تسوية الحدود البحرية الاقتصادية مع لبنان: هل فعلاً أضرت بالردع؟

ترجمة الهدهد
معهد القدس للاستراتيجية والأمن/ اللواء متقاعد د. عيران ليرمان نائب رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن.

كانت هناك أسباب جوهرية لقرار “إسرائيل” اتخاذ موقف سخي في المفاوضات مع لبنان، ومن المهم أن توضح “إسرائيل” أن إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط ليست “لعبة محصلتها صفر”، وأنها لا ترى الشعب اللبناني على أنه عدو، ويشير الاتفاق إلى عدم وجود مبرر لاستمرار وجود حزب الله كذراع مسلح لإيران على الأراضي اللبنانية.

قضايا الخلاف الجوهرية بين مؤيدي الاتفاقية ومعارضيها

إلى جانب الجدل السياسي العاصف، في خضم الحملة الانتخابية، والمسائل القانونية والدستورية التي تنطوي عليه، وكذلك مسألة الصلاحية المهنية لمسؤولي المنظومة الأمنية في القضايا السياسية التي اختار معارضو الاتفاق التشكيك فيها، هناك ثلاثة أسئلة أساسية مطروحة على جدول الأعمال في النقاش حول تنظيم خط حدود المياه الاقتصادية (ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة) بين “إسرائيل” ولبنان ومن الجدير التوضيح هنا بأن هذا الترتيب أو التسوية ليس اتفاقية بين البلدين بل موافقة من قبل كل منهما على حدة لوثيقة أعدها الوسيط الأمريكي.

  • السؤال الاول، ماذا يعني التنازل بالنسبة “لإسرائيل” في الواقع بين مقترحات الحل الوسط السابق مثل “خط هوف” و “الخط 23″، الذي طالب بها لبنان في الماضي وعاد إليه بعد خطوة مكشوفة للمطالبة زوراً بخط جنوبي أكثر؟ إلى أي مدى يعتبر هذا انتهاكاً لمصلحة الاقتصاد والطاقة؟
  • ثانياً: ماذا يعني الترتيب بالنسبة لمستقبل العلاقات مع لبنان كدولة؟ وهل هناك أساس كما يزعم بعض مؤيديه بأن الترتيب هو خطوة أخرى باتجاه توسيع دائرة الاستقرار وفي يوم من الأيام أيضاً السلام في الشرق الأوسط؟ وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر بمرور الوقت على ميزان القوى في لبنان داخلياً؟
  • ثالثاً: والأهم من ذلك كله، من الناحية الاستراتيجية – هل بالفعل تضرر “الردع الإسرائيلي”، تحديداً أمام حزب الله ومن منظور إقليمي شامل بسبب الانطباع الناجم عن تنازل تم ابتزازه من “إسرائيل” تحت التهديدات وبعد أن تم إطلاق الطائرات بدون طيار تجاه منصة غاز “كاريش” في شهر يوليو الماضي، والردع هو في جوهره حالة توعوية ونفسية وليس معطى موضوعي؛ أم أن سلوك حزب الله كان مجرد محاولة منه لكي ينسب لنفسه نتيجة كان يمكن للبنان أن يحققها عملياً حتى بدون “مساعدته”؟

من الجواب على هذا السؤال نستمد أولاً جدوى الاتفاقية من منظور طويل المدى وثانيا استراتيجية الوعي التي يجب أن تتخذها او تعمل بها إسرائيل بعد الترتيب.

السؤال الاقتصادي والعملي: عن ماذا تخلت “إسرائيل”، وماذا يمكنها كسبه؟

للوهلة الأولى، تصور مرونة الموقف والاتفاق على الخط اللبناني “23”، بحيث تبقى حوالي خمسة أسداس المساحة المقدرة لحقل غاز “قانا” في المياه الاقتصادية اللبنانية على أنها إلحاق ضرر عميق بمصالح “إسرائيل” الاقتصادية وفي الطاقة، ونقل الأصول التي يمكن أن تصل قيمتها المحتملة إلى عدة مليارات من الدولارات إلى أيدي دولة معادية، أو حتى في أيدي حزب الله نفسه، بشكل مباشر أو غير مباشر، فالادعاء حتى لو كان مصحوباً بنبرات سياسية قاسية، يستحق التوضيح الواقعي.

ومع ذلك فمن المشكوك فيه أن هذا الادعاء له ما يثبته، لأن إنتاج الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط لا يتم من قبل هيئات حكومية (إسرائيلية أو لبنانية) ولكن من قبل شركات اقتصادية دولية ليس هناك أي احتمال بأن تستثمر مواردها (الكبيرة) في الإنتاج في منطقة متنازع عليها.

كما أنه ليس هناك يقين من أن شركة إنرجيان صاحبة الامتياز في حقل غاز “كاريش”، كانت ستسمح للمنصة والتي هي في الواقع سفينة يمكن أن تبدل مكانها دون صعوبة بالعمل لفترة طويلة في ظل ظروف نزاع ووجود خطر على أفراد الطاقم العامل عليها، في هذا الجانب كل ترتيب أو تسوية – تقريباً – مفضلة اقتصادياً على استمرار التوترات والخلافات.

ومن الجدير التذكير أيضاً أنه في العقد الماضي أعربت “إسرائيل” بالفعل عن استعدادها لتقديم تنازلات والاتفاق على أقل من نصف الفرق بين الخطوط – 1 مقابل 23، وعلى كل حال التنازل الحالي هو عن قطعة مساحتها 400 كيلومتر مربع أو أقل، والتي كما ذكرنا لم تكن لتنتج أي عوائد دون موافقة اللبنانيين.

من الممكن أن “الموقف الإسرائيلي” المتصلب، بمرور الوقت وربما أمام واقع مختلف في لبنان الذي يتوق إلى مصادر الدخل واستقلال الطاقة كان سيفرض خطاً شمالياً أكثر مما تم الاتفاق عليه فعلاً، ومع ذلك في الجانب الاقتصادي الواضح الذي يصاحبه أيضاً اعتبارات سياسية أمام الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وأوروبا بشكل عام، فإن الوضع الذي نشأ في أسواق الطاقة العالمية يعطي أهمية إضافية للتسوية في أسرع وقت ممكن، والتي ستضمن الإنتاج في حقل “كاريش” واستمرار الاستثمار في الحقول المحتملة الأخرى في “إسرائيل”، فالفوائد الناتجة عن ذلك أكثر أهمية من الإصرار على المطالبة بجزء أو قسم آخر من مياه البحر.

التأثير على السياسة اللبنانية

في غضون ذلك يُثار السؤال حول تأثير الترتيب على علاقات “إسرائيل” مع لبنان، تفاؤل بعض مؤيدي الخطوة وبعض المراقبين الأمريكيين وغيرهم، الذين يرون أنها خطوة أخرى في اتجاه “اتفاقات أبراهام”، لا أساس لهذا في الواقع في هذه المرحلة.

لبنان يرفض بعناد الترتيب أو التسوية أي شكل “توافقي” من شأنه أن يعني اعترافاً فعلياً قانوني بوجود “إسرائيل”

بقيت قضية الحدود الإقليمية والبحرية والبرية بأكملها مفتوحة وغير متفق عليها، على الرغم من وجود استعداد في وثيقة الترتيب للسماح باستمرار الوضع الحالي، في البر صحيح أن “الخط الأزرق” المبني على الحدود التي رسمتها بريطانيا وفرنسا خلال فترة الانتداب نال مباركة الأمم المتحدة، لكن لبنان بسبب موقف حزب الله يمتنع عن منحه الشرعية الرسمية.

علاوة على ذلك: أي تقييم لمستقبل لبنان كدولة هو تخمين في المجهول، إذا كان مصطلح “دولة” في حد ذاته ينطبق على نظام شبه فوضوي من المصالح الطائفية والإقليمية والمحلية والعائلية والشخصية كما هو الحال في لبنان، فليست الاعتبارات العقلانية لـ “منطق الدولة” هي التي ستشكل السلوك اللبناني، بل مجموعات عشوائية من الظروف، ومصالح متضاربة للقوى على الأقل في ظل الظروف القائمة وقدرة حزب الله على ترهيب معارضيها ومعارضي نهجه، على الرغم من نتائج الانتخابات البرلمانية لهذا العام، ومن المهم عدم الوقوع في الأوهام.

في الوقت نفسه، هناك مجال للرؤية الأساسية، التي تندمج مع الاعتبارات الاقتصادية المذكورة أعلاه، والتي بموجبها يعتبر إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط مصلحة مشتركة “لإسرائيل” ولبنان، وليست لعبة محصلتها صفر، كما لا مصلحة “لإسرائيل” الآن أو في المستقبل في رؤية الانهيار الكامل للاقتصاد اللبناني وتدهور الوضع إلى فوضى اجتماعية وحكومية على حدودنا، ومن هنا تأتي الرغبة في إظهار قدر كبير من المرونة وحتى الكرم في المفاوضات.

ربما يكون من الصواب أن نذكر الشعار المربع الذي يرافق مجلدات ونستون تشرشل الستة عن الحرب العالمية الثانية شجاعة القرار، عند السقوط: روح التحدي (defiance)، في النصر: الشهامة، في السلام: سعة القلب” (magnanimity).

“إسرائيل” لم تتعرض لخسارة، ولا تحتاج إلى إظهار “روح التحدي” في ظل الظروف التي نشأت، صحيح أنها لم تصل إلى السلام ولم تهزم لبنان – والأصح القول إن لبنان هزم نفسه إلى درجة الدمار الكامل، كما يتضح من الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت قبل عامين – لكن التفكير الاستراتيجي، الذي يجسده مفهوم “سعة القلب”، في ضوء توازن القوة بين الطرفين يسري أيضاً على نقاش حول التوازن أمام لبنان.

مسألة إلحاق الضرر بالردع

لسوء الحظ فإن موقف الكرم أو السخاء الاستراتيجي غير مفهوم ولا مقبول من قبل قطاعات كبيرة من “الجمهور الإسرائيلي” خاصة أثناء الانتخابات، لذلك اختار رئيس الوزراء تبرير قراره بالموافقة على المخطط الأمريكي، من بين أمور أخرى بالقول إن التسوية أزالت خطر الحرب، وبقيامه بذلك أعطى وزناً للمزاعم الجادة لمعارضي الترتيب بأن “إسرائيل” وافقت على تنازل بعيد المدى تحت تهديد السلاح، أي بدافع الاستسلام لمطالب “حزب الله” والتي دعمها بالتلميح لإطلاق طائرات بدون طيار (غير مسلحة) تجاه منصة الغاز “كاريش” في يوليو 2022.

كما قيل مراراً وتكراراً، بما في ذلك في منشورات معهد القدس للاستراتيجية والأمن، ستكون هناك في المستقبل عواقب وخيمة للسلوك الذي يمكن تفسيره من قبل العدو كدليل على التردد والخوف، حتى لو ظاهرياً من مواجهة عسكرية.

ومع ذلك فإن سلسلة الأحداث لها أيضاً تفسير آخر محتمل، والذي يرتكز على معطيات، في محاولة لفهم “ما الذي أدى إلى ماذا”، قبل فترة من التصريحات الاستفزازية لحسن نصر الله وإطلاق الطائرات المسيرة على منصة “كاريش”، كانت هناك بالفعل دلائل على أن الفجوة في المواقف قد ضاقت بشكل كبير، والوسيط الأمريكي عاموس هوشستين أعرب عن تفاؤله بعد نحو عام من الجهود أحبطتها المواقف اللبنانية التي لا أساس لها من الصحة.

نيابة عن لبنان أوضح الرئيس عون (الذي تنتهي ولايته الآن) أن بلاده لن تصر على “الخط 29” العبثي، فيما أبدت “إسرائيل” مرونة واستعدادا لقبول الموقف اللبناني، يبدو أن الوعي المتزايد بأزمة الطاقة العالمية وخاصة الأزمة الأوروبية هو الذي يحفز “إسرائيل” ولبنان على حد سواء، لأنه يفتح إمكانية بيع الغاز بأسعار أعلى بكثير مما كان متوقعاً قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا.

يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنه بالنسبة لحزب الله، فإن اتجاه لإعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية يكمن فيه أيضاً خطراً طويل الأمد على وجوده كميليشيا غير خاضعة للدولة اللبنانية وكذراع مسلح لإيران على الأراضي اللبنانية.

إذا لم تكن “إسرائيل” عدواً وليس لها أطماع إقليمية وتسعى جاهدة من أجل تسوية طويلة الأمد على أساس لا رابح ولا خاسر – ما هو مبرر استمرار حيازة السلاح على الأراضي اللبنانية، من قبل قوة تدعي أنها تدافع عن البلاد ولكن في الواقع هي تعرضها للخطر وتستعبدها للمصالح الإيرانية؟

في مواجهة هذا التهديد على الوعي أو للوعي، كان على حسن نصر الله أن “يصعد على العربة” في اللحظة الأخيرة، ليخلق الانطباع بأن تهديداته هي التي أدت إلى “التنازلات الإسرائيلية” التي كانت مطروحة على الجدول على أي حال، ومحاولة أن يستعيد لزعمه القوة الوحيدة القادرة على حماية لبنان من “مؤامرات” إسرائيل والغرب، حتى لو لم يكن هذا ما حدث عملياً فإن التصريحات غير المدروسة أو الموزونة في “إسرائيل” ساعدت جهاز الدعاية لحزب الله على بناء “السرد بهذه الروح.

كيف تستغل “إسرائيل” الظروف التي نشأت؟

كما ذكرنا، كان من الخطأ إعطاء وزن لادعاء حزب الله بأن تهديداته لعبت دوراً في قرار الموافقة على التسوية، هناك أسباب وجيهة وإن كانت أكثر تعقيداً وذكاءً، لإظهار المرونة تجاه لبنان في وضعه الحالي، بافتراض أن الترتيب سيدخل حيز التنفيذ بالفعل يجب استخدام الوضع الذي نشأ لتوضيح ثلاث رسائل رئيسية:

  • إن إنتاج الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي تتزايد أهميته بشكل كبير في ضوء الحرب في أوكرانيا وتداعياتها هو مصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة ولبنان من ضمنها، في الوقت المناسب، سيكون لها مكانه أيضاً في منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF).
  • “الحكومات الإسرائيلية” دون أي فرق سياسي حقيقي، كان لها وستكون لها مصلحة في منع الانهيار الاقتصادي في لبنان، لا ترى “إسرائيل” في الشعب اللبناني على أنه عدو، المرونة كانت في مكانها ومناسبة وكانت خطوة كرم وليس ضعف وخضوع للضغط أو التهديد.
  • لذلك فإن قبضة حزب الله على لبنان كانت ولا تزال قائمة على الكذب، أيضاً في أيار (مايو) 2000، عندما انسحب “الجيش الإسرائيلي” من لبنان، لم يكن ذلك بفضل حزب الله، على العكس من ذلك لولا الوجود الخطير للتنظيم في جنوب لبنان لكان “الجيش الإسرائيلي” على الأرجح قد انسحب “إلى آخر متر” منذ عقد أو أكثر من ذلك، حتى الآن لم تكن تهديدات حزب الله هي التي أسفرت عن الاتفاق، على العكس من ذلك عرضته للخطر في نقطة حرجة، ومعه أيضاً مصالح حيوية للدولة اللبنانية، وهم كانوا ولا يزالون عملاء أجانب.

المعركة على الوعي ليست بديلاً عن حرب قد تندلع بسبب الأزمة النووية الإيرانية وليس بسبب قطعة من مياه البحر، لكنها عنصر مكمل ومفيد في الظروف التي قد تنشأ في لبنان في أي وقت.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى