من التقدم في القضية الفلسطينية وحدهم. وأن فقط الشراكة المتفق عليها بين فتح وحماس هي من ستفعل ذلك تنم عن نضج سياسي واعتراف بالقيود التي تجاهلوها في السابق.

لم يتم تشكيل الحكومة الجديدة في “إسرائيل” بعد، لكن تشكيلها يثير مخاوف لدى الجانب الفلسطيني. إن السياسة التي ستتبناها تجاه الفلسطينيين، إذا عبرت عن تشدد في كل ما يتعلق بقضية الصراع والتعامل مع الفلسطينيين، قد تخلق ديناميكية من التعاون بين مختلف عناصر القوة في الساحة الفلسطينية، صحيح أنه بسبب الفجوات الكثيرة بين الأطراف من الصعب في هذه المرحلة التحدث عن المصالحة بين المنظمات، لكن يكفي الفهم المشترك بأن الحلم الوطني يواجه تهديدا جديا لكي يخلق تعاون وإرساء الصمود – وهو فكرة متداولة على لسان كل فلسطيني كدرس من هزيمة 1948 – كحلقة وصل بين جميع الفصائل والأحزاب، هذا درس يعني عدم تكرار ذلك أبدًا – لن يتم ترحيلنا بعد الآن ولن نسمح بالاستيلاء على أراضينا بل سنقف صامدين ونقاوم.

قد يتجسد البعد الجماهيري للنضال بعد ذلك إلى تعبير حقيقي ويجر اهتماما إعلاميا ودوليا، السلطة الفلسطينية بدأت بالفعل في التحرك في هذا الاتجاه، وقد خططت السلطة منذ فترة طويلة لعمليات أخرى مماثلة، وتشكيل الحكومة الجديدة في “إسرائيل” قد يسرعها، الساحة الدولية ستكون محور النضال الفلسطيني ضد إسرائيل”، وهذه المرة ستزداد فرص نجاحه لكسب دعم دولي واسع، وحتى من الولايات المتحدة إذا ما طبق أو حقق قادة الصهيونية الدينية نواياهم، عندها سيكون النضال في أراضي الضفة الغربية أكثر احتجاجًا وحشدا، وستكون إمكانية المصالحة الوطنية الفلسطينية الداخلية أكثر واقعية مما هي عليه الآن.

ستبلي الحكومة الإسرائيلية الجديدة بلاءً حسنًا إذا حددت لنفسها بوضوح الأهداف التي ترغب في تحقيقها في علاقاتها مع الفلسطينيين، ووقفت على العوامل التي تثير مخاوف الجانب الفلسطيني وتفحص أي من طموحات أعضائها التي أُعرب عنها عشية الانتخابات يمكن تحقيقها وما يستحق التأجيل وما هي تكلفة كل خطوة، كما أنه من المناسب اتخاذ إجراءات تهدئة تجاه الفلسطينيين ويمكن أن يكون الحوار عاملاً مفيدًا في هذا الشأن. يمكن أن تكون التنمية الاقتصادية وتطوير البنية التحتية مفيدة أيضًا إذا امتنعت الحكومة عن إصدار إعلانات يمكن تفسيرها على أنها إغلاق الباب أمام فكرة التسوية السياسية وتوضح ذلك.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى