مقالات

إجراءات الدفاع السلبية كفيلة بـإخصاء القُدرات “الإسرائيلية”

الهدهد/ أ.عبد الله أمين خبير عسكري وأمني

 في الأصول؛ تقوم الدول ببناء أجهزتها الدفاعية بناء على ثلاث نظريات للدفاع ، الدفاع العامل أو ما يعرف بالدفاع النشط أو الأيجابي ، والدفاع السلبي أو الدفاع غير العامل ، أوقد تعمل الدولة إلى بناء قدارتها الدفاعية في إقليم من أقاليمها بناء على نظرية الدفاع السلبي وفي أخرى بناء على نظرية الدفاع الاجباي أو النشط ، وهو ما يعرف بادفاع المركب . وهذه النظريات ينبنى عليها تقرير مسار بناء القوات للدول ، والتي من خلالها تعمد إلى تخصيص قدراتها وترتيب أولوياتها . هذا الأمر كما أنه ينطبق على الدول والوحدات السياسية المستقلة والمستقرة ؛ فإنه أيضاً ينطبق على حركات المقاومة والتحرر ، ولكنه في حق الثانية ــ حركات المقاومة والتحرر ـ أوجب منه في حق الدول . وعليه وانطلاقاً من هذه المقدمة التأصلية السريعة ، فإننا سنناقش في هذه المقالة ، كيف يمكن أن تكون إجراءات الدفاع السلبية ، الأداة الناجعة في ( إخصاء ) القدرات الأسرائيلية . ولكننا قبل ذلك سنعرف في عجالة وبما يسمح به المجال ؛ كل من أنواع الدفاع المشار لها ، ثم سنتطرق إلى مركز ثقل القدرات الإسرائيلية ، لنختم ببعض طرق العمل التي نعتقد أنها قادرة على القيام بتعطيل أو (إخصاء ) القدرات الأسرائيلية .

أولاً : الدفاع العامل أو النشط أو الإيجابي :
هي الطريقة التي تبني على ضوئها الدول والحركات جهازها الدفاعي والتي تستخدم فيها كل ما يصل إلى يدها من قدرات قتال دفاعية تتناسب مع التهديدات والمخاطر الناتجة عن عدوها الفعلي أو المفترض ، فهي ـ الدول ـ تعمد إلى تعريف قدرات العدو البرية والجوية والبحرية والسيبرانية و … ، محددة نقاط قوتها وضعفها ، ومن ثم تعمد إلى تأمين ونشر أدوات ووسائل دفاعية ، يؤمن استخدامها وقف وسلب قدرات العدو حرية العمل والمناورة ، فتحمي ــ الدولة المستهدفة ـ  بذلك مراكز ثقلها المادية والبشرية والتقنية ، من أن يصبها بأس قوة العدو . وهذه الوسائل ، تبدأ من الأسلحة الفردية التي يمتلكها جنودها على خطوط الجبهة مروراً بأنظمة الدفاع الجوي المحمولة على الكتف ــ أرض جو ــ من صواريخ مضادة للطائرات والمركبات الجوية ، وكذا منظومات الدفاع الجوي المحمولة على عربات مدرعة أو غير مدرعة ، والأسلحة الرشاشة المضادة للطائرات ، أو الطائرات المطاردة التي تحمل اسلحة اشتباك جوـ جو ، وصولاً إلى أنظمة الدافع ضد الاهداف البحرية بمختف أصنافها ؛ سطح سطح ، سطح جو ، أرض سطح ، جو سطح وغيرها من المنظومات التي لا يتسع المقال لذكرها .

ثانياً الدفاع السلبي أو الغير العامل أو الدفاع الخامل :
وهي طريقة الدفاع التي تعمد إليها الدولة أو الحركة ، بهدف تقليل البصمة الرادارية  لمختلف قدراتها القتالية ؛ المادية والبشرية ، بحث يصعب على قدرات العدو وراداراته من تعقب هذه البصمات وتحديد أمكان تواجدها وطريقة حركتها ؛ لتعمد بعد ذلك إلى ضربها وتدميرها ، وتشمل هذه الوسائل وطرق العمل ، طيف واسع من الإجراءات والتكتيكات والمقتنيات ، بحيث يضيق المجال عن حصرها ؛ فهي تبدأ من الحفر الفردية التي يعمد المقاتلين إلى الاختباء والتستر في داخلها مروراً بالانفاق والمغاور والأغطية النباتية التي تعمل تحتها القوات المسلحة ، مروراً بشباك التمويه والألوان التي تطلى بها المركبات والمقرات لتتماهي مع محيطها ، فتصغر بصماتها الرادارية والحرارية ، فتسلب من العدو حرية العمل وأمن المناورة .

ثالثاً : الدفاع المركب :
وهو عبارة عن مزج بين وسائل وتكتيكات الدفاع السلبي والدفاع الإيجابي ، وفق مايتطلبه الموقف ، والمخاطر الناتجة عن التهديدات ، وطبيعة الأرض التي ستخاض عليها المعارك والاشتباكات .

أما فيما يخص مراكز ثقل القدرات العسكرية الإسرائيلية ؛ فهي عبارة عن مجموعة من القدرات القتالية التي ترتكز في أصل عملها على :

  1. القدرات الاستخبارية :

فالاستخبارات وجمع المعلومات ، هي الركيزة الاساسية لأي قوات عسكرية ؛ من خلالها تعرف عدوها ونقاط ضعفه وقوته ، ومركز ثقله وأماكن انتشاره ، وبدون هذه الركيزة فإن القوات المسلحة بمختلف صنوفها لا تعدو أن تكون نمراً  من ورق وفيلاً ضخماً بلا عيون ، وأسد مهيب الشكل بلا أعين ، فيخبط خبط عشواء ، فإن نجح مرة ، فسيفشل مرات . والعدو الاسرائيلي ، يخصص كثير من القدرات المادية البشرية على تقوية هذه الركيزة ، وما سلاح جوه المسير ووحدات جمعه للمعلومات وعلى رأسها الوحدة 8200 ، ومصادره البشرية وعملائه ، إلا نموذج صغير من نماذج أدواته في تقوية قدراته الاستخبارية .

  1. القدرات الجوية :

يلي ذلك ما يملكه العدو من قدرات نار جوية ، يفعّلها من خلال سلاح جوه القاذف ؛ المأهول منه والمسير ، والطائرات المطاردة ، وناقلات الجنود التي تقوم بعمليات الانزال خلف الخطوط ، وكلها قدرات في حال تمت المناورة فيها بشكل محترف ، فإنها قادرة على أن تقلب ظهر المجن لأي خصم أو عدو يقف في مواجهة هذه الآلية العسكرية الحديثة .

  1. النار البرية :

وهي عبارة عن أسلحة المدفعية ؛ قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى ، بما تشمله من مدفعية ميدان محمولة أو ذاتية الحركة ، أو سلاح دروع من دبابات وناقلات جند مسلحة بمدافع الهاون ، والهاوتزرات ، وغيرها الكثير من أسلحة المدفعية ، التي تقوم بعمليات التمهيد الناري على الأهداف قبل اقتحامها ، وكذا تغطية تقدم سلاح المشاة للوصول إلى منطقة الاشتباك مع العدو .

  1. القدرات السيبرانية :

هذا النوع من القدرات ، دخل ساحة المعركة في العقد الأول من القرن العشرين ، وهي قدرات بقدر ما تحمله من نقاط قوة وأفضلية لمن يمتلكها ؛ بقدر ما تحمل من نقاط ضعف ومقتل لمن لا يحسن العمل عليه والمناورة بها ، خاصة في الدول المتقدمة ــ وعدونا من هذا الصنف ــ  والتي أصبحت مجمل حياتها المدنية والعسكرية ، قائمة على كثير من هذه القدرات والتكنلوجيات .

فإذا كان هذا هو الموقف ، وتلك هي طرق الدفاع ، وذاك هو العدو ومراكز ثقله وارتكازه ، فكيف يمكن أن تكون إجراءات الدفاع السلبية قادرة على ( إخصاء ) ما ذكر من تلك القدرات ؟ وما هي طرق العمل الكفيلة ، بخفض البصمة الرادارية والحرارية لقدرات المقاومة إلى أقل حد بحيث لا يستطيع العدو ضربها واخراجها من المعركة ؟

أولى هذه الإجراءات والتوجيهات ، هي المحافظة على سرية التحركات وأمن المعلومات ، وتفعيل كامل الاجراءات التي تحفظ أصل التأمين الشامل ــ أمن الأفراد ، أمن المقرات ، أمن المعلومات ــ وعدم التهاون بأي محاولة أو التقليل من أي طرف خيط قد يوصل العدو إلى رسم كامل المشهد لما تملكه المقاومة من قدرات . ومن ضمن هذه الإجراءات ، الإدارة الحكيمة للمعارك والاشتباكات التي تقع بين المقاومة والعدو ، فقد يكون أحد أهم أهداف مثل هذه الاشتبكات والاحتكاكات ، هو الاستطلاع بالقوة لما تملكه المقاومة من قدرات ، وطرق تفعيلها عند الملمات .

وهذه الإجراءات ــ إجراءات الأمن الشامل ــ تمتد لتشمل طيف واسع جداً من الأعمال والتكتيكات ؛ من التماهي مع المحيط ، إلى استخدام الأرض وطبوغرافيتها بشكل صحيح ، إلى التدرع بالارض من خلال الانفاق والممرات تحت أرضية ، إلى نشر أدوات الدافع الجوية النارية بشكل مناسب وآمن بحيث لا تحيّد مع أول المعركة ، وغيرها من التكتيكات وطرق العمل .

كما يعد الاشتباك مع العدو ضمن مسافات الأمن لأسلحته وقدراته القتالية ، أحد طرق الدفاع السلبي ، بحيث لا يستطيع العدو تأمين نار الإسناد أو التغطية لقواته الآلية أو الراجلة عند احتكاكها مع قوات المقاومة ، فمثل هذا الاشتباك من على هذه المسافات ؛ كما أنه يحيد قدرات العدو عن العمل ، فإنه يخلط بصمات المقاومة الرادارية والحرارية ، مع بصمات العدو ، الأمر الذي يفقده نقطة قوة مرتبطة بقدراته القتالية .

وحيث أننا نعيش في زمن الجيل الخامس من الحروب ، الجيل الذي أصبحت تدار فيه المعارك من خلف شاشات البلازما ، ويحضر فيه القائد في الصفوف الأولى موجهاً ومصححاً من خلال ما يملك من قدرات جوية تسطح له أرض المعركة وهو في مكتبه ، وتجعله يتحكم بمسار المعارك من خلال ما يراه عبر شاشة كمبيوتره في مكتبه ؛ فإنه يلزم مع مثل هذه التقنيات ، محاولة معرفة نقاط قوة وضعف هذه المنظومات ، وما الذي يؤثر على فاعليتها وكفاءتها ، وكيف يمكن أن يشوش عليها ويفقدها سلامة رؤيتها وسلاسلة تحكمها ، فيُعمل على ضرب هذه المنظومات . وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عدو المقاومة أحد ملّاك ناصية هذا العالم ، والعمل على مجاراته أمر غير صحيح ، فهو يسبق المقاومة بمراحل ، وأتمتة المعركة ؛ أدوات وساحات ، سيصب في مصلحته حكماً ، وعليه فكلما قللت المقاومة من الركون إلى التقانة والتقنيات ، وعاشت بوسائل الماضي في إدارة المعركة وأثناء المناورات ، كلما حرمت العدو من مصدر مهم ورئيس من مصادر المعلومات التي يحتاجها كركيزة أساسية في تطوير وتفعيل المناورة بالقوات .

هذا ما وسعه المقال من ذكر وتفصيل في هذا المجال ، والمقاومة التي تواجه مثل هذا العدو ، لا تركن ــ وهي لا تركن ــ إلى المعسول من التقديرات وما يقال في ذكر قواتها من معلومات ، فقد يكون الهدف من هذا كله المد لها وتركها في ( غفلة ) عما يدور ، لذلك فهي ــ يجب أن لا تركن لما يقال ، ولا تنم ــ وهي لاتنم ـ عن عدوها ولو كان نملة .

أضف تعليقك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق