أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

الفراغ السياسي في لبنان وتداعياته على “إسرائيل”

ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي/ أورنا مزراحي

أدى انتهاء ولاية الرئيس اللبناني قبل اختيار البديل إلى فراغ حكومي من جديد، لكن هذه المرة أشد خطورة مما كان عليه في الماضي، لأن الحكومة حكومة انتقالية هي الأخرى، وإن التكوين الحالي لمجلس النواب المسؤول عن انتخاب الرئيس، والخلافات الداخلية داخل صفوفه تجعل من الصعب انتخاب مرشح متفق عليه.

حزب الله يحاول الترويج لسليمان فرنجية كمرشح عنه وفي نفس الوقت يعيق إمكانية انتخاب الآخرين، هذا الوضع إذا استمر، لن يؤدي إلا إلى تفاقم أزمة لبنان الفاشل، فيما يتعلق “بإسرائيل” لا يُتوقع على المدى القريب تغيير كبير في ميزان الردع ضد حزب الله وفي تنفيذ الاتفاق مع لبنان، ولكن على المدى الطويل قد تؤدي الفوضى في لبنان إلى عواقب سلبية على “إسرائيل”.

_____________________________________________

في 31 تشرين الأول / أكتوبر، انتهت رسميا ولاية ميشيل عون، رئيس لبنان على مدى السنوات الست الماضية، ولم يتم اختيار بديل بعد بسبب عدم توافق النظام السياسي على خليفته، ليست هذه هي المرة الأولى التي يُترك فيها لبنان بلا رئيس.

كانت أبرز حالة في الماضي هي الفجوة التي امتدت لأكثر من عامين بين بداية ولاية ميشيل عون (في أكتوبر 2016) وانتهاء منصب سلفه ميشيل سليمان (في مايو 2014)، ومع ذلك وفي ظل الظروف الحالية فإن غياب الرئيس يخلق صعوبة مزدوجة ومضاعفة، سواء بسبب أسوأ أزمة اقتصادية عرفها لبنان في تاريخه والتي تزداد سوءاً، أو لأن الحكومة الحالية كانت أيضاً حكومة انتقالية منذ الانتخابات النيابية الأخيرة (15 مايو 2022) بسبب عدم قدرة القوى الرئيسية في البلاد على التوصل لاتفاق بشأن تشكيل حكومة جديدة.

في الخطاب الذي ألقاه عون يوم تقاعده، كان طموحه في ترك إرث من العمل الإيجابي واضحاً، مع تأكيده على تحقيق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع “إسرائيل”، وإلقاء المسؤولية عن الوضع الخطير الذي يعيشه لبنان على خصومه في النظام السياسي، وانتقد قيادة وأعضاء النظام القضائي لأنشطتهم فقط باسم مصالحهم الشخصية وليس لصالح الشعب اللبناني، ودعا إلى العمل على القضاء على الفساد وادعى أنه يترك ورائه دولة منهوبة.

يبدو أن جهود عون هذه لن تساعد في تغيير الوعي العام في لبنان فيما يتعلق بمساهمة عون في انهيار الدولة وعدم قدرته على تقديم الحلول، وكذلك بخصوص عدم ملاحقة المسؤولين عن الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت (آب 2020).

إضافة إلى ذلك لدى الجمهور اللبناني مشاعر قوية تجاه الشرعية التي وفرها عون لحزب الله، والتي تعززت عسكرياً وسياسياً خلال فترة رئاسته وأصبح عاملاً مؤثراً رئيسياً في النظام اللبناني.

بحسب الدستور اللبناني، في غياب الرئيس تنتقل صلاحياته للحكومة، ولكن بشكل محدود

إن طريقة العمل التي تم استخدامها حتى الآن هي أنه في حالة عدم وجود رئيس سيتم اتخاذ قرارات الحكومة بالإجماع، ومع ذلك هناك خلاف حول ما إذا كانت الحكومة الانتقالية الحالية بقيادة نجيب ميقاتي والتي لم يوافق عليها الرئيس والبرلمان يمكن أن تؤدي هذا الدور.

كما ساهم الرئيس المنتهية ولايته في الفوضى السياسية، حيث وقع قبل يوم من مغادرته مرسوماً يؤكد استقالة الحكومة الانتقالية من منطلق مصلحته الشخصية والحزبية في تقويض موقف ميقاتي الذي لم يستطع التوصل معه إلى اتفاق بشأن تشكيل الحكومة الجديدة.

ميقاتي نفسه رفض هذه الخطوة من قبل عون واستمر في منصبه، بل إنه يتلقى دعماً من معظم الأحزاب باستثناء الحزب المسيحي “التيار الوطني الحر” حزب عون وصهره جبران باسيل، كما نقل حزب الله رسالة تتعلق بعدم رغبته في مقاطعة الحكومة المؤقتة، لكنه أكد أن هذه الحكومة لا تستطيع اتخاذ قرارات مهمة أو أحادية الجانب ويجب أن تجتمع فقط في حالات استثنائية.

انتخاب الرئيس الجديد من مسؤولية البرلمان، لكن تشكيله الحالي يجعل من الصعب بشكل خاص التوصل إلى أي اتفاق، معسكر أنصار حزب الله (الثامن من آذار) الذي ضعف في الانتخابات الأخيرة، يفتقر إلى الأغلبية اللازمة لانتخاب المرشح من قبله.

حيث يضم هذا المعسكر حوالي 60 عضواً فقط في البرلمان، في حين أن انتخاب الرئيس يتطلب أغلبية الثلثين (86 من 128 عضواً في البرلمان في الجولة الأولى والأغلبية العادية 65 في الجولة الثانية إذا تم عقدها في الجلسة نفسها).

من ناحية أخرى، فإن المعارضة منقسمة بشدة، وهي تضم كتلتين رئيسيتين:

  • الأولى: بقايا معسكر “14 آذار” المناهض لحزب الله والحفاظ على إرث عون.
  • والثانية: كتلة التغيير التي تضم بقايا من أحزاب مستقلة غير مرتبطة بالمعسكرات التقليدية.

حتى الآن عُقدت خمس جلسات برلمانية لانتخاب رئيس (بين 20 أكتوبر و10 نوفمبر)، لكن دون اتخاذ قرار (يشار إلى أن ميشيل عون انتخب بعد 45 جلسة برلمانية فقط)، وكان المرشح الرئيسي حتى الآن هو ميشال معوض (نجل الرئيس السابق رينيه معوض)، الذي ينتمي إلى جماعة معارضة لحزب الله وتدعمها الولايات المتحدة بحسب المنظمة.

وفي الجلسة الخامسة، حظي معوض بتأييد 44 نائباً فقط من بين معارضي حزب الله، ولم يؤيده أعضاء كتلة التغيير التي تعتبره سليل القيادة القديمة.

على أي حال لدى حزب الله القدرة على حشد كتلة معطلة أو مانعة من ثلث مجلس النواب، ومن المشكوك فيه بشدة أن تكون المعارضة المنقسمة قادرة على صياغة توافق في صفوفها وتؤدي إلى انتخاب مرشح يتحدى الحزب.

لم يسم معسكر حزب الله الذي يضم أمل و”التيار الوطني الحر” بعد مرشحاً باسمه بسبب خلافات في الرأي بينهم، وعمل ممثلوه على إفشال الاجتماعات التي عُقدت حتى الآن بالتصويت بأوراق اقتراع بيضاء والتغيب عن الاجتماعات في الجولة الثانية لمنع اكتمال النصاب القانوني.

يبدو أن قيادة المعسكر تريد أولاً أن تقرر حول مرشح متفق عليه بين صفوفها والعمل لضمان انتخابه قبل طرح اسمه في البرلمان.

الخلاف الرئيسي بين الحزبين الشيعيين، حزب الله وحركة أمل، وشريكهما المسيحي «التيار الوطني الحر»، هو أن الثنائي الشيعي لديه بالفعل مرشح متفق عليه، وهو سليمان فرنجية الابن، من معسكر حزب الله المقرب من الرئيس بشار الأسد والذي يدعمه أيضاً رئيس الوزراء ميقاتي.

التحدي الرئيسي الذي يواجه حزب الله هو إقناع جبران باسيل، صهر عون الذي يرأس الحزب ويريد المنصب لنفسه بدعم مرشحه.

 فرصة انتخاب باسل منخفضة للغاية في ظل صورته السلبية بين اللبنانيين والعقوبات الأمريكية المفروضة عليه لعلاقته بحزب الله، على هذه الخلفية، يتهم مسؤولو حزب الله الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بإفشال انتخاب الرئيس الجديد، حيث ادعى نصر الله في خطابه (11 تشرين الثاني) أن لبنان بحاجة لرئيس في شخص عون يدعم حزب الله، ولا يخيفه الموقف الأمريكي أو يمكن شراؤه بالرشاوى، فيما يطالب المرشحون الحاليون بنزع سلاح المنظمة.

من خلال هذه الصورة يبدو أن تركيبة مجلس النواب والخلافات بين الكتل وداخلها قد تؤدي إلى استمرار شلل النظام السياسي اللبناني مع مرور الوقت.

على الرغم من أن انتخاب رئيس لن يحل مشاكل لبنان الصعبة، إلا ان هذا السيناريو إذا تحقق سيجمد بالكامل عملية صنع القرار في البلاد، فالشلل السياسي سيخلق صعوبات إضافية في الطريق الطويل المتوقع لإعادة اعمار لبنان ويمنع تقدم الإصلاحات التي وضعها “صندوق النقد العالمي” كشرط لتلقي المساعدات الغربية.

يبدو أن السبيل الوحيد للخروج من المتاهة التي نشأت هو اتفاق بين جميع المعسكرات على مرشح حل وسط، والذي سيحصل على الدعم الذي يتطلبه القانون، فالمرشح الرئيسي الذي ورد اسمه هو قائد الجيش اللبناني جوزيف عون الذي لا تعرف مواقفه السياسية لكنه معروف بموقفه البراغماتي من حزب الله، لكنه نفى حتى الآن أي رغبة في أن ينتخب رئيساً، وعلى أي حال وفقاً للدستور فهو مطالب وفقا للقانون بفترة مدتها سنتان بدون منصب لكن هناك سابقة بالفعل لتغيير هذا القانون بالتراضي.

بالنسبة “لإسرائيل” التي لها مصلحة في الاستقرار الداخلي في لبنان، وقد تكون هناك تداعيات للفراغ الحكومي في لبنان في مجالين رئيسيين:

  • المواجهة مع حزب الله
    يبقى السؤال حول ما إذا كان حزب الله في ظل الفوضى في لبنان، سيختار العمل ضد إسرائيل من أجل توسيع الدعم له وتعزيز مكانته كـ “حامي لبنان”، مع الركوب على موجة نجاحه (من وجهة نظره) في جعل “إسرائيل” تتنازل في المفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية بينها وبين لبنان؟ في هذه المرحلة، يبدو أن هناك احتمالا أكبر في بقاء ميزان الردع كما هو بسبب انشغاله في التعامل مع مشاكل لبنان الداخلية وتزايد النقد الداخلي تجاهه، الأمر الذي سيظل عاملا يحد من نشاطه ضد “إسرائيل”.
  • تنفيذ الاتفاقية البحرية مع “إسرائيل
    إذا كان مطلوباً من لبنان اتخاذ قرارات في هذا الشأن فليس من الواضح من سيتعامل مع هذا الأمر، ومع ذلك في ضوء الاهتمام بالحفاظ على الاتفاقية، التي تشترك فيها كافة جهات النفوذ الرئيسية (رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الوزراء الانتقالية ميقاتي، وحتى حزب الله)، يبدو أنهم سيكونون قادرين على إيجاد حل وسيعملون على استمرار تنفيذه، على أمل أن تدرك “الحكومة الإسرائيلية” الجديدة مزايا الاتفاقية والمخاطر التي ستنشأ عن الانسحاب منها على “إسرائيل” أيضاً ولا تعمل على إلغائها.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى