الطائرات الإيرانية بدون طيار في سماء أوكرانيا: ليست ساحة “المعركة المستقبلية” التي توقعناها

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي/ ليران عنتابي

تتجه أنظار جيوش العالم، بما فيهم “الجيش الإسرائيلي” نحو الساحة الأوكرانية حيث تكثف مؤخرًا هناك استخدام الطائرات بدون طيار، بما في ذلك الطائرات الإيرانية بدون طيار، ما تسبب في دمار كبير وخسائر في أرواح المدنيين. يجب أن تستعد “إسرائيل” لاحتمال استخدام طائرات بدون طيار مماثلة في المعركة القادمة، والتي قد تحول إحدى “مدن إسرائيل” الرئيسية إلى كييف عام 2022.

الحرب في أوكرانيا هي أيضًا فرصة للتعلم العسكري للعديد من الأطراف، بما فيهم “إسرائيل”، كذلك يجب أن يكون الهجوم الروسي الذي تم تنفيذه في أكتوبر 2022 باستخدام طائرات بدون طيار إيرانية الصنع من طراز Shahad-136 درسًا مهمًا ل “الجيش الإسرائيلي” وصناع القرار في “إسرائيل”، في العقد الماضي، تحولت الطائرات بدون طيار، بما في ذلك الطائرات بدون طيار الهجومية من جميع الأنواع، من وسائل حصرية في أيدي دول معدودة، إلى وسائل شائعة جدًا أيضًا في أيدي “الدول الفاشلة والمارقة والمنظمات”، بالنظر إلى التهديدات المستقبلية التي تواجه “إسرائيل”، فإن تهديد الطائرات بدون طيار يستلزم تكثيف أو توسيع الدفاع عن الجبهة الداخلية، وتوفير وسائل حماية ودفاع، وتعديل مفاهيم استخدام القوة والدفاع لدى قوات “الجيش الإسرائيلي” وكذلك التحضير لامتصاص الهجمات واستعادة البنية التحتية الحيوية والجبهة الداخلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهجوم الروسي الذي نُفِّذ في تشرين الأول (أكتوبر) 2022 على كييف عاصمة أوكرانيا، باستخدام طائرات مسيرة انتحارية (طائرات بدون طيار) صنعتها إيران وتسبب في قتل وتدمير واسع النطاق يستدعي مراقبة “إسرائيل” وتعلمها، من الواضح أن الطائرات المسيرة التي استخدمت هي من نوع شاهد 136، سواء من خلال صورها في الجو، أو بناء على بقاياها في الأماكن المختلفة التي تعرضت للهجمات، على الرغم من أنها لا تبدو وسيلة حرب ذات قدرة حاسمة في الوقت الحالي، إلا أن الصور القادمة من أوكرانيا يجب أن تزعج كل مواطن وبالتأكيد كل صانع قرار في “إسرائيل” فيما يتعلق بجولة القتال القادمة التي قد تخوضها “إسرائيل”.

الحديث هنا يدور عن طائرات بدون طيار رخيصة نسبيًا (مقارنة بنماذج الطائرات بدون طيار الغربية التي تعمل بطريقة مماثلة) بسعر حوالي عشرين ألف دولار لكل واحدة، تمتلك الطائرات بدون طيار القدرة على حمل أسلحة يقدر وزنها بحوالي 40 كجم ومدى طيران يبلغ حوالي 2500 كم، أي قادرة على الوصول إلى “إسرائيل” سواء في مواجهة محتملة على الحدود وفي حالة الإطلاق من مسافة أكبر، على سبيل المثال من عمق في لبنان أو من داخل إيران نفسها، تحلق هذه الأدوات على ارتفاع منخفض نسبيًا، مما يساعدها عادةً على التهرب من الرادار (هناك أيضًا ادعاءات لم يتم إثباتها بالكامل بعد فيما يتعلق بقدرات تخفي معينة لهذه الوسائل) وهي تنتمي إلى عائلة “الذخيرة الجوالة” وتسمى أيضًا “طائرات بدون طيار “كاميكازي” (طائرات انتحارية) لأنها تصطدم بالهدف وتدمر نفسها عليه.

تعمل الذخائر الجوالة (أو التي تمكث في الجو) بشكل مستقل منذ لحظة إطلاقها في الجو، ويمكنها مهاجمة الأهداف دون توجيه يدوي بشري، ولكن وفقًا لمعايير محددة مسبقًا مثل: نقطة الإحداثيات أو البيانات التي يمكن تحديدها في الوقت الفعلي بواسطة أجهزة الاستشعار الموجودة على الطائرة، إشارات الرادار أو الحرارة أو الإشعاع، تعتبر مثل هذه الأدوات “أنظمة أسلحة قاتلة ذاتية التشغيل” أو “روبوتات قاتلة”، وهي أنظمة منذ عام 2013، وكجزء من المناقشات في الأمم المتحدة جرت محاولة للحد من استخدامها، لكن المناقشات في الأمم المتحدة منفصلة عن الواقع تماما.

الطائرات بدون طيار الإيرانية التي تسببت في الكثير من الدمار في كييف، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام الدولية، يرافقها أيضًا خبراء إيرانيون، عناصر من الحرس الثوري (الذي تعرفه الولايات المتحدة على أنه “منظمة إرهابية”) يقومون بتدريب القوات الروسية. لتشغيل الطائرات بدون طيار ومساعدتهم في الحرب في أوكرانيا، يبدو أن هذا يستند إلى خبرتهم العملياتية السابقة (التي ورد ذكرها في خطاب ألقاه في الأمم المتحدة في عام 2021 لرئيس الوزراء آنذاك نفتالي بينيت) مثل الهجمات في المملكة العربية السعودية أو أهداف أمريكية في العراق.

الهجمات الروسية تتحدى أوكرانيا لأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية التي لديها غير مناسبة للكشف عن أهداف صغيرة نسبيًا مثل الطائرات بدون طيار الإيرانية، في حين أن الأنظمة الموجهة بالرادار والمناسبة لكشف واعتراض الوسائل الصغيرة الموجودة في أيدي الأوكرانيين، وهي معدودة لا توفر غطاءً مناسبًا للبلد التي تتعرض للهجمات.

بينما تشير التقارير الإعلامية إلى أن الناتو سيرسل قريبًا المئات من أجهزة تشويش الترددات لمحاولة مساعدة أوكرانيا في التعامل مع الطائرات الانتحارية الإيرانية بدون طيار التي في أيدي روسيا، إلا انه ليس هناك يقين من أن هذا سيكون مفيدًا، لسببين رئيسيين:

السبب الأول: هناك حاجة إلى عدد كبير جدًا من أجهزة التشويش لمساعدة أوكرانيا للدفاع عن المواقع الحساسة.

السبب الثاني: أجهزة التشويش في الغالب تعيق الطائرات بدون طيار من إصابة الهدف بدقة ولكنها لا تخرجها خارج نطاق الاستخدام. ولأنه من الواضح أن الطائرات بدون طيار الإيرانية على أي حال ليست دقيقة للغاية، فإن استخدام أجهزة التشويش قد يتسبب في ضرر إضافي للمدنيين، وفي كل الأحوال أحيانا لا تكون هناك حاجة لهجوم واسع بعدد كبير من الطائرات بدون طيار، ولكن القليل منها فقط الذي سيتمكن من التهرب من الدفاع الجوي ويصيب أهدافا نوعية (مثل محطة توليد الكهرباء أو مقر قيادة عسكري).

أول معركة جوية بين الطائرات بدون طيار، وميدان المعركة في المستقبل

يدعي تقرير مثير للاهتمام من أوكرانيا أن “أول معركة جوية في العالم بين طائرتين بدون طيار” حدثت هناك. يظهر مقطع فيديو ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي حادثة فيها كواد كابتر متعددة الشيفرات من طراز DJI MAVERIC صينية الصنع (منتج متوفر، رخيص، متاح وسهل التشغيل لأي شخص) مستخدمة في أوكرانيا، تمكنت من إسقاط حوامة متعددة الشيفرات من خلال إصابة أحد شفراتها، لا يشبه الحدث المعارك الجوية بين الطائرات المقاتلة المأهولة لكن الغرض واحد، على الرغم من أن هذا مجرد مثال محدد، إلا أنه يكفي لكي يشهد على المستقبل ويذكرنا أيضًا بتهديد الحوامات وأهمية “الأنظمة الجاهزة المتوفرة في الأسواق” في ساحة المعركة.

بالنظر إلى ساحة المعركة في أوكرانيا من مسافة بعيدة، يبدو أن هذا هو تحقيق لتنبؤات “ساحة المعركة المستقبلية” التي يتواجد فيها عددًا كبيرًا من الوسائل غير المأهولة، ومع ذلك فهذه ليست “ساحة المعركة المستقبلية” التي توقعناها، لأنه بينما تستثمر العديد من الدول الغربية مليارات الدولارات في تطوير أنظمة عسكرية روبوتية ومستقلة مصممة لزيادة دقة إصابة الأهداف، بالإضافة إلى تقليل الضرر الذي يلحق بالأبرياء (وتقليل المخاطر على القوات التي تشغلها)، في حالة الطائرات بدون طيار الإيرانية على الأراضي الأوروبية تم تسجيل نقص كبير في الدقة إلى جانب الدمار والخسائر في أرواح المدنيين.

توصيات ل “إسرائيل”

يجب على “المنظومة الأمنية الإسرائيلية” أن تدرس الطائرات بدون طيار الإيرانية جيدًا لأنه على الرغم من أن جودتها وموثوقيتها ليست عالية مثل منتجات الصناعات الغربية، فإنها ستشق طريقها إلى الجولة التالية من القتال في منطقتنا وستتطلب ردا. على المدى الطويل، من الضروري أيضًا أن يتعلم “الجيش الإسرائيلي” ويستعد للتعامل مع تهديدات الوسائل الغير مأهولة المستقبلية التي ليست فقط جوية، لأنه من الواضح أن هذا هو التوجه الرئيسي للحرب المستقبلية، سواء كانت مع دولة أو غير دولة.

الهجمات على كييف تعلمنا درسًا سواءً حول مهاجمة أهداف عسكرية ومهاجمة الجبهة الداخلية المدنية، يشمل التغيير المطلوب في التقييمات أيضا الحاجة إلى الكشف المبكر، والذي في حالة الطائرات الصغيرة مثل شاهد Shahad-136 وما شابهها، بالإضافة إلى مختلف الحوامات يمثل تحديًا ويتطلب أنظمة مختلفة عن تلك الموجودة في “إسرائيل” اليوم والمنتشرة انتشارا واسعا.

التحضير مطلوب ليس فقط للدفاع عن الجبهة الداخلية، بل يُلزم “الجيش الإسرائيلي” بالتعامل مع كل ما يتعلق بحماية القوات البرية أيضًا، لأن طائرات شاهد بدون طيار التي تهاجم وفقًا لنقطة الإحداثيات التي يتم تغذيتها بها مسبقا لا تشكل تحدياً كبيراً للقوات المناورة (التي تتحرك وليست في نقطة إحداثية ثابتة، على عكس مقر القيادة على سبيل المثال)، باستثناء القوات الموجودة في مناطق التجمع.

ومع ذلك، نظرًا لأن الطائرات بدون طيار بشكل عام، بما في ذلك الحوامات الانتحارية، التي يتم تشغيلها بواسطة مشغل بشري وتمكن من تتبع قوة متحركة، تخلق تحديًا ذا طبيعة مختلفة عن ذلك المتجسد في الدفاع عن المواقع الثابتة أو الجبهة الداخلية ضد الهجمات الجوية، وهذا التحدي بالمناسبة لا يشغل فقط “إسرائيل” ولكن أيضا حلف شمال الأطلسي والأمريكيين، يتطلب هذا التهديد متعدد الطبقات على القوات البرية الاهتمام على مستوى بناء القوة، ولا يتطلب فقط التكنولوجيا ولكن أيضًا تغيير مفاهيم التشغيل والتدريبات المناسبة.

كذلك في نفس الوقت الذي يتم فيه توسيع انتشار أنظمة الاعتراض، وفي ضوء حقيقة أنه حتى أفضل الأنظمة لا توفر حماية محكمة، يجب التعامل مع الاستعداد لامتصاص الضربات واستعادة البنى التحتية الحيوية في الجبهة الداخلية بأكملها، تظهر القضية بالتفصيل في تقرير “مراقب الدولة”، ومن الواضح أن الثغرات اليوم لا يتم معالجتها بشكل كاف، ربما بسبب معدلات النجاح العالية لاعتراضات القبة الحديدية في جولات القتال التي يخوضها “الجيش الإسرائيلي” في الجنوب.

تتطلب هذه القضايا الاهتمام من قبل المنظومة الأمنية في المستقبل القريب؛ لا يمكن معرفة متى ستندلع الجولة التالية من القتال التي ستشترك فيها “إسرائيل”، وربما حتى ما اعتيد تسميته “حرب الشمال الأولى”، ستساعد المعالجة الجادة للقضية في تقليل خطر أن تظهر مدن أو بلدات في “إسرائيل” مثل كييف في أكتوبر 2022، بعد هجوم الطائرات الإيرانية بدون طيار.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى