القدس تتذكر الأيام التي تفضل أن تنساها

ترجمة الهدهد
هآرتس/ نير حسون

تقريباً أوشكت القدس على نسيان نوع المشاهد التي ظهرت صباح أمس في ساحات العملية المزدوجة التي حدثت على مدخل المدينة وفي مفترق راموت، فخبراء للمتفجرات يجثون على ركبهم وهم يبحثون عن بقايا العبوات المتفجرة، ودراجة محطمة، وبقايا زجاج وحجارة تناثرت على مسافة بعيدة، وازدحامات ضخمة بسبب إغلاق مدخل المدينة الرئيسي.

هذا ليس لأن القدس نسيت ماذا تعني العملية، ففي السنوات الأخيرة وقعت في المدينة عمليات كثيرة، لكن لم تكن هناك عملية تشبه هذه العملية، لا في الوسائل ولا في المكان ولا في المصابين.

فمحطة الحافلات في مدخل المدينة تشبه مكاناً مقدساً، لأن معظم الأشخاص الموجودين هنا من المتدينين، يتجمعون هناك في كل صباح بانتظار الحافلات، يبدو أن من وضع العبوة عرف المكان والاكتظاظ الموجود هنا، ويقدر الأضرار التي ستحدث في المكان.

العبوة الأولى وضعت وراء المحطة، والعبوة الثانية تم إخفاؤها في محطة الحافلات في الشارع الذي يصل بين ساحة العملية الأولي وحي راموت، وقد امتصت الحافلة التي مرت في المحطة معظم الصدمة والشظايا ومنعت حدوث كارثة كبيرة.

المشاهد داخل الباص، مشاهد خبراء المتفجرات الذين يرتدون البدلات البيضاء ويجمعون البقايا في داخل الحافلة المدمرة، كانت استعادة دقيقة لساحة عمليات الحافلات في الانتفاضة الثانية في بداية سنوات الألفين.

العنف في القدس يأتي في موجات

الانتفاضة الأولي والانتفاضة الثانية وأحداث محمد أبو خضير وانتفاضة السكاكسين من العام 2015 والعملية في المسجد في 2017 وأحداث البوابات الإلكترونية وأحداث رمضان 2021 وغيرها، كل موجة كان لها خصائصها، لكن منذ 2014 هناك نمط ثابت جداً للعمليات في المدينة، مهاجم منفرد أو مهاجمين لم يتم إرسالهم من قبل أي تنظيم مزودين بسكاكين فقط، أو في أسوأ الحالات بسلاح بدائي، يهاجمون رجال الشرطة أو جنود حرس الحدود في منطقة باب العامود وباب الساهرة على طول خط التماس.

على الأغلب هذه العمليات تنتهي بعدد من المصابين وقتل المهاجم، رغم أنه كانت هناك حالات استثنائية مثل قتل المصلين في كنيس في “هار نوف” في 2014، لكن معظم العمليات في السنوات الأخيرة لم تكن في غربي المدينة، ولم يتم فيها استخدام عبوات ولم تكن محكمة بشكل خاص.

العملية الأخيرة كسرت جميع القواعد

فهذه عملية تفجيرية مزدوجة في غربي المدينة، حيث تم تفجير عبوة ناسفة عن بعد بدون وجود مهاجم استشهادي، من أجل تذكر حادثة مشابهة يجب العودة إلى العام 2016، ففي حينه انفجرت عبوة ناسفة في حافلة خط 12 في شارع “موشيه برعام” جنوب القدس، حينها أصيب 20 شخصاً.

إن مشاهد العملية الأخيرة تذكر كبار السن من سكان القدس بفترة أخرى، الانتفاضة الثانية، فترة الرعب في القدس.

في تلك الفترة كانت هناك قاعدة معروفة في المدينة “إذا سمعت ثلاث صافرات سيارات إسعاف متتالية وطائرة مروحية في السماء فإن الأمر يكون يتعلق بعملية ويجب البدء في فحص أين يوجد أبناء عائلاتكم”.

على الأغلب تلك عملية استشهادية فيها الكثير من المصابين، في حافلة أو في مقهى، تلك الفترة المريرة أدت إلى بناء جدار الفصل واختراق عميق من قبل الشباك لأحياء شرقي القدس وقرى الضفة، كان يبدو أن قوات الأمن نجحت في تحييد قدرة التنظيمات الفلسطينية على تنفيذ عمليات معقدة تحتاج إلى معلومات ومواد ومختبر وشخص ناقل وقائد، ولكن العملية في صباح أمس بددت هذا الوهم.

هذا فرق مهم آخر بين العمليات التي تعودنا عليها في السنوات الأخيرة وبين عملية صباح أمس، يكمن في قوة تشويش الحياة في المدينة.

في فترة العمليات طواقم الشرطة والبلدية أصبحت مدربة جداً على إعادة روتين الحياة، وبعد التحقيق وإخلاء المصابين كان يأتي طاقم تنظيف من البلدية وأحيانا خلال ساعة أو ساعتين لا يكون بالإمكان معرفة أنه وقعت عملية في المكان.

في صباح أمس كان الوضع مختلفا، فالعملية نجحت في تشويش روتين الحياة في المدينة بشكل كبير.

خبراء المتفجرات استمروا في كنس وجمع البقايا المعدنية التي كانت جزء من العملية كما يبدو، وسيارات الإسعاف وسيارات الشرطة استمرت في السير وهي تطلق الصافرات وطائرة مروحية حلقت في السماء.

وقد بدأ السياسيون يصلون إلى مكان الحدث وفي المحيط تجمع المئات من الفضوليين القلقين، أحدهم اعتقد أنه لاحظ سائق فلسطيني وصرخ “الموت للعرب”، السؤال الكبير الذي كان يحوم فوق المدينة صباح أمس هو هل الحديث يدور عن بداية فترة جديدة مع عمليات؟

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى