أخبار رئيسيةشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

الولايات المتحدة وحلف الناتو على مفترق طرق فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا

ترجمة الهدهد

معهد دراسات الأمن القومي/ إلداد شافيت- شيمون شتاين

إن قرار الرئيس بوتين بضم أربع مناطق من أوكرانيا، ونضاله ضد الغرب يُنظر إليه على أنه صراع وجودي، بينما يعترف بتصميمه على الدفاع عن الأراضي المضمومة ويوجّه تهديدات ضمنية حول إمكانية استخدام أسلحة غير تقليدية، يزيد بشكل كبير من مخاطر التصعيد، وبالتالي فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يقفون الآن على مفترق طرق، ويبدو أن سلوك روسيا سيجبرهم على صياغة إستراتيجية من شأنها أن تزيد من التحدي المتمثل في دعم أوكرانيا دون الانجرار إلى الحرب مع روسيا، حتى الآن، وبغض النظر عن التهديد برد “جاد وحاسم”، حافظت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو” على رد مستتر على استخدام روسيا المحتمل للأسلحة غير التقليدية، وقد يكون الرد سياسياً (قطع العلاقات) واقتصادياً، لكن لا يمكن استبعاد رد عسكري تقليدي، بينما يعتبر التصريح الرسمي ل “إسرائيل” – التي امتنعت حتى الآن عن الاستجابة لطلب أوكرانيا بمدها بالمساعدة العسكرية – بأنها لن تعترف بضم روسيا للمناطق الأوكرانية كخطوة إيجابية، لكنها غير كافية، ويجب على “الحكومة الإسرائيلية” الوقوف بوضوح إلى جانب أوكرانيا، بما في ذلك الاستجابة لطلباتها العسكرية، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تقف إلى جانب الولايات المتحدة في الصراع، ما سيؤثر على تشكيل النظام العالمي المستقبلي والدور القيادي للولايات المتحدة.

تستمر الإدارة الأمريكية في تصريحاتها الحازمة بشأن تصرفات روسيا في الحرب في أوكرانيا، رداً على قرار روسيا بضم أربع مناطق من الأراضي الأوكرانية، حيث أدان الرئيس بايدن هذه الخطوة، ووصفها بأنها غير شرعية، وذَكَرَ أن الولايات المتحدة ستواصل مساعدة أوكرانيا على استعادة سيطرتها على أراضيها من خلال تعزيز قدراتها العسكرية والدبلوماسية، كما حذر بايدن موسكو من أن واشنطن ستدافع عن كل شبر من أراضي الناتو، كما أكد الأمين العام لحلف الناتو “ينس ستولتنبرغ” أن تصرفات روسيا تشكل تصعيداً خطابياً لم يشهد مثله منذ بداية الحرب.

حظيت تهديدات الرئيس بوتين الضمنية بشأن إمكانية استخدام الأسلحة النووية باهتمام كبير في واشنطن، وتشعر الإدارة الأمريكية بالقلق بشكل متزايد من أنه في ضوء نجاح أوكرانيا في هجومها المضاد، فإن احتمالية حدوث هذا السيناريو قد ازدادت، حتى لو أكدت مصادر في البنتاغون في الوقت الحالي أنه لم يتم تحديد أي علامات ملموسة، على أي حال، صرحت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها في الناتو مراراً وتكراراً أن الرد على أي استخدام للأسلحة النووية سيكون حاسماً، وأكد مستشار الأمن القومي الأمريكي أن الإدارة الأمريكية قد أبلغت الكرملين بشكل مباشر وسري وعلى مستويات عالية جداً بأن أي استخدام للأسلحة النووية سيقابل بعواقب وخيمة على روسيا، وأن الولايات المتحدة وحلفاءنا سوف يستجيبون بشكل حاسم.

حتى الآن، ركزت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها على فرض عقوبات واسعة النطاق على روسيا، ساعدت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو أوكرانيا في التزود المستمر بأنظمة الأسلحة، والتي ساهمت بشكل كبير في قدرتها على القتال وفي نجاحاتها العسكرية، بما في ذلك في الهجوم المضاد الذي نُفذ في الأسابيع القليلة الماضية.

رداً على الإجراءات الروسية، بعد خطاب الضم، فرضت الإدارة الأمريكية ودول أخرى عقوبات إضافية على موسكو، ويعتزم الكونجرس الموافقة على حزمة أسلحة أخرى لأوكرانيا تبلغ قيمتها حوالي 1.1 مليار دولار، ومع ذلك، حتى الآن تمتنع الإدارة الأمريكية عن تحديد كيف ترى اللعبة النهائية، وبغض النظر عن تصريح لوزير الدفاع “لويد أوستن” في مؤتمر صحفي بعد زيارة أوكرانيا، أن هدف الولايات المتحدة هو إضعاف روسيا بحيث في المستقبل لن تكون قادرة على تكرار ما فعلته في أوكرانيا، وتؤكد الإدارة الأمريكية رغبتها في ضمان سيادة أوكرانيا، ففي 31 مايو، صرح رئيس نيويورك تايمز أنه من وجهة نظر بايدن، يجب أن يشمل الهدف استعادة سيطرة أوكرانيا على جميع الأراضي التي استولت عليها روسيا، وجعل روسيا تدفع ثمناً باهظاً، وعلى نطاق أوسع تهدف الإدارة الأمريكية أيضاً إلى تعزيز الردع ضد الصين في ضوء الخطر المتمثل في أنها ستسعى إلى القيام بعمل عسكري لغزو تايوان وفرض سيادتها هناك، ومع ذلك، من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستحقق أهدافها، ومن الواضح الآن أن سياستها الحذرة والمترددة في بعض الأحيان لم تمنع بوتين المشبع بمهمة تاريخية من مواصلة الحرب بل وحتى تصعيدها.

يجب على واشنطن صياغة إستراتيجية متابعة للحرب في أوكرانيا، ومن المرجح أن تعالج عملية صنع القرار في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى عدة معضلات، والتي بدورها ستساهم في السياسة المختارة بينهم:

الامتناع عن الانجرار إلى الحرب ضد روسيا: تحدٍ أصبح صعباً للغاية، خاصة بعد إعلان الضم والتهديد بأن الهجوم على هذه المناطق سيعتبر هجوماً على روسيا، فحتى الآن، تصر الولايات المتحدة وحلف الناتو على مطالبة أوكرانيا بعدم مهاجمة الأراضي الروسية، بل إنها امتنعت عن الاستجابة لطلب أوكرانيا بتزويدها بأسلحة متطورة بعيدة المدى، بسبب مخاوف من التصعيد، أصبح هذا المخطط الآن إشكالياً للغاية عندما يُتوقع استمرار الحملة العسكرية، وتستعد الإدارة الأمريكية لاحتمال أن ينفذ بوتين تهديده ويستخدم أسلحة غير تقليدية، أثناء محاولتها ردع الروس عن اتخاذ مثل هذه الخطوة الجذرية، فإنها تأخذ في الاعتبار إمكانية أن يكون لاستخدام الأسلحة النووية حتى لو كان تكتيكياً عواقب إستراتيجية قد تتطلب تغييراً في سلوك الغرب، في الوقت الحالي، بصرف النظر عن التهديد برد جاد تحافظ الولايات المتحدة وحلف الناتو على طبيعة ردهما، وليس من الواضح ما إذا كانت الإدارة الأمريكية قد اتخذت بالفعل قراراً وما إذا كان قد تم التوصل إلى اتفاق مع حلفائها، على أي حال، من المحتمل أن يتأثر الرد أيضاً بالمخاوف من التصعيد بين أعضاء الناتو بما في ذلك ألمانيا وفرنسا، ومن الممكن أيضاً (حتى لو بدت فكرة ضعيفة) أن استخدام روسيا للأسلحة غير التقليدية يمكن أن يعزز في الواقع ديناميكية تؤدي إلى وقف إطلاق النار بعد أن مارست الولايات المتحدة ودول أخرى ضغوطاً على أوكرانيا لتسوية العودة إلى خطوط فبراير، بحيث يتمكن بوتين من تقديم إنجاز.

الحفاظ على التنسيق والتعاون بين الولايات المتحدة وحلفائها: تتعرض القيادات الأوروبية لضغوط كبيرة خاصة على خلفية نقص الغاز الطبيعي وما ينتج عنه من ارتفاع في الأسعار، وسيزداد هذا فقط مع اقتراب فصل الشتاء، حيث هناك بالفعل ضغوط الآن لدفع الإجراءات لإنهاء القتال، حتى لو اضطرت أوكرانيا لدفع ثمن إقليمي، وحتى لو كانت الردود على إعلان الضم مؤكدة، فمن المفترض أن الخوف من التصعيد سيؤدي إلى زيادة الدعوات لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى حلول وسط مع روسيا، على أي حال، يبدو أن بوتين سيواصل جهوده لتوسيع الشقوق بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، والهجوم خلال الأيام القليلة الماضية، على ما يبدو من قِبَل روسيا على خط أنابيب “نورد ستريم 1 و 2″، يهدف إلى إحداث تأثير نفسي والمساهمة في زيادة أسعار الغاز، بصرف النظر عن وعدها بتوريد الغاز المسال، فإن الإدارة الأمريكية ليس لديها إجابة للاحتياجات الأوروبية.

الضغط الداخلي داخل الولايات المتحدة: في الوقت الحالي، امتنعت الإدارة الأمريكية عن ربط سياستها المتعلقة بالأزمة في أوكرانيا بالقضايا المحلية للولايات المتحدة، ومع ذلك، فإن توقعات زيادة التضخم وخطر الركود يمكن أن تكثف الضغط المحلي على الإدارة الأمريكية لقَبول الحاجة إلى تقديم صيغة مع أوكرانيا من شأنها أن تمكن من إنهاء القتال، خاصة إذا زاد خطر التدهور وبات يؤثر على الاقتصاد، مع بداية سباق الانتخابات الرئاسية لعام 2024 الذي يلوح في الأفق، مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

إرث الرئيس بايدن: من المشكوك فيه أن سياسة بايدن تجاه أوكرانيا قد ساهمت بشكل كبير في التحسن الطفيف الأخير في تصنيف شعبيته، ومع ذلك، ربما يراها الرئيس على أنها مكون مركزي في إرثه وقدرته على تقديم الإنجازات في الأجندة التي يسعى إلى تعزيزها، لا سيما تعزيز مكانة الديمقراطيات مقابل الأنظمة الاستبدادية، علاوة على ذلك، في رأيه نجحت الولايات المتحدة في استعادة مكانتها كقوة رائدة، ومن وجهة نظره فإن لهذا تداعيات إيجابية على الصراع ضد الصين ومحاولة الدول الأخرى التأثير على نظام عالمي جديد وموقفها تجاه الولايات المتحدة.

حتى الآن اختارت “إسرائيل” عدم الاستجابة لطلبات أوكرانيا للمساعدة العسكرية في الحرب، كما أنها ليست شريكاً نشطاً في جهود الإدارة الأمريكية لزيادة المساعدات الدولية لأوكرانيا وبالتالي سيكون التأثير بشكل مباشر على نتائج الحرب والصراع بين القوى العظمى التي تدور حوله، وإن قرار “إسرائيل” بالإعلان بشكل لا لبس فيه أنها لن تعترف بنتائج الاستفتاءات في مناطق أوكرانيا أو قرار روسيا بضمها خطوة إيجابية لكنها غير كافية، فيجب على “حكومة إسرائيل” أن تقف بوضوح إلى جانب أوكرانيا، بما في ذلك الاستجابة لطلباتها العسكرية، ويجب أن تقف بلا تردد إلى جانب الولايات المتحدة في الصراع، الأمر الذي سيؤثر بلا شك على تشكيل النظام العالمي المستقبلي ومكانة واشنطن ومكانتها في هذا الإطار.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى