أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

أهمية تحديد الهوية للكيانات البشرية

شبكة الهدهد
✍️⁩ عبد الله أمين الخبير الأمني والاستراتيجي

(ضايع)؛ أبلغ تعبير يستخدمه الإنسان عندما تضلّ به السبل، وأسوأ أنواع الضياع ضياع الذات عندما لا تستطيع أن تعرّف نفسها أولاً، والمكان الذي تقف فيه ثانياً، وأين تريد أن تصلَ ثالثاً، وما هي منظومة القيم التي تحكم سلوكها وتصرفها، وما هي المعايير التي تقيس وتقيم على ضوئها الأشياء. وهل بعد هذا الضياع من ضياع؟ على المستوى الفردي قد يكون مفهوماً أو متفهَماً أو أمراً مقدوراً على فهمه ألا تهتم لضياع فرد ما، كون ضرر ضياعه غير متعدٍ إلى غيره، أما على مستوى القيادات والجماعات والحركات والكيانات البشرية؛ فالضياع وعدم القدرة على تحديد المكان في الحاضر، والموقع في المستقبل، هو أمُّ الضياعات وحالقة الحالقات!!

إن هذه المقالة ستحاول مقاربة هذا الموضوع الشائك المعني بتحديد الهوية وأهميته للأفراد والدول والجماعات والكيانات البشرية ـ سياسية أو مجتمعية، مدنية أو عسكرية ـــ، لأن تحديد هذه الهوية ينبني عليه سلسلة متتالية من الأفعال والمواقف والاصطفافات، يقف عليها نجاح هذه الكيانات في تحقيق أهدافها من عدمه، فإن أحسنَتْ هذه التجمعات تحديد هويتها؛ فإنها ستكون قادرةً على تحديد المكان الذي تقف فيه، والطريق الذي ستسلكه للوصول إلى غاياتها ومآلاتها وأهدافها، والسبل والموارد ومنظومة القيم التي تحتاجها في هذا السير، وإن شاب تعريفَها لنفسها شائبة؛ فإنها ستبدأ مسيراً منحرفاً عن وجهتها الأصلية، فتضيّع الأوقات والموارد والقدرات وتهدرها في غير طائل وبلا فائدة، في مسعىً يصدق فيه قول ربنا عزّ وجل”… الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً”.

وهنا سنعرّف الهوية ابتداءً، ثم نتطرق بشكل سريع ومقتضب إلى الأسس التي تبنى عليها الهوية ومنها تنبثق، ثم نختم حديثنا بما ينبني على تعريف الهوية وتحديدها، علّنا نكون في هذا الجهد المتواضع قد وضعنا أساساً للنقاش والحوار؛ يبنى عليه، ويزاد عليه أو ينقص منه، وصولاً إلى فهم مشتركٍ يُجمَعُ عليه ــ وإن كان من الصعوبة بمكان الإجماع في العلوم الاجتماعية ــ أو يُتفق على قواسمه العظمى، فلا تضل لنا طريق، ولا نفقد أثناء سيرنا نحو أهدافنا رفيق أو صديق.

تعريف الهوية:

الهوية هي مجمل السّمات التي تميز شيئاً عن غيره، أو شخصاً عن آخر، أو مجموعة بشرية عن غيرها، وعناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي، يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة، وبعضها الآخر في مرحلة أخرى، فالأب في بيته تظهر فيه مجموعة من الصفات والسجايا والميزات والسلوكيات تخبر الناظر أنه المسؤول عن هذا المجتمع الصغير، أي أن هويته أنه مسؤول، وأنه من يسيّر شؤون الكيان الأسري محل النظر، وهو نفسه ــ الأب ـ في عمله تظهر منه صفات تقول إنه صاحب الاختصاص (هوية) المهني الفلاني، وأنه ينتمي لمجموعة العمل الخاصة الفلانية. إن هوية الشخص هي ذلك الشيء الذي يعرّف شخصاً بشكله واسمه وصفاته وجنسيته وعمره وتاريخ ميلاده، وباختصار شديد جداً الهوية هي التي تجيب على سلسلة من الأسئلة والتي منها وأهمها: من أنا؟ وأين أقف؟ وإلى من أنتمي؟ وأي منظومة سلوكية وقيمية تحكمني وتحكم تصرفاتي؟ ومَنِ الآخر؟ وأين يقف؟ وإلى من ينتمي؟ وما هي المنظومة القيمية التي يستند لها ويرجع لها؟

أسس تحديد الهوية:

بعد أن عرّفنا الهوية بشكل سريع، ودون الغوص في مفرداتها شرحاً وتفسيراً، وما ينبني على كل مفردة من مفرداتها، سنتحدث وبشكل مقتضب عن أسس تحديد الهوية والمباني التي تبنى عليها، والتي هي على النحو الآتي:

  1. جغرافية أو قومية:
    الجغرافيا أو القومية هي أحد الأسس لتعريف الهوية، ومكونٌ مهم في تكوين الشخصية؛ فهذا مصريٌ لأنه ولد ونما وترعرع ضمن الحدود السياسية التي تتشكل منها الدولة المصرية، وذاك عراقي أو سودانيٌ أو جزائري أو فلسطيني، للأسباب نفسها التي فرضت على المصري مصريّته وطبعته بها، وهم لذلك مطلوب منهم مسؤوليات تنجز وحقوق تؤدى تجاه تلك الجغرافيات، كما يُمنحوا حقوقاً لانتسابهم وانتمائهم إلى تلك البقاع، فكما أن الهوية تفرض على الشخص أو الكيان السياسي واجبات؛ فإنها تمنحه حقوقاً وامتيازات.
  2. عرقية:
    الأساس الآخر الذي يمكن أن يكون محدداً للهوية هو: الأساس العرقي، وهو تصنيف يمكن أن يرتكز على الموروث الثقافي، أو الأصل المشترك للمجموعة السكانية من تاريخ أولغة أو لجهة، وصولاً إلى بعض الطقوس والأساطير المشكّلة للسردية المجتمعية، ولا ينتهي بالزي والمظهر الخارجي، ونوع وشكل الطعام والمطبخ الغذائي.
  3. دينية مذهبية:
    كما يلعب الدين أو المذهب دوراً مهماً وحاسماً في تشكيل الهوية الفردية المجتمعية، ويشكل أحد أهم روافد تشكيل المنظومة القيمية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات التي تعبر عن هويتهم، وكيف يرون الآخر، وضمن أي تصنيف يصنفون أنفسهم وغيرهم، وإلى أي مدى يمكن أن يذهبوا في علاقاتهم مع غيرهم، وأين يجب أن يقفوا عن تطوير هذه العلاقات والصداقات.
  4. أيدولوجية:
    كما يَعُد البعض أن (المذهب) الأيدلوجي الذي يعتنقه الفرد أو الجماعة أحد التصانيف التي تشكّل هويتهم ومنظومة قيمهم، وكيف يرون أنفسهم وفي أي موقع يقفون، وكيف يرون الآخر ومن أي زاوية نظر ينظرون له، إلا أن الفرق بين هذا التصنيف وما سبقه من التصانيف والمرتكزات، أن تلك المتقدمة هي أكثر ثباتاً وحسماً في تشكيل الهوية وتعريفها من هذا المبدأ أو المرتكز، لاعتبارات موضوعية يطول الحديث فيها ـ قد يكون الشخص معتنقاً للأيدلوجية الماركسية مثلاً فيتصرف تصرفا معيناً، ثم يتخلى عن معتقده هذا ويتأدلج بمذهب آخر، فيترك أثراً على سلوكه ن قد يكون معاكساً لسلوكه يوم كان ماركسي المذهب ــ،وتختلف الرؤى حولها، وليس هنا مكان بسطها والحديث عنها.

هذه تقريباً أهم وأكثر الأسس والمرتكزات التي يتم الحديث عنها كعوامل تشكيل وبناء الهوية الفردية والجماعية، والتي ينبني عليها مجموعة من المقتضيات والنتائج التي تحدد المصير والمسار للفرد والمجتمع أو المجموعات البشرية ـ المدنية أو السياسية أو العسكرية ــ والتي من أهمها ما يأتي:

  • تحديد الحيز الجغرافي:
    إذا كان أحد مرتكزات تعريف الهوية هو جغرافية المكان الذي ينتمي له الفرد أو المجموعة، فإن ما ينبني على هذا الأساس هو تحديد الحيز الجغرافي المطلوب العمل لخدمته ورعايته والسهر على أمنه وتأمين مصالحه، فهي ــ الجغرافيا ـ رأس الأولويات ومحور تخصيص القدرات وبذل الجهود، ثم يلي هذه الأولوية ما يليها من أولويات، فليس مطلوباً من السوري إن تضاربت المصالح وتعددت الأولويات أن يقدم مصلحة غير بلده على مصلحة بلده! ولا ما يهم أمن مجتمع غيره على أمن مجتمعه! ولا يسع الفلسطيني أو العراقي أو غيرهم؛ غير ذلك؛ فــ (الزيت إذا احتاجته الدار حرم على الجامع).
  • تحديد الحيز الموضوعي:
    كما أن تحديد الهوية؛ يحدد الحيز الموضوعي الذي يحكم سلوك الفرد أو المجموعة، فتحديد (هويتك) أنك طبيب يعني أنك تمارس الطب والطبابة والعلاج، وكونك مهندس فهذا يعني أنك تمارس التخطيط والرسم والإشراف الهندسي على المدن والمباني، وأنك تنتمي إلى هذه الشريحة من البشر الذين ينتمون إلى هذه المهن، أما كونك مقاوم أو مجاهد أو فدائي أو رجل سياسة وسياسي، فهذا يعني أنك تمارس الفعل المقاوم ــ على تعدد صوره ـ والعمل السياسي الذي يخدم أصل الهدف الذي نهضت للدفاع عنه والمقاومة لأجل تأمين أهدافه وتحصيل غاياته، كما يعني هذا التصنيف أنك تنتمي إلى هذه الشريحة من الآدميين الذين يدورون في هذا الفلك ـ المقاومة أو السياسة ـ وأنك منهم أقرب منك من غيرهم، وأن قواسمك المشتركة معهم أكثر أصالة وأشد ثباتاً من قواسم قد تتشاركها مع غيرهم، وأن فهمك للأمور والمسائل أقرب لفهمهم من فهم غيرهم، باختصار يعني أن (راسك راكب على راسهم).
  • تحديد المنظومة القيمية للفرد أو المجموعة:
    والهوية تحدد المنظومة القيمية التي تحكم سلوك الفرد أو المجموع، وكيف يحكمون على الأشياء ويرونها، وكيف يميزون الفائدة من الضرر والمصلحة من المفسدة، إنها ـ المنظومة القيمية ـ هي التي تحدد ما يجب وما لا يجب، وهي التي تقول افعل أو لا تفعل، وأقدم أو أحجم، وهذا ما سيسعك من سلوك أو فعل وأنت تمارس العمل المقاوم أو السياسي أو الاجتماعي؛ وهذا ما لا يسعك الاقتراب منه، كل هذا مرده وحاكمه والمسيطر عليه؛ تعريف الإنسان والكيان لهويته وذاته.
  • تحديد الوسائل والأدوات:
    حيث إن الهوية تحدد الجغرافيا وتحكم تحديد الأهداف والغايات، وتشارك في صياغتها؛ فإنها أيضاً تتدخل في تحديد وسائل تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى تلك الغايات، وليس الحكم هنا أن الوسيلة تبررها الغاية! ولا كل طريق أو أداة يمكن أن تُسلك أو تستخدم للوصول إلى الهدف؛ فالدين والمذهب كمرتكزين أصيلين ومهمين في تحديد الهوية؛ هما اللذان يحددان للسياسي كيف يمارس السياسة وضمن أي سقوف وحدود ومعايير وبأي أدوات ووسائل وطرق عمل، وهما اللذان يُلزمان المقاوم باستخدام وسيلة والكف عن الاستعانة بأخرى؛ حتى لو استخدمها العدو ضده! فلا قتل غدر، ولا تبييت نائم، ولا ترويع مستأمن، ولا سفك دم حرام بغير حق، ولا نكث بعهد.
  • تحديد دائرة الأعداء:
    ومن أهم ما تحدده الهوية بعد تحديدها وتبيين أطرها ومرتكزاتها؛ تحديد دائرة الأعداء، فمن هو العدو؟ وكيف يُعرف ويُعرّف؟ وما هي معايير التعامل معه وبأي وسائل عمل؟ كلها أمور تُحدد بعد أن يعرّف الشخص نفسه وهويته، والتنظيم أو الحركة أو الحزب نفسَه، والهوية هي التي تقول: هل العداء لهذه الجهة أو ذاك الشخص عداء مستحكم ناجز لا صلح معه ولا مهادنة؟ أم أن ذاك العداء من النوع الذي يمكن التعايش والتساكن معه؟ وهي ـ الهوية ـ التي تحدد نوع معادلة الصراع الذي نخوضه مع عدونا؛ هل هي معادلة صفرية؟ أم أنها من المعادلات التي تقبل أنصاف الحلول وتقاسم الجوائز والمكتسبات؟
  • تحديد دائرة الخصوم:
    ومن هم الخصوم الذين تجب مخاصمتهم؟ كيف يمكن أن يدار الخلاف معهم؟ وهل يمكن أن تؤجل مطالبنا وحقوقنا التي نرى أنهم قد اعتدوا عليها إلى وقت آخر فلا يطالب بها حالاً؟ كلها أمور تحددها الهوية، وهي التي ترسم معالم وسبل وطرق إدارة هذه الخصومة وأسبابها والبحث عن حلول لها.
  • تحديد دائرة المنافسين:
    فالعالم ليس فارغاً، ولا هو خاليا من اللاعبين الآخرين الذين قد ينافسونا على الموارد أو مصادر القوة والمنعة ــ البشرية أو المادية ــ ومثل هذه العلاقات تحتاج إلى ناظم ينظمها ومحدد يحدد طريق مقاربتها والتعامل معها، فلا يتطور الموقف من موقف منافسة للوصول إلى هدف هنا أو مورد هناك، لا يتطور إلى حالة من العداء التي تستحيل معها العلاقة إلى حالة من الشد والجذب الخشن، الذي يغير الأولويات ويهدم العلاقات. هذه دائرة أيضاً يتم تحديدها بعد أن يتم تحديد الهوية ومكوناتها والأسس التي ترتكز عليها، وما لم يتم هذا التحديد؛ فإن حابل الشخصية سيختلط بنابلها، ولن يعرف الشخص أو التنظيم أو الحركة أو الكيان (رأسه من رجليه) حتى لو استعان بطاقية تدله على رأسه!!
  • تحديد دائرة الأصدقاء:
    والصديق يعرّف بناءً على تعريف الشخص أو التنظيم لذاته ومكوناته وأسس انطلاقه ومرتكزاته، يعني تحديد الهوية الشخصية، فما لم تعرف الهوية أو الـ (أنا) فلن يتم تحديد الآخر أو الــ (هو)، وهل هو صديق أم عدو؟ وما الذي جعله صديق؟ وما الذي يحيله إلى عدو؟ وهل أن كونه صديق يعني أننا وإياه في مركب واحد باتجاه هدف واحد؟ أم أننا في مركبين مختلفين، وإن سرنا إلى هدفين متشابهين؟ هذا ما تقوله وتفرضه الهوية وترسم معالمه.
  • تحديد دائرة الحلفاء:
    أما عن الهوية ودورها في تحديد الحليف الذي نتقاسم حلو أمرنا ومره معه؛ فالحديث عنه يطول والتفاصيل في هذا الموضوع لا تنضب؛ فهويتي هي التي تقول مع من أتحالف ولأي شيء أتحالف؟ وهي التي تقول إلى أي مدى موضوعي يمكن أن نذهب بهذا التحالف؟ وأين نقف؟ وأي مقدار من الأكلاف يمكن أن يُحتمل كنتيجة لمثل هذا الحلف؟ وما الذي لا نطيقه؟ هي الهوية التي تقول أن صديق حليفي قد يكون صديقي أو حليفي، وهي أيضاً التي تقول إلى أي مدى يمكن أن أذهب في شوط الصداقة مع صديق حليفي وأين أقف؟ وهي التي تقول إن هذه هي قائمة المعايير التي يجب أن تعتمد في تحديد الحلفاء وتقييم العلاقة معهم وترتيب جدول أعمالي ليقترب من جدول أعمالهم، فإن (بهتت) الهوية، و(ماعت) مرتكزاتها؛ استحال بناء العلاقات وإدارتها إلى ما يمكن أن يطلق عليه (تحطيب الليل)، فيضم الحاطب إلى حزم حطبه ثعابين وعقارب، لا تلبث أن تثور في وجهه عند أول ضوء نهار (اقرأ أزمة أو حاجة أو خلاف)!!
  • تحديد الثوابت والخطوط الحمر وهامش المناورة والفعل:
    وهويتك هي التي تحدد لك ثوابتك وخطوطك الحمر التي لا تستطيع أن تتجاوزها أو أن تتعداها، كما أنك لا تسمح لأحد ـ مطلق أحد ـ بتجاوزها أو تعديها، وهي التي تمثل إشارة المرور التي تنتصب في مسير مضيّك إلى هدفك لتخبرك أن (دربك خضرا) فماض على بركة الله، أو هي ـ دربك ـ صفراء، فصابر وتريث وخفف من سرعتك لا تفاجئك الطريق بمطب أو حفرة تعطب دابتك ووسيلة نقلك، وهي الهوية التي تقول لك أن دربك حمراء لا يصلح معها المسير، ويستقيم هنا أن تكف عن المسير، إلى أن تؤمن ما يُقيت ويقوي على المسير، فعندها رفرف بجناحيك و (طير).

عشرة مما يقتضيه تعريف الشخص أو التنظيم السياسي أو حركة التحرر والمقاومة أو الكيان البشري لذواتهم وهوياتهم، جئنا على ذكرها باقتضاب سريع لتكون (معالم) على طريق السير في اتجاه تحقيق الأهداف ونيل الغايات، ذكرناها ــ المقتضيات ـ بعد أن عرّفنا الهوية ومرتكزات تحديدها الأساسية، والتي لا يستقيم السير والتحرك قبل أن يحسم شكلها والمضمون.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى