أخبار رئيسيةشؤون دوليةمقالات إستراتيجية

الحرب في أوكرانيا وانعكاساتها على “إسرائيل” – توازن مؤقت

ترجمة الهدهد
معهد القدس للإستراتيجية والأمن
 اللواء (متقاعد) د. عيران ليرمان – نائب رئيس معهد القدس للإستراتيجية والأمن.

يبدو أن الحرب في أوكرانيا لم تنته بعد. بالنسبة ل “إسرائيل” فإن التغييرات التي تحدث سواء على المستوى الدولي وفي البيئة الإقليمية بسبب الحرب لها عواقب بعيدة المدى على بعض العناصر الأساسية للأمن القومي. استيقظ العالم الغربي فجأة على حقيقة التهديد العسكري. وإمكانية عقد صفقة موسعة مع ألمانيا في موضوع الدفاع الجوي المضاد للصواريخ جزء من توجه واسع يعزز مكانة “إسرائيل” كقوة مهمة في مجالات الصناعات الأمنية. يرافق ذلك أيضًا فهم متزايد لدوافع “إسرائيل” في بيئة محفوفة بالمخاطر. ضمن ذلك يُسهل وقوف إيران إلى جانب روسيا، العملية أو المَهمة التي تتعلق بالتحذير من طموحات طهران، بينما تعزز الإنجازات الأوكرانية في ساحة المعركة المعسكر الموالي للغرب و “إسرائيل” بشكل عام. كما أن حجم الهجرة إلى “إسرائيل” من أوكرانيا وروسيا معًا قد ازداد بشكل كبير.

الحرب في أوكرانيا كحدث تاريخي له ما بعده:

بعد سبعة أشهر من بدايتها، يمكن القول على وجه اليقين أن هذه هي أهم وأكبر حرب في أوروبا منذ عام 1945 وحدثًا تكوينيًا له ما بعده على المستوى العالمي بالنظر إلى المستقبل. وهي تطرح قائمة طويلة من الأسئلة والتحديات. بالإضافة إلى الخسائر الفادحة في الأرواح بين المقاتلين والمدنيين، والنطاق الذي لا يمكن تصوره للأضرار المادية (المقدرة بمئات المليارات، وستتطلب سنوات من جهود إعادة الإعمار عندما يحين الوقت، فإنها تضع على المحك بعض القضايا الأساسية للنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين:

1- المفارقة الروسية:
هناك فجوة آخذة في الاتساع بين ادعاءات موسكو بخصوص مكانتها في الساحة العالمية وقدراتها الفعلية. من المُسَلّم به أن الاتحاد الروسي قوة من الدرجة الأولى في مناطقه الجغرافية وفي نطاق قوته النووية وإلى حد ما لا يزال كعامل مركزي في اقتصاد الطاقة العالمي. من ناحية أخرى اتضح أن قوته العسكرية التقليدية وقدراته التكنولوجية والاستخباراتية أقل إثارة للإعجاب مما كان متوقعًا وكما توقع فلاديمير بوتين عندما خرج من المعركة، على المستوى الاقتصادي البحت فهذه قوة من الدرجة الثالثة، فالناتج المحلي الإجمالي لروسيا حتى قبل أضرار الحرب والعقوبات كان أصغر من مثيله في كوريا الجنوبية وأكبر بأربع مرات فقط من الناتج المحلي الإجمالي ل “إسرائيل”. كل هذا يزيد فقط من حدة العواقب المحتملة لاستمرار القتال، وبالتالي أيضًا من الأهمية التي توليها موسكو للإنجازات الإستراتيجية مثل تلك التي تمكنت من تحقيقها في سوريا منذ عام 2015، أي الاستفادة من الفرصة التي سنحت لها في اعقاب عزوف الغرب عن التدخل وترسيخ مكانة روسيا باعتبارها من أنقذ نظام الأسد.

2- بروز الهيكل الثنائي القطب:
تشكل الصين وروسيا تحديًا مشتركًا على الأقل على ما يبدو لكل من الهيمنة الإستراتيجية الأمريكية والقيم التي يقوم عليها النظام السياسي الغربي. وبالتالي فإنها تقف ضد المبادئ الديمقراطية الأساسية التي اختارت إدارة بايدن التأكيد عليها على عكس سابقتها،
وتعتبر كمبرر للدعم الواسع النطاق من الولايات المتحدة والغرب لموقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. كذلك يبدو أن “منظمة شنغهاي للتعاون” – التي انضمت إليها إيران مؤخرًا – هي منتدى يجسد بديلاً للغرب على الرغم من أن الهند ودول آسيا الوسطى غير المهتمة بالضرورة باتباع بوتين هي أيضًا شريكة فيها. من المهم أن نلاحظ أن عددًا قليلاً جدًا من البلدان فيما يسمى بـ “العالم الثالث” لا تشارك الغرب مشاعر الغضب تجاه غزو أوكرانيا، وهي حذرة من الإفراط في التطابق مع المواقف المعادية لروسيا وقرارات الأمم المتحدة.

 3- صحوة الوعي العسكري الأمني في الغرب:
حتى وقت قريب، كان بإمكان “مثقف إسرائيلي” مشهور عالميًا أن يدعي أن اللعنات الثلاث القديمة التي هددت الوجود البشري – المجاعة والأوبئة والحروب – أصبحت شيئًا من الماضي. لكن لسوء حظه اتضح أن احتمال نشوب حرب مدمرة على التراب الأوروبي أمر حقيقي لا يقل عن وباء العامين الماضيين، ولكن المجاعة التي حسب تنبؤات قاتمة من قبل مصدر محترم مثل “خبير اقتصادي”، قد تحل على مناطق واسعة من العالم بسبب الاضطرابات في سلاسل التوريد. إن عواقب هذه الرؤية مأساوية حتى لو لم يكن من السهل دائمًا ترجمتها إلى قرارات سياسية وقرارات متعلقة بالميزانية. يتضح هذا من خلال توجه حكومة “إشارة المرور” في ألمانيا (الاشتراكيون والخضر والليبراليون) والتي في منعطف حاد فيما يتعلق بمواقفها التي كان من المتوقع أن تتمسك بها، تقود هذه التشكيلة الآن خطوة لزيادة ميزانية الدفاع بمقدار مائة مليار يورو، والوصول في السنوات القليلة المقبلة إلى الهدف التاريخي لحلف الناتو (الذي كان أصر عليه ترامب!) المتمثل في تخصيص 2٪ من الناتج القومي الإجمالي للاحتياجات الأمنية. لم تكن ألمانيا الدولة الوحيدة التي توصلت إلى هذه الاستنتاجات. حيث يعد انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو وأيضًا النطاق الهائل للمساعدات العسكرية الأمريكية والأوروبية لأوكرانيا، أعراضًا تشير إلى تغيير عميق في الوعي حتى لو لم يكن القتال الفعلي إلى جانب الأوكرانيين على جدول الأعمال نظرًا للتهديد الروسي باستخدام الأسلحة النووية ضد أي دولة تشارك بشكل مباشر في القتال.

4 – اضطراب في سوق الطاقة:
بدلاً من التقديرات المتفائلة بأنه من المتوقع حدوث انتقال منظم إلى استخدام الطاقات المتجددة في العقود القادمة، والتي تم تخفيض أسعارها بشكل كبير بسبب التقدم التكنولوجي، الآن بعد الحرب والعقوبات والرد الروسي المضاد فيما يتعلق بإمدادات الغاز، تأتي المخاوف أو حتى القلق من شتاء بارد في أوروبا، ونقص عالمي من شأنه أن يزيد بشكل حاد من أسعار الطاقة وكذلك من التضخم. حتى لو كانت هناك أكثر من مرة مبالغات يقف وراءها مصالح معينة، حيث أن الحرب مستمرة ولكن أسعار النفط عادت وانخفضت، ويبقى كما هو الاعتراف بأنه في السنوات المقبلة على الأقل لا مفر من العودة إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة الأحفورية الأخرى وعلى المفاعلات النووية.

تقوية المكونات في معادلة “الأمن القومي الإسرائيلي”

لكل من الاتجاهات الموصوفة أعلاه تبعات مباشرة، بعضها طويل الأمد على “إسرائيل” ومكانتها العالمية والإقليمية. بالإضافة إلى الجوانب المأساوية للأزمة ومشاعر التعاطف التي يثيرها الموقف الأوكراني وشخصية زيلينسكي في “إسرائيل”، حتى لو كان هناك من يتساءل عن عقلانيته في نهجه أمام بوتين، فقد عززت الأزمة في جميع الجوانب تقريبًا عناصر معادلة الأمن القومي لدى “إسرائيل” وعززت من مكانتها على الساحة الدولية.

الهجرة..

عنصر لا يمكن المبالغة في أهميته من وجهة نظر وطنية وصهيونية، والذي يتجسد في زيادة كبيرة في عدد المهاجرين إلى “إسرائيل” في ضوء المحنة الشديدة في البلدين المتحاربين. أعداد كبيرة هاجرت منذ نهاية فبراير 2022 سواء من أوكرانيا التي أصبح الملايين من سكانها لاجئين، لكن اليهود من بينهم لديهم موطن يأتون إليه، أو من روسيا في ظل التدهور السريع في الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية وإعلان تعبئة جزئية لقوات الاحتياط. من الممكن أنه بسبب ذلك أيضًا اختارت السلطات في موسكو مضايقة “الوكالة اليهودية” في جميع أنحاء روسيا. وفقًا لبيانات وزارة الهجرة والاستيعاب في الأشهر الخمسة الأولى من الحرب تم تسجيل وصول أكثر من 12000 مهاجر من أوكرانيا وحوالي 19000 مهاجر من روسيا بزيادة تزيد عن أربع مرات مقارنة بالفترة المماثلة في عام 2021. ويضاف إلى ذلك أيضًا مساهمة اللاجئين الذين لا ينطبق عليهم قانون العودة ولكن “إسرائيل” استقبلتهم كبادرة إنسانية. حتى لو كان الواجب الصهيوني في ظل هذه الظروف متجذرًا في القيم الأساسية وليس في المصالح الملموسة، فإن التجربة السابقة تُظهر أن أي تأسيس ديموغرافي إضافي للجمهور اليهودي في “إسرائيل” له أهمية إستراتيجية أيضًا للاقتصاد الوطني على المدى الطويل.

البعد الدبلوماسي

خلقت الحرب (وإن كانت في مراحلها الأولى فقط) فرصة غير عادية وغير مسبوقة ل “رئيس وزراء إسرائيل” في ذلك الوقت نفتالي بينيت، للعمل كوسيط، أو على الأقل كرسول، في حدث يقف في مركز الاهتمام العالمي. بمعنى ما كان هذا مخرجًا جزئيًا من المعضلة الناشئة عن ضرورة الحفاظ على قناة حوار مع روسيا بسبب حساسية الوضع في سوريا وتكثيف “النشاط الإسرائيلي” ضمن معركة ما بين الحروب، وفي نفس الوقت مساعدة أوكرانيا في محاولاتها في تلك المرحلة الوصول إلى محادثات مع بوتين. واكتسبت دوافع “إسرائيل” واعتباراتها بقدر من التفهم في كل من واشنطن وموسكو، حتى لو عبّر زيلينسكي أحياناً عن انتقاده بأن “إسرائيل” تمتنع عن تزويد دولته بالسلاح وتكتفي بإمدادها بوسائل الحماية، مثل الخوذات والمساعدات الإنسانية.

ومنذ ذلك الحين أُغلقت نافذة فرصة الوساطة والتوافق السياسي المقبول لكلا الجانبين، وليس بالضرورة بسبب الاختلافات في اللهجة، وكان هناك مثل هذا بين بينيت وخليفته في رئاسة الوزراء يائير لبيد. في ظل الظروف التي نشأت لم تكن “إسرائيل” تملك خيار اتباع مسار عدم التضامن بينما موقف الولايات المتحدة والغرب هو موقف الدعم المطلق لأوكرانيا في حربها، وكما سيتم التأكيد عليه أدناه التشكل ثنائي القطب للنظام الدولي فيه مزايا أيضًا بالنسبة ل “إسرائيل” طالما استمر اعتبارها تابعة للغرب.

علاوة على ذلك: لم تكن قنوات الاتصال الشخصية والدبلوماسية الودية مع موسكو فقط هي التي مكنت من تنفيذ ترتيبات عدم التصادم مع الوجود الروسي في الأجواء السورية، ولكن أيضًا وقبل كل شيء، إلمام الروس بقدرات “سلاح الجو الإسرائيلي”. وفهمهم للنتائج المحتملة لصراع واسع النطاق وما يترتب عليه بالنسبة لمستقبل نظام الأسد، الذي استثمروا كثيرًا في بقائه. في واقع الأمر، فإن الترتيبات وقناة الاتصال بين مقر قيادة سلاح الجو والقاعدة الروسية في حميميم صمدت حتى مع اشتداد التوتر السياسي وانضمام “إسرائيل” إلى انتقادات السلوك الروسي في الحرب.

ومع ذلك، لا يوجد سبب لفحص متى سينقطع الحبل مع روسيا؟ ومن المناسب الاستمرار في توخي الحذر عندما يتعلق الأمر بتزويد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية، وهو ما تكفلت به الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو وتجاوز بالفعل 15 مليار دولار منذ اندلاع الحرب.

الصادرات الأمنية والتعاون العسكري

وفي الوقت نفسه، فإن الصناعات الأمنية، والتي تعد أيضًا عنصرًا مهمًا في اقتصاد الموارد الإستراتيجية ل “إسرائيل” تتأثر أيضًا بشكل كبير بالحرب وهي تتعاظم بشكل غير مسبوق بسبب تفاقم الإحساس بالتهديد في الغرب. “الصناعات الأمنية الإسرائيلية” التي تقدم مساهمة لا يمكن الاستغناء عنها في الاقتصاد الوطني وقدرة “الجيش الإسرائيلي” على الحفاظ على تفوقه النوعي هي على وشك اقتحام الأسواق التي لم يكن من الممكن تقريباً تخيل أنها ستدخلها قبل اندلاع المعارك. الاحتمال الذي نوقش خلال زيارة رئيس الوزراء لبيد إلى برلين لصفقة مع ألمانيا لبيع صواريخ “حيتس 3” المضادة للصواريخ بما يزيد عن ملياري دولار، ليس سوى جزء من تحركات واسعة من المتوقع أن توصل حجم “الصادرات الأمنية الإسرائيلية” إلى حوالي 15 مليار دولار في السنة.

بالإضافة إلى الأساس الاقتصادي المهم، وهذا أيضًا مصدر قوة في وقت تشهد فيه “إسرائيل” بالفعل طفرة في النمو والتوظيف الكامل والدخل الزائد من الضرائب يوجد أيضًا للمشتريات الأمنية وزنًا سياسيًا. صحيح أنه ليس دائمًا يكون حاسمًا. فعلى الرغم من التعاون العسكري المتعمق مع “إسرائيل” مرت سنوات قليلة حتى غيرت الهند جزئيًا من أنماط تصويتها ضد “إسرائيل” في الأمم المتحدة. ومع ذلك فإن دعوة بعض الدول الأوروبية لشراء “تقنيات إسرائيلية” متقدمة تخلق فرصة للتأثير على الموقف العام تجاه “إسرائيل”، وتحييد الانحياز الراسخ المؤيد للفلسطينيين في السياسة الخارجية الأوروبية.

في الخلفية هناك تأثير آخر ملموس أقل لكنه لا يزال مهمًا للحرب في أوكرانيا على “مكانة إسرائيل”: الأحداث الأمنية التي أحدثت هزة مثل 11 سبتمبر، و”موجة الإرهاب” في أوروبا التي تلت ذلك، والآن الحرب في أوكرانيا لديها القدرة على خلق درجة من تفهم كافة الصعوبات التي تواجهها “إسرائيل” والطرق التي تختارها لمواجهتها. المصطلحات السلبية مثل “العسكرة” ومصطلح “التنسيد” (الادعاء بأن “دولًا مثل إسرائيل” تميل إلى النظر إلى أي قضية على أنها أمنية وسرية، واستخدامها لتبرير الظلم) يتم دفعها جانبًا لصالح الخطاب الأمني ​​والاستخباراتي، الذي ل “إسرائيل” فيه وزنًا يتجاوز أبعادها الديموغرافية والجغرافية.

الطلب على الطاقة

كان للارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز والمخاوف بشأن شتاء بارد في أوروبا تأثير شبه فوري على مكانة “إسرائيل” كمصدرة للطاقة (وإن كان من المرتبة الثالثة). تم إحياء النقاش الذي بدا أنه قد حكم عليه بالرفض فيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية طويلة الأجل لخط أنابيب شرق البحر المتوسط ​​، كما تم طرح طرق أخرى لتزويد الغاز إلى أوروبا، مع التركيز على الحلول القائمة مثل منشآت التسييل في مصر، “الاتفاق الإسرائيلي ـ الأوروبي ـ المصري”، حتى لو بدأ الحديث بشأنه قبل اندلاع الحرب إلا أنه من مؤشرات الوقت.

كما أن التوقعات بعائدات كبيرة من صادرات الغاز والنفط؟ خلقت ديناميكية جديدة تخدم “المصالح الإسرائيلية” في النقاش اللبناني الداخلي حول تنمية موارد الطاقة في المياه الاقتصادية لشرق البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي سيتطلب تسوية مع “إسرائيل” بوساطة الولايات المتحدة. “العرض الإسرائيلي” السخي له ميزة مزدوجة. فهو قد يسهل الوصول إلى اتفاق يضر بشكل كبير بشرعية الصراع المستقبلي مع “إسرائيل”، لأن التصعيد سيبعد المستثمرين ويمنع تحقيق الإمكانات في عصر يقف فيه لبنان على حافة الهاوية الاقتصادية. كما أنه يشكل تحديًا لمبررات وجود حزب الله ذاته. إذا كانت “إسرائيل” لا تريد الإضرار بالشعب اللبناني فما المبرر لوجود قوات مسلحة لحماية لبنان؟ احتمال أن يختار حسن نصر الله لهذا السبب بالذات، طريق المواجهة مازال مطروحاً على جدول الأعمال، لكن استعداد القيادة اللبنانية بما في ذلك الرئيس ميشال عون، المحسوب على جماعة “8 آذار” التي تضم حزب الله للتقدم في مفاوضات مع المبعوث عاموس هوشستين يشير إلى رياح جديدة تهب في لبنان.

الحرب في أوكرانيا والقضية النووية الإيرانية

صورة الوضع أكثر تعقيدًا في كل ما يتعلق بتداعيات الحرب على الملف النووي الإيراني وفشل المساعي الأمريكية والأوروبية حتى الآن للتوصل إلى اتفاقيات تسمح بالعودة إلى اتفاق 2015. هناك سبب لافتراض أن القيادة الإيرانية تنظر إلى دروس الحرب أيضًا من جانب مزايا امتلاك السلاح النووي، الذي استخدمته روسيا دون تردد في تهديد وردع الغرب عن التدخل المباشر في القتال، وأمام الثمن الذي تدفعه أوكرانيا لتخليها عن الأسلحة النووية التي كانت تتواجد في أراضيها خلال الحقبة السوفيتية في اتفاقية بودابست في عام 1994. المعنى بالنسبة لإيران ودول أخرى في المنطقة واضح ومن المحتمل أن يكون ذلك هو الأساس لمناورات طهران المراوغة التي تهدف لإفساح المجال أمامها للتسلح النووي في السنوات المقبلة.

ضمن ذلك في أوروبا، وخاصة في فرنسا، وأيضًا في نظر الفريق المتنفذ في إدارة بايدن بدا أن أزمة الطاقة التي سببتها الحرب خلقت مصلحة ملحة للغرب للتوصل إلى اتفاق في أقرب وقت ممكن، بحيث يعود النفط الإيراني إلى الأسواق بسرعة ويساعد على منع النقص ويخفض الأسعار. هذا حساب قصير النظر للغاية، لأن إيران كقوة إقليمية تعتمد على الردع النووي قد تقوض في المستقبل غير البعيد أسس النظام الحالي في اقتصاد الطاقة، وتملي القواعد على جيرانها في الخليج وبحر قزوين. ولكن عندما اكتسب احتجاج عام بشأن ثمن “خمسة دولارات للغالون من البنزين” زخماً في الولايات المتحدة، وأثرت عواقبه السياسية على أولويات الإدارة. أدركت إيران من جهتها نقطة الضعف وعملت على الاستفادة منها لصالحها في المفاوضات.

من ناحية أخرى، وفي هذه المرحلة هناك وزن ل “الرسائل الإسرائيلية” والمعلومات الاستخباراتية ومعركة الوعي، كما ساهم القتال المستمر أيضًا في تعميق العلاقة بين النظام في إيران وروسيا (والصين)، وهي علاقات قد تحدد أيضًا موقف الغرب من القضية الإيرانية ككل. يمكن بالفعل من الآن القول بأنه قد تبددت الأوهام التي رافقت على الأقل بعض أعضاء إدارة أوباما بخصوص الاتفاق الأصلي في عام 2015 واتجاه التغيير في إيران. الرئيس هو إبراهيم رئيسي، “جزار طهران”، وليس روحاني الذي يُنظر إليه على أنه إصلاحي. توضح الهجمات على دول الخليج نوايا النظام. لقد تركت سنوات من الهجمات الإيرانية خارج حدود المنطقة أيضًا بصماتها على موقف واشنطن، وخاصة المؤسسة الأمنية الأمريكية تجاه إيران، وتحديداً تجاه الحرس الثوري، الذي قرر بايدن أنه لن يشطب من “قائمة الإرهاب”.

يضاف إلى ذلك الآن، وفي سياق نظام عالمي مستقطب كما هو موصوف أعلاه، تضامن إيران الواضح مع الجانب الروسي في الحرب. في بداية الطريق سُمعت أصوات أخرى أيضًا في طهران، علاوة على ذلك عملت روسيا بسبب ضغوط العقوبات على إخراج إيران من سوق الطاقة الصينية. لكن ما قلب الموازين هو الاعتبارات الأيديولوجية. بتوجيه من المرشد علي خامنئي، وبروح موقفه المناهض لأمريكا والمخالف تمامًا للغرب وقيمه، اختارت إيران ليس فقط دعم روسيا، ولكن أيضًا لتزويدها بطائرات بدون طيار هجومية أثرت على ميزان القوة في ساحة المعركة. بالنسبة لإيران تعد هذه أيضًا فرصة لإظهار إنجازاتها التكنولوجية، على الرغم من وجود شائعات حول رداءة جودة الطائرات بدون طيار من إنتاجها ولكن هذه بشكل أساسي رافعة إستراتيجية تربط مصيرها بالقوى التي تقف ضد الولايات المتحدة.

إذا عرفت “إسرائيل” كيف تعمل بشكل صحيح أمام الإدارة والكونغرس وصناع القرار في الدول الأوروبية الرئيسية – أولاف شولتز وإيمانويل ماكرون وليز تراس – فإن هذا القرار الإيراني سيكون له معنى بعيد المدى. في واشنطن وعواصم أوروبا، كان هناك من رأى في القضية النووية الإيرانية مصدر إزعاج هامشي يجب حله في أسرع وقت ممكن من أجل توفير الوقت للتعامل مع القضايا المهمة حقًا، التهديد الروسي، وخاصة التحدي الصيني. ومع ذلك، إذا كانت إيران ترى نفسها على أنها تنتمي على الرغم من بعض التوترات والمصالح المتضاربة إلى المعسكر المعادي للغرب الذي يتشكل في ظل الحرب، فإن هذا سيكون له عواقب على الطريقة التي ينبغي أن يُفسر بها الاتفاق النووي: ليس كإنجاز سياسي للدبلوماسية الأمريكية، ولكن كدليل على الضعف أمام لاعب معاد.

إذا كانت فرص حدوث انفراج قبل انتخابات الكونجرس (8 نوفمبر 2022) صفرية بالفعل، فهذا يعني أن هذا الجانب من السلوك الإيراني سيحظى بتفسير سياسي وعام في الساحة الأمريكية. حتى من دون مواجهة مع الإدارة يمكن ل “إسرائيل” وينبغي عليها شحذ الرسالة. إن الصفقة النووية السيئة مع إيران ليست ثمناً يجب دفعه لتمهيد الطريق للجهد الرئيسي ضد روسيا والصين، بل هي بمثابة “عبوة متفجرة جانبية” من المحتمل أن تلحق ضرراً كبيراً بمرور الوقت بمصالح الغرب في مواجهة منافسيه. إن فرصة إيران لإضعاف نقاط صنع القرار في منطقة ذات أهمية إستراتيجية عليا، في ظل تهديد نووي وفي أثناء الانخراط في نشاط تخريبي واسع النطاق تغذيه أموال تصدير الطاقة، سيمنح الصين وروسيا نفوذاً بعيد المدى.

إدارة المخاطر

بطبيعة الحال، فإن “الموقف الإسرائيلي” الذي يركز على التهديد الإيراني، وعلى عواقب تقارب إيران مع روسيا، يعني أيضًا تدهور العلاقات مع بوتين، لكن يبدو أنه لا مفر من ذلك في كافة الاحوال. بالإضافة إلى توقعات إدارة بايدن وقادة الغرب، يجب أيضًا أن يأخذ في الاعتبار الحالة المزاجية السائدة بين يهود أمريكا، الذين يظهر معظمهم تعاطفًا مع النضال الأوكراني على الرغم من الماضي التاريخي للقومية الأوكرانية، الذي لا يسُر. وهكذا، على سبيل المثال، اختارت اللجنة اليهودية الأمريكية رسم شعارها بألوان العلم الأوكراني كدليل على التضامن، ويمكن السماع بين أصدقاء “إسرائيل” على جانبي الحاجز السياسي في الولايات المتحدة انتقادات، وإن كانت محسوبة لموقف “إسرائيل” الفاتر تجاه السلوك الروسي. هناك “مخاطرة أخلاقية” في “الموقف الإسرائيلي” الذي من شأنه أن يخفف من خطورة هذه الأنواع من الأعمال التي تم الكشف عنها لأول مرة في بوتشا، والآن في أوزيوم.

وفي الوقت نفسه، تتطلب السياسة المستنيرة لإدارة المخاطر كما ذكر أعلاه، توخي الحذر فيما يتعلق بتزويد أوكرانيا بالوسائل القتالية الهجومية. كما يلزم بذل جهد مستمر للحفاظ على قنوات الاتصال مع موسكو رغم كل شيء، والجدير بالذكر أن القوى الغربية لديها أيضًا مثل هذه القنوات. في الساحة السورية حيث يتزايد فيها “النشاط الإسرائيلي” يجب أن تكون الرسالة للروس واضحة: الأمر لا يتعلق بالمشاعر بل بالحسابات الباردة. لا نحن ولا هم مهتمون، لدينا مصلحة في الاحتكاك. من جانبهم يحسنون صنعًا إذا ما قاموا بكبح جماح من هم في صفوف نظام الأسد الذين يبحثون عن فرصة للانتقام من “إسرائيل” على الأضرار التي لحقت بمطارات دمشق وحلب والخسائر المتراكمة في الجانب السوري. “القدرات العسكرية الإسرائيلية” معروفة لجيل سابق من العسكريين الروس.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى