أخبارأخبار رئيسيةترجماتفلسطيني الـــــ48

المجتمع العربي في “إسرائيل” بعد انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي

المقال يعبر عن رأي المعهد

على الرغم من التوقعات بضعف الإقبال على التصويت، وصلت غالبية الجمهور العربي إلى صناديق الاقتراع في انتخابات الكنيست الأخيرة. ويقدم تحليل أنماط التصويت صورة مثيرة للاهتمام فيما يتعلق بأمزجة المجتمع العربي ورغباته واهتماماته ومطالبه – معلومات يجب على الحكومة السابعة والثلاثين مراعاتها عند صياغة السياسات تجاه 20٪ من سكان البلاد.

تعكس نتائج انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين امتحاناً للعلاقات بين الأغلبية اليهودية والأقلية الفلسطينية العربية في “إسرائيل”. رغم أن الجمهور العربي صوت بمعدلات أعلى مما كان متوقعا وشهد على الاستقرار في سعي معظمه للاندماج في الدولة. إلا أن نسبة الذين امتنعوا عن التصويت وأيدوا حزب بلد قد تشهد أيضًا على اللامبالاة السائدة تجاه النظام السياسي، إلى جانب اتجاه نحو القومية والانفصالية.

لا يوجد تغيير في كل هذا عما كان معروفا في الماضي القريب. ومع ذلك، فإن التكوين المتوقع للحكومة السابعة والثلاثين وخاصة المكانة الرفيعة فيها للصهيونية الدينية، التي يُنظر إليها على أنها معادية للمجتمع العربي، قد يؤدي إلى تباطؤ إن لم يكن إلحاق الضرر بسياسات الحكومات منذ عام 2015، والتي عملت على الاستثمار بشكل كبير في النهوض بالمجتمع العربي واندماجه.

قد يؤدي اتباع نهج التجاهل أو الاستبعاد إلى تعكير المشاعر العامة وتشجيع العناصر القومية المتطرفة في كلا المعسكرين إلى درجة الانزلاق إلى مواجهات عنيفة واسعة النطاق ستجد أجهزة إنفاذ القانون وفرض النظام العام صعوبة في التعامل معها. على هذه الخلفية يوصى بمواصلة السياسة السابقة التي بادر بها بنيامين نتنياهو لتطوير المجتمع العربي والحد من العنف والجريمة فيه. هذه هي الطريقة لضمان طويل الأمد للمصلحة “الإسرائيلية” الشاملة والحصانة الاجتماعية للدولة بكافة جوانبها.

بالنسبة للجمهور الفلسطيني العربي في “إسرائيل”، الذي توقع معظمه من ممثليهم المنتخبين في السنوات الأخيرة أن يركزوا على القضايا المدنية التي تعتبر حيوية بالنسبة لهم وأن يندمجوا لتحقيق هذه الغاية في ائتلاف حكومي فإن نتائج انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين تشير إلى أن التغيير صعب. وذلك أيضًا في ظل هشاشة وتقلبات العلاقات الحساسة بين العرب واليهود في السنوات الأخيرة، والتي بلغت ذروة خطيرة في أحداث مايو 2021.

نتائج التصويت في القرى والبلدات العربية

نسبة التصويت: ​​بلغت نسبة التصويت في البلدات والقرى العربية للكنيست الخامسة والعشرين 53.2 في المائة (10 مقاعد)، وهو ما يمثل زيادة مقارنة بالمستوى المتدني المسجل في انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين في مارس 2021 – 44.6 في المائة.  وجاءت النتائج مفاجئة إلى حد ما في ضوء التقديرات التي سادت عشية الانتخابات حول تراجع كبير آخر في نسبة التصويت. ومع ذلك ظل الإقبال هذه المرة منخفضًا مقارنة بانتخابات الكنيست الثالثة والعشرين في عام 2020، والتي كانت 64.8 في المائة، عندما وصلت القائمة المشتركة الكاملة (الجبهة، وتاعل، وبلد، وراعم) إلى ذروة قوتها 15 مقعدًا.

إنجازات الأحزاب: 85.8٪ من الناخبين في البلدات العربية أعطوا أصواتهم للأحزاب العربية، على النحو التالي:

  • صوت 35.2 في المائة لصالح راعم التي حصلت على 194.047 صوتا وفازت بـ 5 مقاعد، وبذلك أصبحت راعم، ولأول مرة أكبر حزب في المجتمع العربي.
  • صوت 28.8٪ لجبهة حداش- تاعل التي حصلت على 178.735 صوتًا ، والتي حصلت على 5 مقاعد .
  • صوت 21.8 في المئة لحزب بلد الذي حصل على 138.617 صوتا ولكنه لم يتجاوز نسبة الحسم.

توزيع التصويت حسب المنطقة:

  • في شمال البلاد – الجليل والاغوار والكرمل وونوف هكرميل، كان التصويت لصالح حداش – تاعل.
  • في وسط البلاد – في منطقة المثلث، وجد هناك توزيع متوازن ودقيق للأصوات بين الأحزاب الثلاثة.
  • في الجنوب في القرى البدوية في النقب، فازت راعم بنحو 75 من الأصوات، مقارنة بالآخرين الذين حصلوا على حوالي 8 في المائة فقط لكل منهم.

توزيع الأصوات في المدن المختلطة: كانت نسبة التصويت في معظم المدن المختلطة قريبة من معدل التصويت في المدن العام وكانت مساوية تقريبًا لتلك المسجلة في ذروة قوة القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست الثالثة والعشرين في عام 2020. في المدن السبع المختلطة كانت هناك منافسة شديدة بين حداش – تاعل وبين حزب بلد: في الرملة واللد ويافا مال التصويت لصالح بلد، وفي الشمال – في حيفا وعكا ونوف هجليل ومعه. ومعلوت ترشيحا، مال التصويت لصالح حداش- تاعل. لقد تراجع حزب راعم البراغماتي كثيراً عن الركب، وهذه ظاهرة جديدة فيما يتعلق بالهيمنة التقليدية لحزب حداش على جميع المدن المختلطة.

كان هناك انخفاض كبير في التصويت للأحزاب اليهودية الصهيونية، حيث حصلت على 14.2٪ فقط. وهذا اتجاه مستمر منذ التسعينيات، وهو يزداد قوة أيضًا في ضوء حقيقة أن الأحزاب اليهودية لم تضع المرشحين العرب في مواقف واقعية على قوائمها هذه المرة. وبرز هنا معسكر الدولة الذي فاز بنحو 14 ألف صوت، وميرتس التي حصلت على 13 ألف صوت، والليكود وإسرائيل بيتنو اللذان نال كل منهما نحو 10 آلاف صوت.

في القرى البدوية في النقب سُجلت نسبة مشاركة عالية نسبيًا: في القرى الدائمة، بما في ذلك رهط – حوالي 60 في المائة، في المجالس الإقليمية – حوالي 57 في المائة، وفي القرى غير المعترف بها، وبشكل غير مستغرب، أقل من 40 في المائة. الرابح الأكبر هنا هو حزب “راعم” الذي حصل على حوالي 75 بالمائة من الأصوات، رغم أنه قدم مرشحًا بدويًا واحدًا من النقب (وليد خليل الهواشلة). وفازت حداش – تعال، التي وضعت مرشحين بدويين في مناصب عليا، بنحو 8 في المائة فقط من الأصوات، وهي نسبة مماثلة لحزب بلد الذي لم يقدم مرشحًا بدويًا واحدًا.

الميول في المجتمع العربي

الاتجاه البارز في الجمهور العربي بعد الانتخابات هو اللامبالاة والشعور بأن “ما كان هو ما سيكون”، وأن التجربة مع حكومة بينيت لابيد لن تكون أفضل بكثير من حكومة نتنياهو. في الوقت نفسه ساد القلق من نتائج الانتخابات والإنجاز الذي حققه حزب الصهيونية الدينية، والذي عُبّر عنه من تخوف انضمام إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش إلى الحكومة.

من ناحية أخرى، هناك من يدعي أن الحكومات اليمينية بالذات تتخذ موقفاً براغماتياً تجاه الجمهور العربي، وأنه على الرغم من الخطاب الهجومي المتوقع تجاهها، فإن تنفيذ الخطط الخمسية التي صاغها اليمين- حين استولى على السلطة سيستمر.

يبدو أن الجمهور العربي غير المتجانس أكثر انقسامًا وتشويشًا اليوم مما كان عليه في الماضي. لقد أدى حل القائمة المشتركة إلى إحباطه، خاصة في ظل تصاعد قوة الصهيونية الدينية. لكن في المجتمع العربي هناك من يرى في الانقسام الداخلي فرصة لتوضيح الاختلافات التي بين أحزابها، الأمر الذي قد يثري الخطاب السياسي لديهم:

  • راعم كحزب ذا هوية دينية ووطنية المتصالح مع الهوية اليهودية للدولة والذي يسعى لتحقيق المساواة المدنية والاقتصادية الكاملة للمجتمع العربي.
  • حداش، كحزب قومي مدني، يدافع عن فكرة “دولة كل مواطنيها “، ويطالب بحقوق قومية جماعية للعرب ويسلط الضوء على مكانة العرب كأقلية وطنية.
  • بلد، كحزب قومي يدعم فكرة “دولة جميع مواطنيها”، وبأن يتجسد ذلك في مؤسسات الدولة وقوانينها.
  • تاعل كحزب قومي اجتماعي، يدعو إلى “دولة قومية” وتحويل “إسرائيل” إلى دولة ثنائية القومية، يهودية عربية.

حوالي نصف الجمهور العربي لم يشارك في الانتخابات. يعود ذلك جزئيًا إلى اللامبالاة وبسبب معارضتهم المبدئية للتصويت للكنيست الذي يعبر في حد ذاته عن الاعتراف بمؤسسات الدولة وفائدة المشاركة السياسية كرافعة للاندماج. قد يصبح مثل هذا النهج الانفصالي أقوى الآن لا سيما في مواجهة نهج الاستبعاد المحتمل من قبل الحكومة.

 أبعاد التصويت

هناك سببان رئيسيان لارتفاع نسبة تصويت الجمهور العربي هذه المرة: أولاً: رغبة غالبية الجمهور العربي في الاستمرار في الاندماج والتمثيل والتأثير في عمليات صنع القرار في البلاد.  ثانياً: دعم بلد والرغبة في مساعدتها في التغلب على نسبة تجاوز الحسم.

إن تعزز قوة حزب راعم (من أربعة إلى خمسة مقاعد) وتحوله إلى الحزب العربي الرائد أثبت أن شريحة كبيرة من الجمهور العربي تدعم نهجه البراغماتي والانضمام إلى الائتلاف. وجاءت معظم الأصوات لصالح راعم من المجتمع البدوي، ولم يتمكن حزب راعم من توسيع الدعم له بشكل كبير في وسط البلاد وفي الشمال.

كما يرمز دعم حداش – تاعل إلى نهج براغماتي مع الحفاظ على الهوية الوطنية. لكن قائمة حداش تاعل ضعفت فلولا تاعل لما تجاوزت نسبة الحسم. من ناحية أخرى لم ينجح حزب بلد الذي يتبع نهجًا قوميًا متطرفًا في تجاوز نسبة الحسم، لكنه تمكن من زيادة عدد مؤيديه. هذه ظاهرة مهمة تعكس زيادة وزن أولئك الذين يختلفون مع مفهوم الاندماج النشط.

قد يكون لتأسيس حكومة يمينية خالصة في “إسرائيل”، يكون لليمين المتطرف فيها نفوذ سياسي كبير معنىً سلبي في نهج الحكومة تجاه الأقلية العربية. وهذا ليس فقط على المستوى الخطابي المنفر، والذي قد يكون له تأثير سلبي على المناخ والخطاب العام بين اليهود والعرب، ولكن ربما أيضًا على المستويات العملية، التي تتعلق بضرورة الاستمرار بعزم على تنفيذ الخطط الخمسية لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين العرب بكاملها. تعتبر خطة الحد من العنف والجريمة في المجتمع العربي ذات أهمية خاصة، وهو أمر ضروري لكل من العرب واليهود. وسيؤدي إلحاق الضرر بهذه إلى ضرر دائم في المصلحة “الإسرائيلية” الخالصة.

هناك خوف من تدهور العلاقة بين العرب واليهود، لا سيما في حالة ظهور حالات احتكاك متفجرة، خاصة في مدينة القدس والأماكن المقدسة، والتي قد تمتد إلى المدن المختلطة والنقب. هذا خاصة في ظل ظروف التصعيد العنيف في الصراع مع الفلسطينيين، وخاصة في الجانب الديني في شرقي القدس. في مثل هذه الحالات، قد يتصاعد العنف المتبادل وينتشر ويقوي العناصر المتطرفة في كلا المعسكرين. سيتطلب ذلك ردوداً قاسية لفرض النظام، وهو الأمر الذي “إسرائيل” غير مستعدة له بما يكفي.

ملخص وتوصيات لتبني سياسة..

قد يشجع تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين نهجًا أكثر تحفظًا إلى منفرا مقارنة بالحكومات السابقة، بما في ذلك حكومات نتنياهو. سيكون مثل هذا التطور مخالفًا للمفهوم، الذي أقرته الحكومات اليمينية ويمين الوسط في الماضي، بأن تعزيز العرب وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة هو مصلحة ذات أهمية وطنية عليا للحصانة الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية “لإسرائيل”.

غالبية المجتمع العربي يرى أن الاندماج يتعارض مع الهوية القومية العربية. ولذا، فإن المجتمعين، اليهودي والعربي، يحافظان على علاقات متبادلة بينهما في العديد من المجالات ويديران روتينًا للحياة على أساس المصالح المشتركة. كما أن اتجاه الاندماج هو أساس التعاون بين القيادة العربية ومؤسسات الدولة.

في ظل هذه الخلفية، يوصى بتجنب خطاب الكراهية والتحريض والعنصرية والتصريحات التي تلقي بظلال الشك على ولاء الفلسطينيين العرب للدولة. ويجب تبني سياسة تهدف إلى الاستمرار في تشجيع اندماج الجمهور العربي على قدم المساواة وكشريك في حياة المجتمع والدولة. سيساهم هذا الاتجاه على المدى الطويل في تحسين العلاقات بين العرب والدولة وبين الجمهور اليهودي وسيساعد على إضعاف وكبح عمليات وعناصر “التطرف”. إن مثل هذه السياسة طويلة المدى سوف تخدم المصلحة الوطنية “لإسرائيل”.

لذلك، من الأهمية بمكان الاستمرار في تنفيذ الخطط الخمسية لتطوير وتعزيز المجتمع العربي ومكافحة العنف والجريمة داخله، بما في ذلك الخطط الموجهة للمجتمع البدوي في النقب.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى