أخبارأخبار رئيسيةأصداء الشارع "الإسرائيلي"فلسطيني الـــــ48

تصويت الجمهور العربي في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين: تحليل الاتجاهات ونظرة إلى المستقبل

ترجمة الهدهد
دكتور ميخائيل ميلشتاين/ معهد الدراسات والاستراتيجيات

يُنظر إلى انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين بحق على أنها من أهم الحملات الانتخابية في تاريخ “إسرائيل”، الانتخابات، هكذا على ما يبدو، أسفرت عن حسم يضع حداً للأزمة السياسية المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات ونصف، ويتيح تشكيل حكومة بهوية وخطوط أساسية وأهداف سياسية واضحة.

تحظى انتخابات 2022 بأهمية خاصة بالنسبة للجمهور العربي في “إسرائيل”، حيث يجسد الحدث تناقضًا عميقًا من ناحية المواطنين العرب: فمن ناحية كان للصوت العربي تأثير غير مسبوق على نتائج الانتخابات وصورة الحكومة المقبلة، ولكن من ناحية أخرى طريقة ومدى التصويت أدى إلى ظهور كتلة سياسية تعتبر خصمًا في نظر غالبية الجمهور العربي وفقدان التأثير غير المسبوق الذي نشأ في العام الماضي.

الغرض من الوثيقة هو عرض معطيات تصويت المواطنين العرب في الانتخابات الأخيرة مع وصف الاتجاهات السياسية والاجتماعية التي تنعكس منها. وبناءً على المعطيات نفسها يتم تحليل الآثار المحتملة للواقع السياسي الناشئ على الجمهور العربي وعلاقاته بمؤسسات الدولة والجمهور اليهودي، وتقديم توصيات للحكومة الجديدة بشأن سياستها تجاه المجتمع العربي.

جهود رئيسية..

1 – نسبة الإقبال على التصويت: حيث بلغت 53.2٪ ، وهو المتوسط بالنسبة إلى الحملات الانتخابية الأربع التي جرت منذ بداية عام 2019، وتقف في المنتصف بين النقاط المنخفضة مثل العام الماضي (44.6٪ صوتوا في المجتمع العربي) ونقاط الذروة كما هو الحال في انتخابات 2020، عندما حصلت القائمة المشتركة عدد غير مسبوق من المقاعد 15 مقعدا، وتم تسجيل معدلات تصويت عالية بشكل خاص في معاقل حزب راعم (لا سيما في القرى البدوية في الجنوب)، وكذلك في عدة مراكز في الشمال (بشكل رئيسي سخنين وكفر مندا ودير الأسد).

2 – توزيع التصويت: 84٪ من مجموع المواطنين العرب صوتوا لأحزاب عربية، وهذا استمرار للاتجاه الذي ظهر منذ عدة سنوات من تراجع في التصويت لأحزاب صهيونية، ويعود ذلك إلى خيبة الأمل المتزايدة لدى الجمهور العربي بسبب عدم رغبة الأحزاب الصهيونية في فتح أبوابها أمام المواطنين العرب ووضعهم في أماكن واقعية على قوائمهم، 32٪ من المواطنين العرب صوتوا لراعم و 29.4٪ لحداش تاعل و 22.5٪ لبلد.

3 – راعم: بشكل عام يبدو أن الحزب أصبح أقوى ولكن بشكل طفيف مقارنة بالانتخابات السابقة (مقعد زيادة)، وربما يرجع ذلك إلى انطباع بعض المواطنين العرب أنه استطاع تحقيق بعض الإنجازات بسبب اندماجه في الائتلاف الأمر الذي شكل سابقة وقدرته على تقديم استراتيجية بديلة مكنته من التأثير والاستجابة للمشاكل الأساسية التي يواجهها الجمهور العربي. كانت معاقل الحزب الرئيسية – كما في السابق – هي القرى البدوية في الجنوب (التي حصلت راعم في بعضها على حوالي 70٪ من الأصوات) القرى البدوية في الشمال وقرى جنوب المثلث وعلى رأسها كفر قاسم مسقط رأس الحركة الإسلامية وبعض المدن المختلطة وعلى رأسها عكا والرملة.

4 – قائمة حداش – تاعل: تبدو أنها فقدت قوتها بعد تفكك القائمة المشتركة التي كانت الجبهة بقيادة أيمن عودة بمثابة المحرك المركزي في تأسيسها ونشاطها، تقلص القائمة يتوافق مع حدود التأثير التقليدي لحداش: منطقتي الناصرة وحيفا، وكذلك بين الجمهور العربي المسيحي. هذا إلى جانب النجاحات الموضعية في عدة مستوطنات في النقب ووسط “المثلث” (في خاصة تلك التي تم فيها وضع مرشح محلي في مكان حقيقي على قائمة حداش تاعل).

5 – بلد: على الرغم من أن الحزب لم ينجح في تجاوز نسبة الحسم، إلا أنه حصل على أصوات أكثر من 3 مقاعد ما أسهم في حسم الانتخابات، وفي عدة قرى سجل الحزب إنجازًا مثيرًا للإعجاب حيث كان القوة السياسية الاكثر تقدماً، كما هو الحال في المدن المختلطة الرئيسية لا سيما في اللد ويافا حيث يظهر توتر طويل الأمد بين اليهود والعرب، وكذلك في الطيرة، في عكا العربية، كفر كنا وأبو غوش.

6- التصويت في المجتمعين الدرزي والشركسي: كما في الماضي، مُنحت غالبية الأصوات في كلا المجتمعين للأحزاب الصهيونية وعلى رأسها معسكر الدولة، “إسرائيل” بيتنا يش عتيد، الليكود وميرتس، من ناحية أخرى الإقبال على التصويت للأحزاب العربية هناك أقل بما في ذلك لحزب راعم، الذي سعى إلى إحكام القبضة على الدروز (يتراوح التأييد لجميع الأحزاب العربية في معظم المجتمعات الدرزية بين 0.5٪ و 2٪).

7 – التصويت للأحزاب الصهيونية: كما ذكرنا، يستمر اتجاه التراجع في الدعم الشعبي العربي للأحزاب الصهيونية، وهو ما يتجلى أيضًا في المجتمع الدرزي حيث يوجد هناك لهذه الاحزاب هيمنة تقليدية، على سبيل المثال، في عدد كبير من البلدات انخفض الدعم لليكود بمقدار مرتين أو ثلاث مرات؛ وحصل معسكر الدولة وحزب العمل على عدد ضئيل من الأصوات في البلدات والقرى غير الدرزية، وحتى حزب ميرتس الذي حصل في الماضي على دعم واسع نسبيًا في المجتمع العربي، حقق هذه المرة إنجازًا محدودًا (في كفر قاسم، مكان سكن الوزير عيساوي فريج، حصل الحزب على 19.5٪ من الأصوات في الانتخابات السابقة وفقط. 5.4٪ في الانتخابات الأخيرة).

8- تأثير القيادات المحلية: في كثير من القرى أثر نشاط المرشح المحلي على طريقة التصويت، على سبيل المثال، في بيت جان محل إقامة علي صلالحة مرشح ميرتس حصل الحزب على 62٪؛ وحصل أحمد الطيبي على 63٪ من التأييد لحداش تاعل في الطيبة؛ وفي قرية حورا في في النقب، صوت 40٪ للقائمة نفسها (وليس لراعم كما هو الحال في القرى البدوية الأخرى في الجنوب)، بعد وضع يوسف عطاونة ابن القرية في المركز الخامس؛ وحصلت دعاء خوش تاتور، المرشحة رقم 3 على قائمة البلد على 36.6٪ من الأصوات لحزبها في بلدتها التي تقيم فيها – الرينة.

الرؤى والتوصيات المتعلقة بالسياسة

جسدت الانتخابات تغييرين دراماتيكيين في سياق السياسة العربية في إسرائيل:
الأول هو تحول راعم إلى أكبر حزب عربي في البلاد، بعد سنوات عديدة من هيمنة التيار الشيوعي بقيادة حداش، أما التغيير الثاني فيتجسد في “الهزيمة المشرفة ” التي لحقت بحزب بلد، ويعبر الدعم الواسع للحزب إلى حد كبير عن الاحتجاج والتحدي لكل من نظام الحكم والبدائل التي قدمتها الأحزاب العربية الأخرى: والشراكة العربية اليهودية من مدرسة حداش والاندماج في الحكومة التي روج لها حزب راعم، من الممكن أن تكون الحزبية المنتشرة قد عكست أيضًا رد فعل ضد تعزز قوة اليمين بين الجمهور اليهودي، أي التجمع حول التركيز الذي يطبق في برنامج حزب بلد عن القضية الوطنية الفلسطينية.

علاوة على ذلك، خلقت الانتخابات شرخًا عميقًا في السياسة العربية في “إسرائيل”، صحيح أن الأحزاب الرئيسية الكبيرة من بينها مندمجة في الساحة البرلمانية، لكن نفوذها فيها محدود، الأمر الذي يبرز بشكل خاص في منصور عباس، الذي ينبع وجوده السياسي بالكامل من قراره بالاندماج في الائتلاف، من ناحية أخرى، من المتوقع أن يعمل حزب بلد من الساحة التي خارج البرلمان، ومن المحتمل أن يتحد مع هيئات أخرى في هذه الساحة، على رأسها لجنة المتابعة، في تحد للساحة السياسية الرسمية، وحتى يحتمل ان تكون هناك محاولة لتشكيل بديل عنها.

من وجهة نظر إستراتيجية: علاقات المجتمع العربي بالدولة ومع الجمهور اليهودي، والتي كانت متوترة هي الأخرى تواجه وضع حساس للغاية، بعد الانتخابات، يعيش الجمهور العربي جوًا يجمع بين الصدمة والإحباط والقلق، والأمل (المتواضع) في زيادة التأثير الذي نشأ العام الماضي قضي عليه مرة واحدة؛ ويظهر اليأس العميق من القادة السياسيين العرب مع القلق من شكل الحكومة المستقبلية وأفعالها، حيث تستمر المشاكل الأساسية التي تزيد من حدة التوتر العام في الجمهور العربي في الظهور طوال الوقت، وفي مقدمتها الجريمة والعنف ومحنة جيل الشباب، ومشاعر الحرمان والتمييز.

يجب على حكومة المستقبل أن تفهم الواقع المشحون والذي يكفيه شرارة واحدة لإشعال حريق واسع النطاق، كانت أحداث مايو 2021 بمثابة تذكير بالتوتر العميق بين المجتمعين، والأحداث التي اندلعت هي في نظر العديد من العرب واليهود قصة مفتوحة قد تتطور من جديد وربما حتى بقوة أكبر مما كانت عليه في الماضي.

من الناحية العملية، يوصى بأن توضح الحكومة المستقبلية – على الرغم من الفجوة بين وجهات نظرها الأساسية ووجهات نظر الأحزاب العربية – أنها تنوي الاستمرار بل وتوسيع معالجة جميع مشاكل الجمهور العربي، في المقام الأول مكافحة الجريمة والعنف، وتنشئة جيل الشباب وتطوير الاقتصاد والبنية التحتية المدنية في البلدات العربية. هذا إلى جانب إجراء حوار منتظم وواسع ومباشر مع القيادات العربية والجمهور العربي بهدف معالجة المشاكل وإدماج القادة والشعب في الجهود التي سيتم الترويج لها.

إن تجاهل الواقع المشحون المتوتر، ناهيك عن الإعلان عن نية الترويج لإجراءات جديدة من شأنها أن تقيد الجمهور العربي أو تقلل من دعم الدولة له، يمكن تفسيره في نظر المواطنين العرب – وخاصة جيل الشباب – على أنه “إغلاق البوابة” الحكومية والعامة التي بدأت تفتح أمامهم العام الماضي وخلق شلال حاد من التوقعات سيؤثر على الواقع الداخلي لإسرائيل وحصانتها الوطنية بشكل سلبي .

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى