أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

حقل الألغام الاستراتيجي .. رسم خرائط وتوصيات لاتخاذ سياسات

ترجمة الهدهد

بقلم طاقم معهد السياسات والإستراتيجيات (IPS)/ بقيادة اللواء (احتياط) عاموس جلعاد

الأسابيع المقبلة التي تسبق الانتخابات وقبلها الأعياد اليهودية تحمل في طياتها إمكانات الانفجار بسبب تلاقي أو تجمع العديد من العمليات والأحداث: التصعيد الأمني ​​المستمر في الضفة الغربية وخاصة في شمالها والذي يتدحرج في اتجاه التدهور أكثر فأكثر؛ وتوقع البدء في إنتاج الغاز من منصة الغاز في حقل “كاريش”، مع ظهور تهديدات نصر الله في الخلفية؛ والتدهور الأمني ​​الذي قد يتطور حول المسجد الاقصى خلال الأعياد والذي لديه القدرة على التأثير على أماكن أخرى في النظام الفلسطيني، وكذلك على الساحة الداخلية في “إسرائيل”، في الوقت نفسه وفي ظل عدم وجود اتفاق، تواصل إيران المضي قدمًا في برامجها النووية وتمسك الكرة في يديها لاستمرار المفاوضات. وفي الجانب الأوسع، قد يجبر الهجوم المضاد الأوكراني بوتين على تصعيد الرد العسكري.

تصعيد التوترات في الضفة الغربية

سلسلة الهجمات والحوادث في الأسابيع الأخيرة خاصة في شمال الضفة الغربية في مدينتي جنين ونابلس تعكس التصعيد الذي حدث منذ منتصف العام في الضفة الغربية (زيادة 3 أضعاف في عدد الهجمات مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق). نتج هذا التصعيد عن مجموعة من ثلاثة عوامل: الضعف الذي تظهره السلطة الفلسطينية، التي لديها صعوبة أو تفتقر إلى الدافع في تطبيق سيادتها في بعض مناطق الضفة الغربية؛ الجرأة من جانب جيل الشباب الفلسطيني (معظم منفذي العمليات لا ينتمون إلى تنظيمات)؛ وتزايد الجهود الأمنية الإسرائيلية ما يؤدي إلى تكثيف الاحتكاك على المستوى الميداني ويوضح نقص تهاون الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وتجدر الإشارة إلى أن الضعف الذي أظهرته السلطة الفلسطينية ليس فقط نتيجة أفعال “إسرائيل”، ولكن أيضًا نتيجة لخصائص الحكم في رام الله (الفساد، والعزلة العميقة عن الجمهور والانحطاط السياسي المستمر).

في الخلفية، استياء السلطة الفلسطينية ليس فقط تجاه “إسرائيل” ولكن أيضًا تجاه إدارة بايدن، لعدم قدرتها على إقناع “إسرائيل” بتغيير سلوكها (وضمن ذلك الاهتمام المحدود الذي تبديه بالساحة الفلسطينية) وفي كل ما يتعلق بنطاق أنشطة “الجيش الإسرائيلي” واقتطاع الأموال المحولة (التي تضر بالقدرة على دفع رواتب عناصر الأجهزة الأمنية)، وكذلك بسبب الضغوط التي تمارسها على السلطة الفلسطينية لكي توقف تحركاتها التي تقوم بها في الأمم المتحدة ليتم قبولها كدولة عضو، إلى جانب خيبة الأمل من أن زيارة الرئيس بايدن للمنطقة التي لم تسفر عن أي نتائج للفلسطينيين، وقد تجلى ذلك، حسب ما جرى في اللقاءات المتوترة التي عقدتها مؤخرا في رام الله مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط باربرا ليف، وحقيقة أن أبو مازن رفض مقابلتها.

التوترات حول منصة التنقيب عن الغاز “كاريش”

الساحة الرئيسية التي قد تشتعل في الأسابيع المقبلة تتعلق بالمفاوضات على ترسيم الحدود البحرية بين “إسرائيل” ولبنان، وذلك بعد تحذيرات نصر الله الاستثنائية والحازمة بأن حزب الله لن يتردد في العمل لحماية حقوق لبنان إذا بدأت “إسرائيل” من جانب واحد وبدون اتفاق باستخراج الغاز.

أنهى الوسيط الأمريكي عاموس هوكستين عملية وساطة أخرى بين لبنان و”إسرائيل” دون الإعلان عن تقدم في المحادثات، على الرغم من الأنباء التي أفادت عن تقدم كبير في المفاوضات. عشية زيارة هوشستين، تم نشر مخطط محتمل لحل وسط في تلفزيون العربية، تتنازل “إسرائيل” بموجبه عن سيادتها على حقل غاز قانا إلى لبنان، وفي المقابل تحصل على تعويضات من شركة إنرجيان، التي من المفترض أن تقوم بالتنقيب في المنطقة. وأعلنت الشركة نفسها أن إنتاج الغاز من حقل “كاريش” سيبدأ في الأسابيع المقبلة.

ورغم مصلحة جميع الأطراف المعنية بما في ذلك الحكومة اللبنانية بالتوصل إلى اتفاق بشأن تقاسم الأرباح، يبدو أن الكرة الآن في يد حزب الله إلى حد كبير، تستغل المنظمة الصراع لتعزيز صورتها “كمدافع عن ثروات لبنان الطبيعية”، وتسعى جاهدة لأن تخرج رابحة في أي سيناريو، سواء تم التوصل إلى اتفاق تتخلى بموجبه “إسرائيل” عن حقل الغاز قانا، أو ما إذا اضطرت “إسرائيل” مرة أخرى إلى تأجيل بدء إنتاج الغاز، فإن نصر الله سيقدم ذلك باعتباره “تراجعًا إسرائيليًا” بسبب القوة الردع لدى المنظمة.

ومن المحتمل أيضًا أن نصر الله يقدّر بأن “إسرائيل” ستتجنب خلال هذه الفترة (عشية الأعياد وقبل الانتخابات، وبالنظر إلى التوترات المتصاعدة في الضفة الغربية) إجراءات أحادية الجانب يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وبالتالي فهو يسمح لنفسه بزيادة الرهان، وهذا الاحتمال ينطوي على خطر متزايد من سوء التقدير من جانب نصر الله بخصوص قوة “الرد الإسرائيلي”.

على أي حال، يبدو أن الانخراط المتزايد للولايات المتحدة في الأزمة جنبًا إلى جنب مع المصالح الحكومية الكبيرة للاعبين الإقليميين سيؤدي في النهاية إلى صياغة اتفاق، ومع ذلك يحتمل أن يتم تأجيل موعد التوقيع على الاتفاقية وبالتالي بدء إنتاج الغاز، بسبب صعوبة التوصل إلى اتفاق خلال هذه الفترة (قبل أسابيع قليلة من الانتخابات في “إسرائيل” ولبنان).

مراوحة المحادثات النووية في مكانها

الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية الذي بدا وكأنه على وشك التوقيع قد وصل مرة أخرى إلى طريق مسدود بعد رد إيران على الاقتراح الأخير، وفي أساسه مطالبتها بإغلاق تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المفتوحة ضدها بشأن مخلفات اليورانيوم التي وجدت في ثلاثة مواقع، ورداً على ذلك، أعرب مسؤولون أمريكيون وأوروبيون عن تشاؤمهم من إمكانية التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الصعوبة الكبيرة التي تواجهها الدول في الاستجابة بشكل إيجابي للمطلب الإيراني، لأن هذا يعني انهيار مبادئ معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية خاصة في وقت تتحدى فيه روسيا وكوريا الشمالية قوة المعاهدة.

الإجابة الإيرانية توضح معضلة ما إذا كانت هذه طبقة أخرى في تكتيكات التفاوض الإيرانية المصممة لانتزاع إنجازات إضافية من الغرب، أو ما إذا كانت إيران في نهاية المطاف غير مهتمة بالاتفاق في ظل انعدام الثقة والخوف من أن يؤدي تغيير محتمل للحكم في الولايات المتحدة بعد نحو عامين إلى تغيير في السياسة الأمريكية وانسحاب آخر من الاتفاقية. علاوة على ذلك، يوضح الموقف الإيراني مرة أخرى أن كرة التقدم في المفاوضات توجد بين يديها، وحتى الآن لاش يطلب منها اتخاذ قرار، حيث تمتنع القوى عن ممارسة ضغط حقيقي وتهديد ملموس عليها الأمر الذي من شأنه أن يجبرها على إعادة التفكير وتغيير سلوكها بشكل عام وفيما يتعلق بالمفاوضات بشكل خاص.

الموقف الغربي يخدم إيران فعلاً ويسمح لها بالاستمرار في المناورة، وبالتالي، فهي تتجنب إنهاء أو تخريب المفاوضات من ناحية، ولكنها تواصل العمل على تعزيز المشروع النووي والسعي للحصول على قدرات متقدمة دون قيود كبيرة، وبحسب التقرير الفصلي الجديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران الآن 55.6 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، وهي زيادة كبيرة مقارنة بالوضع قبل نحو ثلاثة أشهر وكمية كافية لتخصيب قنبلة واحدة، التقرير يوضح بالفعل خطورة استمرار مراوحة المفاوضات في مكانها، لأنه دون التوصل إلى اتفاق جديد وتجديد الرقابة وطالما أنه لا يوجد تهديد ملموس على إيران، فإنها ستستمر دون انقطاع تقريبًا في التقدم للوصول إلى عتبة القدرات النووية.

الهجوم المضاد الأوكراني

في الأيام الأخيرة نجح الجيش الأوكراني في السيطرة على مناطق رئيسية في شمال شرق البلاد في منطقة خراكيف، بعد هجوم مضاد مفاجئ شنته في المنطقة. هذا هو أهم نجاح عملياتي للجيش الأوكراني منذ صد الهجوم الروسي على كييف في بداية الحرب، على الرغم من النجاح الأوكراني إلا أن الطريق إلى التسوية ونهاية الحرب لا يزال بعيدًا، ومن المحتمل أن تستمد أوكرانيا نفسها ودول الغرب التشجيع والأمل في إمكانية تحقيق إنجازات إضافية ضد الجيش الروسي طالما استمرت الحرب، وذلك على الرغم من أزمات الطاقة وتفاقم الصعوبات الاقتصادية في أوروبا. من ناحية أخرى، كلما زاد الخوف في موسكو من حدوث تحول في المعركة، كلما قرر الرئيس بوتين استخدام إجراءات أكثر تطرفاً من أجل وقف التدهور وفقدان المزيد من الأراضي، تم التعبير عن هذا بالفعل في الهجوم الصاروخي الروسي على محطات الطاقة في شرق أوكرانيا، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة.

توصيات..

قبل الأعياد القادمة وخطر اندلاع تصعيد عنيف في ضوء زيادة نطاق الأحداث ومحاولات شن الهجمات، مطلوب سياسة مستنيرة وعقلانية تتمحور حول الأنشطة للحفاظ على الهدوء في منطقة المسجد الاقصى، كل هذا إلى جانب استمرار النشاط المستهدف ضد البنية التحتية لحماس في الضفة الغربية، مع محاولة منع حوادث العنف من الانتشار أو التمدد إلى الضفة الغربية بأكملها، وفي الوقت نفسه، على الحكومة العمل على استقرار النظام الاقتصادي الفلسطيني والحفاظ على التنسيق الأمني ​​والمدني مع السلطة الفلسطينية (فيما يتعلق بخروج العمال للعمل في الداخل)، وإرسال رسائل تحذير إلى حماس بالامتناع عن الأعمال (في الضفة الغربية أو حتى بين الفلسطينيين في الداخل ) التي يمكن أن تثير المنطقة في هذه الفترة الحساسة.

في الجانب الإيراني يجب أن تستمر “إسرائيل” في الحفاظ على التنسيق الإستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة على المستوى السياسي والأمني ​​- العسكري، مع الحرص على أن يكون هناك خطاب حذر وتجنب الخلافات العامة مع الإدارة، وفي الوقت نفسه يجب على “إسرائيل” تعزيز عمليات بناء القوة لتأسيس قدرات عسكرية للتعامل مع التهديد النووي، حيث يعتبر توقيع صفقة شراء أربع طائرات للتزود بالوقود خطوة مهمة وضرورية، إلى جانب استمرار الأنشطة لتضييق نطاق التمركز الإيراني في المنطقة مع الحفاظ على قواعد التنسيق الأمني ​​مع روسيا في الساحة الشمالية.

على “إسرائيل” أن تسعى جاهدة لاستكمال الاتفاق الذي توسطت فيه أمريكا بشأن ترسيم الحدود البحرية مع لبنان وتقاسم أرباح الغاز، في هذا الإطار على “إسرائيل” إبداء العزم على نيتها البدء في إنتاج الغاز، مع استعدادها لتأجيل المفاوضات مؤقتًا لبضعة أسابيع حتى إتمام الصفقة، وعلى أي حال يجب ألا تبدو “إسرائيل” وكأنها تخشى من تهديدات حزب الله بشكل قد يمنع التصعيد الآن، ولكن بمرور الوقت سيضر بشكل كبير في “الردع الإسرائيلي”، وسيشجع المنظمة على تحدي “إسرائيل” بشكل دائم بشأن قضايا إضافية.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى