أخبار رئيسيةترجماتشؤون فلسطينية

لمحة عن السموم التي على رف “الجيش الإسرائيلي”

الاغتيال الفاشل لخالد مشعل

ترجمة الهدهد
هارتس/ يوسي ميلمان

في 25 أيلول 1997 أي قبل 25 سنة حاول مقاتلو وحدة العمليات في الموساد “كيدون” اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان، وتم اختيار طريقة “صامتة” للعملية.

حمل أحد المقاتلين سماً في سلاحه وقام برشه على أذن مشعل، الذي انهار خلال فترة وجيزة على درج يؤدي إلى مكتبه في العاصمة الأردنية.

وبحسب نظرية الموساد القتالية، يجب أن يتواجد قائد كبير في مسرح العمليات أو في مكان قريب، ويرافقه أيضاً طبيب في نوع من “خدمة الاحتياط” وظيفته هي علاج المقاتلين إذا لزم الأمر بعيداً عن المشافي المحلية، وفي عملية تصفية خالد مشعل تحديداً كانت طبيبة حاضرة هناك.

ورافق مجموعة الاغتيال “ميشكا بن دافيد” الذي كان ضابط مخابرات في شعبة عمليات “قيسارية” الذي تنتمي إليه وحدة “كيدون”، كانت مهمتهم هي الاحتفاظ بالمادة المضادة للسم المستخدم، وتم الاحتفاظ بعبوة أخرى بالمادة المضادة في مكان آخر في المملكة الهاشمية.

إن فشل عملية اغتيال مشعل هو نتيجة الافتقار إلى الاستخبارات السياسية والعملياتية، وهي خطاً جميع المتورطين: بداية من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مروراً برئيس الموساد داني ياتوم، “ح” رئيس شعبة “قيساريا “، و”أ” قائد “كيدون” وصولاً إلى المقاتلين في الميدان.

تم القبض على مقاتلين اثنين، ولجأ أربعة إلى “السفارة الإسرائيلية” في عمان، وتمكن عدد آخر من الفرار من الأردن، أدى فشل العملية إلى حدوث أزمة غير مسبوقة في العلاقات بين البلدين، بعد ثلاث سنوات من توقيع اتفاقية السلام بينهما، وأضر بالعلاقات الحميمة التي تربط “قادة إسرائيل” بالملك حسين منذ فترة طويلة.

انتهى الأمر فقط بعد أن قامت الطبيبة وبن دافيد بإعطاء المادة المضادة للسم لضابط مخابرات أردني، والذي نقله إلى طبيب أردني، وحقنه في جسد مشعل المحتضر، ومن أجل إنقاذ علاقتها مع الأردن، كان على “إسرائيل” أن تنقذ حياة عدوها اللدود.

كانت العملية في الأردن هي المرة الأولى التي تعترف فيها “إسرائيل” علانية بوجود سموم في ترسانتها من أدوات الاغتيالات، وفقاً لما نشرته وسائل إعلامية أجنبية، يتم إنتاج السموم في المعهد البيولوجي في نيتسيونا، وقد استخدمتها “إسرائيل” حتى من قبل.

كان هذا هو الحال عندما قام عناصر وحدة “تسوميت”، القسم المسؤول عن تجنيد العملاء، بتجنيد وكيل (عميل) لوديع حداد، مهندس عمليات اختطاف الطائرات بشكل عام ومخطط عملية اختطاف طائرة تابعة لشركة “إير فرانس”، إلى عنتيبي عام 1976 على وجه الخصوص.

علم الموساد أن حداد كان مولعاً بالشوكولاتة الغربية الصنع، لذلك أرسل في عام 1978 إلى مكان إقامته في العراق، من خلال الوكيل المعين، شوكولاتة من صنع شركة “كادبوري” اشتراها في بلجيكا، تم تسميم الشوكولاتة، وتوفي حداد والذي كان يعاني من أمراض كامنة قبل عملية التسميم، بعد بضعة أسابيع في مستشفى بألمانيا الشرقية.

في عام 2010 بعد 13 عاماً من تسميم مشعل، نُسبت تسمم آخر لمسؤول كبير في حماس إلى الموساد: محمود المبحوح، المسؤول عن تهريب الأسلحة للتنظيم من إيران إلى قطاع غزة، عُثر عليه ميتاً في غرفته بالفندق في دبي.

تمكنت شرطة دبي من ربط العملية “بإسرائيل” من خلال التحقيق الذي أجرته ومتابعة الكاميرات الأمنية المنتشرة في المدينة، وكشفت نوع السم الذي يستخدمه جنود الموساد وهوياتهم المزيفة والبنى التحتية للاتصالات والمالية التي خدمت العملية والعمليات السابقة.

عملية “أرسل خبزك” (مصطلح توراتي “أرسل خبزك على وجه المياه، لأنك تجده في معظم الأيام” يعني: يجب على الإنسان أن يتصرف بلباقة، لأنه من الممكن أن يكافأ عليه في المستقبل).

تعد استخدام الأسلحة البيولوجية انتهاكاً للقانون الدولي ومخالفاً لاتفاقية جنيف منذ عام 1925.

يمكن الافتراض أن هناك عمليات اغتيال أخرى بادرت بها أجهزة “المخابرات الإسرائيلية” استخدم فيها السم كسلاح، لكنها لم تلفت انتباه الجمهور ولم تنشر، المنشورات الأجنبية حول هذا الموضوع قد تحرج “إسرائيل”.

في ضوء هذه الخلفية من المثير للاهتمام قراءة المقال الذي نشره مؤخراً الأستاذان بيني موريس وباز كيدار، والذي يستعرض (لسوء حظ المؤسسة الأمنية) الجهود التي بذلها “الجيش الإسرائيلي” لتسميم آبار المياه ونشر الأمراض بين السكان العرب والجيش المصري والفيلق الأردني خلال حرب الاستقلال.

في إطار هذه الجهود قام رئيس الوزراء ووزير الجيش دافيد بن غوريون، واللواء يوحانان راتنر، ويغال يادين، الذي كان قائماً بأعمال رئيس الأركان، وضباط كبار آخرين وجهات أخرى، مثل البروفيسور إفرايم كاتسير، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للدولة، في هذه الجهود.

في الماضي حاول الصحفيون (بمن فيهم المؤلف) التحقيق في القضية، لكنهم اصطدموا بجدار المؤسسة الأمنية.

ما يميز المقال الحالي “ألقِ خبزك”: الحرب البيولوجية الإسرائيلية خلال حرب عام 1948″ (Cast thy Bread: Israel biological warfare during 1948 war) عن المنشورات السابقة هو أنه يستشهد بوثائق رسمية “للجيش الإسرائيلي” وليس “منشورات أجنبية” فقط.

كشف موريس وكيدار أن اسم عملية التسمم واسعة النطاق كان “أرسل خبزك”، وقد تم تحضير السموم من قبل علماء فيلق العلوم، التي أسسها البروفيسور أهارون كاتسير وأدارها شقيقه افرايم، وكانت مساعدته طالبة أحياء تدعى أيالا روبنشتاين.

كان لدى فيلق العلوم ثلاثة أقسام: الكيمياء والأحياء والنووية، وكان رئيس قسم الأحياء أليكس كينان، الذي أسس المعهد البيولوجي في نيسيونا عام 1952.

وبحسب المقال في 21 مايو 1948، بعد أسبوع من إعلان الدولة، تم إرسال عزرا حورين وديفيد مزراحي إلى غزة بهويات عربية، وتم القبض عليهم واستجوابهم وتعذيبهم واعترفوا بأن هدفهم كان تسميم آبار المياه في قطاع غزة، وحكمت عليهم محكمة عسكرية مصرية في غزة بالإعدام وتم إعدامهم.

حتى قبل ذلك في نيسان 1948 بحسب موريس وكيدار، أمر يادين (يغائيل يادين القائد الثاني لأركان جيش العدو) بموافقة بن غوريون، بعملية واسعة النطاق لتسميم الآبار ونشر الأمراض في القرى والمدن العربية في شمال البلاد وفي ممر القدس (ممر القدس هي منطقة جغرافية لمئات الآلاف من الدونمات بين القدس ووادي الخليل في فلسطين المحتلة، حدودها الشمالية هي الطريق القديم إلى القدس، ويحدها جنوباً وادي الصرار، وحدودها الغربية باب الواد).

يتضح تفكير العملية من حقيقة أن يادين أمر سلاح الجو بنقل المساعدة روبنشتاين “مع حمولة عشرة كيلوغرامات” إلى النقب وتم نقل السموم في زجاجات إلى وحدات في الجنوب.

بعض الضباط الذين اعترضوا اتصلوا بالفعل بقائد المنطقة حاييم بارليف، وعندما علم بالأمر نصحهم بالتخلص من الزجاجات.

على الرغم من ذلك شرب بعض البدو والجنود في “الجيش الإسرائيلي” السم ولحسن الحظ أصيبوا بإصابات طفيفة فقط.

كان الهدف الأساسي من هدم الآبار منع العرب من العودة إلى ديارهم.

في الشمال تم إدخال بكتيريا التيفود إلى آبار عكا، ووفقاً لتقارير الجيش البريطاني والصليب الأحمر، فقد توفي العشرات من السكان – ربما 65 – في تفشي المرض في قرية عيلبون لكنها فشلت.

كلف موشيه ديان بمهمة تسميم آبار القرى في ممر القدس ومنطقة أريحا.

قال ابنه آسي ديان: “بعد أسابيع قليلة من الغياب، عاد (موشيه ديان) في زيارة قصيرة لنهلال (مستوطنة نهلال تقع في شمال الكيان في مرج ابن عامر وفيها منزل موشيه ديان) وأحضر معه أنابيب اختبار تحتوي على التيفود، في قارورة مصممة لتسميم مياه الشرب للفيلق العربي”، (الجيش العربي الأردني في حينه).

وقال اسي دايان في فيلمه عن سيرته الذاتية عام 2012 بعنوان Life as Rumor،(الحياة كإشاعة): “انكسر أحد أنابيب الاختبار في المنزل ولم يكن من أصيب بالعدوى الأردنيين، بل أنا.. وعاد والدي إلى الجبهة واستلقيت في الفراش (مريض) لعدة أيام”.

في 23 أبريل أرسل دايان (كان اسمه الرمزي: موشيه نابتون) برقية إلى أليكس كينان كتب فيها “لقد بدأنا في التشغيل -أرسل خبزك- (شلخ لحميخ) كما هو مخطط له”.

من هذه المقالة وكذلك من وثائق أرشيف الدولة ليس من الواضح مدى نجاح الحرب البيولوجية، ويرجح أنها فشلت في معظم الحالات ما عدا في عكا.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى