النضال الفلسطيني يتمرد عشية قيام حكومة نتنياهو – بن غفير

ترجمة الهدهد
هآرتس/ عاموس هرئيل

في تحليل الوضع بالضفة الغربية، تركز كل وكالة استخبارات على ما هو قريب من قلبها، أو بشكل أكثر دقة ما يلازم كوابيسها، الشاباك مثلاً يبحث عن دلائل على وجود منظمات إرهابية محترفة قادرة على تنفيذ عمليات من شأنها إحداث دمار كبير.

إن شعبة الاستخبارات في “الجيش الإسرائيلي” قلقة من تداعيات الظواهر الأكثر شعبية، مثل “عرين الأسود” في نابلس، والتي ضعفت في هذه الأيام بسبب الضغط الشديد الذي تمارسه “إسرائيل” عليها، إضافة إلى قبضة السلطة الفلسطينية على الأرض، فيما يخشى الجيش من عمليات التقليد التي ستمتد إلى مدن أخرى.

صباح الأربعاء، تحققت كوابيس الشاباك، ولأول مرة منذ ست سنوات ونصف، وقع هجوم بالقنابل، حيث وضعت خلية عبوتين ناسفتين، تم تفجيرهما عن بعد في وقت واحد تقريباً، في محطتي حافلات في القدس، وقُتل مستوطن يُدعى “أريه شيشوبك” وجُرح 20 آخر.

يبدو أن هذه هي بصمة “العمل المنظم”: هجومان تم التخطيط لهما

تحت مرأى ومسمع من المؤسسة الأمنية، تقوم خلية فلسطينية، في الضفة الغربية أو القدس الشرقية، بتجهيز العبوات الناسفة القاتلة، حيث وقع الحادث بعد حوالي أسبوع من هجوم الطعن والدهس بالقرب من أرييل، والذي قتل فيه ثلاثة مستوطنين.

بدأت موجة الإرهاب الحالية، في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، بهجمات في بئر السبع والقدس قبل حوالي ثمانية أشهر، حيث ووقعت معظم الحوادث في شمال الضفة الغربية، عند دخول “الجيش الإسرائيلي” لتنفيذ عمليات اعتقال في مخيمات اللاجئين ومراكز المدن.

ولكن هناك أيضاً “نشاط إرهابي” مستمر من قبل الفلسطينيين -تتمثل بعمليات “الذئاب المنفرد” ونشاطات المنظمات المحلية القديمة والقائمة.

إلى جانب الإجراءات المضادة المستمرة، يبحث أفراد المخابرات باستمرار عن نقطة تحول، مثل حدث معين أو اتجاه جديد، سيجلب الأطراف إلى حدث أكثر خطورة وقوة، كنوع من الانتفاضة الثالثة.

حتى الآن، لم يحدث هذا، ويرجع ذلك أساساً إلى أن عامة الناس في الضفة الغربية لا ينضمون إلى الصراع، ويعزو الجيش والشاباك ذلك إلى ما يوصف بتكلفة الخسارة.

وطالما أنه لا يوجد أي ضرر للعمل، في “إسرائيل” وفي المناطق الصناعية في المستوطنات، فيبدو أن غالبية الفلسطينيين في الضفة الغربية يفضلون سبل العيش الآمنة على مخاطر نشوب صراع واسع النطاق آخر، ولا يوجد ما يضمن ذلك.

إن نقاط الخطر التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التدهور معروفة، فالقدس هي مصدر قلق دائم، لا سيما في السياق الديني، والذي يتعلق بما يحدث في المسجد الأقصى، كما تشعر المؤسسة الأمنية بالقلق من الاحتكاك المستمر بين الفلسطينيين والمستوطنين، وخاصة بالقرب من البؤر الاستيطانية في منطقة نابلس، وقرية حوارة عند المدخل الجنوبي للمدينة خير مثال على ذلك.

كثيراً ما يتم رشق “السيارات الإسرائيلية” بالحجارة ويرد ركابها بتخريب الممتلكات الفلسطينية وأحيانا الاعتداء على السكان.

ما كان يعتبر لسنوات طريق سفر هادئاً نسبياً، يستخدمه كل من الفلسطينيين واليهود، عاد ليصبح بؤرة دائمة للعنف.

من نواحٍ عديدة، يُنظر إلى قتل المسلحين في اشتباكات مع “الجيش الإسرائيلي” في الضفة الغربية كجزء من تكلفة الصراع، ويعتبر موت الأطفال أو النساء، وخاصة في الاشتباكات مع المستوطنين، حدثاً مختلفاً تماماً، فردود الفعل عليه سيكون وفقا لذلك.

علامات الفوضى

سؤال آخر يتعلق بدرجة تورط المنظمات في قطاع غزة فيما يجري في الضفة الغربية، إذا تبين أن خلية من حماس أو الجهاد الإسلامي هي المسؤولة عن الهجوم في القدس، من خلال تلقي تعليمات من قطاع غزة، فإن “إسرائيل” ستواجه معضلة ما إذا كانت سترد في غزة، ما يهدد الهدوء الذي ساد هناك منذ ثلاثة أشهر.

أعلن الشاباك أمس أنه ولأول مرة منذ بداية العام، تم اعتقال عامل فلسطيني من قطاع غزة، عمل في “إسرائيل” من خلال تصريح عمل، يشتبه في أنه كان يخطط لتفجير عبوة ناسفة في حافلة بالجنوب، وقد قام بالفعل بتجميع العبوة بإرشاد من (الجهاد الإسلامي).

خاطرت الحكومة المنتهية ولايتها عندما قررت استئناف العمل لسكان قطاع غزة في “إسرائيل” – وهذا الحدث يعرض سبل عيش 17000 عامل من قطاع غزة في “إسرائيل” للخطر.

إلى جانب الهجمات في القدس، وبالنظر إلى “الصدمة الإسرائيلية” من هجمات الحافلات، فإن هذا دليل أيضاً على تصعيد كبير، حيث قرر شخص ما هنا زيادة مبلغ الرهان.

كما أن ضعف سيطرة السلطة الفلسطينية في شمال الضفة الغربية أمر مقلق، فقد انتهت صباح أمس ملحمة استمرت يومين بعودة جثة الدرزي “تيران بيرو” الذي اختطفه نشطاء مسلحون من مستشفى في جنين.

“إسرائيل” إلى جانب ممثلي الولايات المتحدة والدول العربية والأمم المتحدة، مارست ضغوطاً شديدة على السلطة لإعادة الجثمان، وقد اجتازت الاختبار أخيراً.

وقد أشادت هيئة الأركان، بحق، بعمل التنسيق الأمني​​، الذي كان كالعادة يديره بشكل جيد منسق العمليات في المناطق اللواء غسان عليان، لكن حقيقة وقوع مثل هذا الحدث، يشير إلى أنه في جنين، تسود الفوضى على مستويات عالية مثل “الصومال” تقريباً.

في الخلفية، هناك مساهمة معينة للتطورات في الساحة السياسية في “إسرائيل”، حيث يتابع الفلسطينيون كل ما يحدث هنا، ويأخذون رسالتين من التكوين الظاهر للحكومة.

  • أولاً: لا توجد فرصة لاستئناف أي مفاوضات سياسية، على الأقل ما دامت إدارة بايدن لا تفرضها على الأطراف (والأميركيون لا يظهرون مثل هذه النية).
  • وثانياً: الحكومة المقبلة، ولأول مرة، يوضع اليمين المتطرف في عدة مناصب رئيسية.

سيكون للمستوطنين وأنصارهم تأثير أكبر على السياسة والقضايا اليومية مثل شرعنة البؤر الاستيطانية ومحاربة البناء الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية، وفي حالة حدوث مزيد من التصعيد، من المتوقع أن يكون هناك مزيد من الاهتمام بمطالبهم، مثل مطالب اتخاذ تدابير عسكرية جذرية.

تحديد العملية

كما أنه من المستحيل تجاهل تأثير الانتصار المدوي لليمين في الانتخابات على أحداث نهاية الأسبوع الماضي في الخليل، حيث جاء حوالي 30 ألف يهودي إلى المدينة، كجزء من يوم السبت “حياة سارة”، وألحق المئات منهم أضراراً بممتلكات الفلسطينيين ورشقوا السكان العرب في الخليل بالحجارة.

إن الأحداث التي وصفها الفلسطينيون بأنها الأسوأ من نوعها منذ سنوات، بالكاد أثارت الاهتمام من “الجانب الإسرائيلي”، حيث قام بعض نشطاء الإعلام بالتغريد بالسنة المستوطنين، ورد الناطقون بلسان المستوطنين بالأكاذيب والإجابات الملتوية.

تجنب بنيامين نتنياهو وأولئك الذين تم تحديدهم على أنهم وزراء في الحكومة المقبلة التعليق، وتم بالفعل اعتقال شخصين من اليمين المتطرف للاشتباه في الاعتداء على جندي وضابط شرطة، لكن لا يتوقع تقديمهما إلى العدالة.

مع رياح خلفية، مجازية في الوقت الحالي، من الحكومة المقبلة، لا شيء هنا يجب أن يكون مفاجأة، فأهمية التغييرات يفهمها كل من نشطاء اليمين المتطرف والجنود ورجال الشرطة.

نفتالي بينت أدار منذ سنوات حملة سياسية بعنوان “توقف عن الاعتذار”، ففي كل ما يتعلق بحوادث العنف في الضفة الغربية، توقف اليمين منذ زمن بعيد عن الاعتذار.

الطريقة بسيطة: عندما يدعي فلسطينيون أو صحفيون أفعال قاسية من قبل جنود أو مستوطنين، يجب إنكارها على الفور وبشكل شامل.

وإذا تم توثيق الدعوى بالأدلة، مثل مقطع فيديو، فما عليك سوى رفع مستوى الصوت، كل ما يتم في إطار الصراع مع الفلسطينيين له ما يبرره بطبيعته بغض النظر عن الظروف.

لقد وعد إيتامار بن غفير وأنصاره بالفعل بتعليمات إطلاق نار متساهلة للشرطة والجنود، بينما يدعمون بشكل كامل أي إطلاق نار.

ليس من المؤكد أن هذه القواعد سيتم تكريسها فعلياً في القانون، ولكن سيتم ترجمة روح هذه التعليمات إلى السياسة في مكانين: بين القيادة الصغيرة في الميدان وبين سلطات التحقيق، في مكتب المدعي العسكري ووزارة الجيش.

تلبي هذه التغييرات أرضية عامة خصبة، وسيعقد “المعهد الإسرائيلي” للديمقراطية الأسبوع المقبل مؤتمره السنوي حول الأمن القومي والديمقراطية.

قبل المؤتمر، تم إجراء استطلاع على 800 مستوطن، ركز على مسائل القانون الدولي وأخلاقيات القتال.

تُظهر مقارنة بيانات مسح هذا العام مع البيانات التي تم جمعها قبل أربع سنوات مدى إضفاء الطابع الرسمي على “المجتمع الإسرائيلي” في موقفه من استخدام القوة العسكرية (تم إجراء الاستطلاع حول هذه المسألة بين اليهود، على أساس أن المستطلعة آراؤهم عرب، ومعظمهم لا يخدمون في جيش الإسرائيلي، لقد تجنبوا إلى حد كبير في الماضي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالموضوع).

  • وبحسب الاستطلاع، يعتقد 71٪ من المستطلعين أنه يجب إعدام الفلسطينيين المُدانين بقتل “إسرائيليين”، مقارنة بـ 63٪ في عام 2018.
  • فيما يؤيد ما لا يقل عن 55٪ إعدام إرهابي ميدانياً بعد أن تم تحييده بالفعل ولا يشكل خطراً، مقارنة بـ 37٪ في الاستطلاع السابق.
  • يؤيد 45.5٪ إطلاق نار كثيف باتجاه التجمعات السكانية الفلسطينية “ليحرق في أذهانهم ثمن استفزاز التنظيمات الفلسطينية لإسرائيل” مقارنة بـ 27.5٪ قبل أربع سنوات.

إن التغيير ملحوظ حتى عندما يُطرح السؤال من الاتجاه المعاكس: في عام 2018، أيد 80٪ من المستطلعة آراؤهم مقولة “عند التخطيط لعملية عسكرية، على “الجيش الإسرائيلي” التأكد من أنها لا تنتهك قوانين الحرب الدولية، “هذا العام، انخفضت نسبة المستطلعة آراؤهم الذين ردوا بالإيجاب إلى 63٪”.

هذه معطيات دقيقة، تدل على تأثير حالتين أساسيتين، تطرقتا إلى تعليمات إطلاق النار على جنود في الضفة الغربية.

في عام 2016، اندلعت العاصفة حول الجندي “إيلور عزاريا”، الذي أطلق النار وقتل فلسطينياً مصاباً في الخليل، بعد 11 دقيقة من إصابته و “تحييده”.

بينما في العام الماضي، قتل مقاتل من حرس الحدود، “بارئيل حديرة شموئيلي”، على يد رجل من حماس على حدود قطاع غزة، بعد أن اقترب متظاهرون فلسطينيون عنيفون من مسافة قريبة من موقع القناص الذي كان يقيم فيه.

في كلتا الحالتين، تم تقديم ادعاءات مماثلة من قبل اليمين، والتي حظيت بتأييد شعبي واسع: التعليمات بفتح النار تغلل أيدي الجنود، وتتركهم تحت رحمة العدو ويحتمل أن تكلف أرواحاً بشرية.

الفرق بين الحدثين لا يتعلق فقط بترحيل المواقف إلى اليمين، ففي قضية عزاريا، أصر رئيس الأركان في ذلك الوقت “غادي آيزنكوت”، على الحفاظ على قيم “الجيش الإسرائيلي”، سواء على حساب الثمن الباهظ لأجواء الإعدام خارج نطاق القانون ضده من اليمين وفي مواجهة الصمت المخيف، ومن جانب رئيس الوزراء في ذلك الوقت، نتنياهو.

خليفته “أفيف كوخافي” كان بالفعل أكثر حذراً في القضايا المشحونة سياسياً، حتى بعد أحداث الخليل، والأحداث السابقة في الضفة الغربية، كان مقتنعاً بإدانة الهجوم على الجنود، وتجنب اتخاذ موقف بشأن هجوم المستوطنين على الفلسطينيين ولم يتحرك بشكل حاسم لوقف عنف اليهود في الضفة الغربية.

سيكون التحدي الذي سيواجهه رئيس الأركان المقبل “عارتسي هاليفي” أكثر صعوبة، في ظل حكومة يمينية متطرفة وفي مواجهة المناخ العام الذي أصبح متطرفاً للغاية.

قالت الدكتورة “إديت شافران-جيتلمان” رئيسة برنامج الجيش والمجتمع في معهد الديمقراطية، لصحيفة “هآرتس”: “إنه من وجهة نظرها، من المستحيل فصل العمليات في المجتمع الإسرائيلي عما يحدث داخل الجيش الإسرائيلي”.

وأضافت: “ما تراه في الخارج يتدفق أخيراً إلى الداخل إلى الجنود، الشعور العام الحالي يختلف عن القيم التي يتم تعليم القادة عليها، وبالتالي فإن تحدي القيادة العليا يصبح أكثر صعوبة”.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى