أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

المعركة بين الحروب وتغير “طريقة الحرب” لدى “الجيش الإسرائيلي”

ترجمة الهدهد

مجلة معرخوت/ المقدم (احتياط) دودي سيمان توف والعقيد (احتياط) ديفيد شتيرنبرغ

الدراسة تعبر عن رأي كاتبيها

 ما هي طريقة الحرب الحديثة لدى “الجيش الإسرائيلي”؟

على مدى العقود الماضية، تأسست طريقة جديدة للحرب في “الجيش الإسرائيلي”، وهي المعركة بين الحروب، والتي تلعب فيها  شعبة الاستخبارات دورًا مهمًا من خلال توفير المعلومات الاستخباراتية التي تمكن من القيام بهذه الطريقة من القتال، وتساعد في صياغة أهدافها وطرق نشاطاتها وتقييم إنجازاتها.

ويقدم المقال تحليلاً تاريخيًا لتطور المعركة بين الحروب ويفحص بشكل نقدي الطريقة التي  أدت فيها  المعركة بين الحروب إلى التغيير في طرق تفكير وتصرف “الجيش الإسرائيلي”، بما في ذلك ما إذا كانت المعركة التي بين الحروب قد أضرت بموقف “الجيش الإسرائيلي” كمقيم وطني وكيف أضرت  به. وما مغزى ترك أو إهمال “الجيش الاسرائيلي” الحرب لصالح المعركة بين الحروب.

يزعم مؤلفو المقال أن السياق الجيوسياسي والعسكري الجديد الذي يجد فيه “الجيش الإسرائيلي” نفسه في الصراع الإقليمي مع إيران سيحافظ على المعركة التي بين الحروب كطريقة للحرب لدى الجيش الإسرائيلي في المستقبل القريب، وكرد عسكري رئيسي من قبل “دولة إسرائيل” على التهديدات خارج حدودها.

 المقدمة

 في العقود الماضية، أصبحت المعركة التي بين الحروب   نمط   عمل  رئيسي  لدى “إسرائيل” في مواجهة تحدياتها الأمنية، ولا سيما المواجهة ضد إيران في الساحة الشمالية … . يضيف هذا النمط من العمليات إلى التعريفات المقبولة لأوضاع (الروتين و الطوارئ  والحرب) عنصرًا من المبادرة والصياغة في الروتين. بالإضافة إلى ذلك، تتحدى المعركة بين الحروب دور شعبة الاستخبارات كمقيم وطني  مسؤول  أولاً و قبل كل شيئ  عن تقديم  الإنذار من الحرب.

ستدرس هذه المقالة تطور أو تحول  المعركة بين الحروب في “الجيش الإسرائيلي” من جذورها الفكرية في الاستخبارات  كـمعركة سرية وخفية إلى نمط رئيسي لعمليات “الجيش  الإسرائيلي” أو بعبارة أخرى “لطريقة (“Way of war”) لدى الجيش الإسرائيلي. سيتم التركيز بشكل خاص على المناقشة حول الضغوطات  التي نشأت بعد ظهور المعركة بين الحروب. ما يميز هذه المقالة مقارنة بالمقالات الأخرى المكتوبة حول هذا الموضوع  هو أنها تستند إلى وثائق داخلية، وكذلك إلى مقابلات مع قادة في الاستخبارات و”الجيش الإسرائيلي” ومجتمع الاستخبارات وأنها  تجسد الرؤى الرئيسية من كتاب أوسع حول هذا الموضوع.

على الرغم من أن المقال يستند إلى كتاب تمت كتابته في الاستخبارات  (نشره الجيش  الإسرائيلي تحت عنوان  نظام التحكم ومركز مهن الإدارة  2020)، إلا أنه بين سطوره يتبين بوضوح أن  المعركة بين الحروب قد غيرت وتغير “الجيش الإسرائيلي” بأكمله  من الناحية المفاهيمية والتنظيمية والعملياتية، وتضيف لاحقًا عنصرًا أساسيًا لمفهوم “الأمن الإسرائيلي”. علاوة على ذلك  في حين أن هناك مزاعم بأن المعركة بين الحروب كانت نتيجة مجموعة فريدة من تصادف الظروف أو لفترة تاريخية تقترب من نهايتها، إلا أنه بالضبط الآن وعندما يكون التحدي الرئيسي الذي يواجه “إسرائيل” هو التعامل مع إيران  فإن المعركة بين الحروب يتم تصويرها  كنمط عمل عسكري مفيد ضمن المنافسة الإستراتيجية بين الدول.

يستعرض الجزء الأول من المقال التطور التنظيمي والمفاهيمي للمعركة بين الحروب. والرسالة الرئيسية  التي سيتم  إبرازها  في هذا الجزء هي أنه بينما تكمن جذور نمط العمل فيها في التطورات المفاهيمية بشكل رئيسي في الاستخبارات، فإن تحول المعركة بين الحروب إلى نمط  العمل  الرئيسي  في “الجيش الإسرائيلي” هو أولاً وقبل كل شيء نتج عن التغيير التاريخي في البيئة المحيطة بـ”إسرائيل”. هذه التغييرات، التي أهمها الأحداث في سوريا وحتى “اتفاقيات إبراهام”  جعلت من الممكن تحويل أفكار “المعركة السرية” إلى طريقة الحرب الجديدة لدى “الجيش الإسرائيلي”.

بينما يناقش الجزء الثاني من المقال تأثير المعركة بين الحروب على “الجيش الإسرائيلي” ويسلط الضوء على عدد من الضغوطات  التأسيسية  التي نشأت نتيجة لذلك، ولا سيما في العلاقة بين المعركة التي بين الحروب والحرب. ولا تزال هذه الضغوطات والتوترات تصاحب عمل “الجيش   الإسرائيلي حتى اليوم. ويتطلع الجزء الأخير من المقالة إلى الأمام وضمن  ذلك يناقش مسألة مستقبل المعركة بين الحروب.

الجزء الأول – التطوير التنظيمي والمفاهيمي لـلمعركة بين الحروب

الفترة الأولى 2003-2013 – من معلومات استخبارية إلى  إنذار إلى معارك أسرية و خفية..

ظهرت جذور التعامل مع المعارك السرية في “الجيش الإسرائيلي” في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، حينها ظهرت في شعبة الاستخبارات فكرة “الاستخبارات العملياتية”، والتي أهمها تغيير تركيز الأنشطة الاستخباراتية من مجال التقييم فقط ليتم دمجها بالعمليات التخريبية  والتأثير الاقتصادي والمكائد  السياسية والتي كانت تهدف إلى زعزعة استقرار الدول العربية وفيما بينها، ولكن في غياب إطار تنظيمي مناسب وكذلك في غياب لمفهوم منهجي شامل، ومن المحتمل أيضا  في حالة عدم وجود سياق إستراتيجي ذي صلة، كان العمل حقيقة قليلًا وتلاشى بعد عدة سنوات. من هذه الفترة  نتذكر على وجه الخصوص  أصداء “الأزمة ” في مصر، والتي أكدت فقط على عدم نضج الفكرة. في الستينيات  قامت شعبة الإستخبارات  بجعل الإنذار  مهمتها الأساسية واستثمرت قدراتها العملياتية  في تحقيقه ، وظلت العملية السرية والوقائية “عمليات الإحباط” من نصيب  الموساد والشاباك.

بدأ التغيير في مفهوم شعبة الاستخبارات وقدراتها  في هذا المجال  فقط بعد بضعة عقود من ذلك، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في جذور المفهوم كانت هناك أنشطة في البعد السري نبعت  من بين أمور أخرى من قدرة شعبة الاستخبارات على اختراق جدران الدفاع لدى الخصم  من خلال العمل السري الذي نشأ من احتياجاتها اللامتناهية كُمقِيم وطني. إلى جانب هذا  كانت هناك المعرفة عن قرب  مع العدو والاحتكاك المستمر معه، مما جعل من الممكن إيجاد فرص وأساليب عمل للتشويش والإحباط. هذه المفاهيم فيما يتعلق بالفرص والطرق الجديدة لعمل شعبة الاستخبارات بدأت في الظهور في إطار العملية  الاستراتيجية التي تم تطبيقها  في الإستخبارات في أوائل سنوات الـــ 2000 ، وهي عملية “الفكرة التأسيسية” (2003-2005)، بقيادة رئيس الاستخبارات  في ذلك الوقت اللواء (احتياط ) أهارون زئيفي (فراكاش). وأدت العملية إلى عدد من المفاهيم الرئيسية، على رأسها  صياغة فكرة “المعركة  السرية”، والتي تم تعريفها على أنها إطار مفاهيمي يخلق علاقة منطقية بين الأهداف  الاستراتيجية والعمليات. واستندت العملية إلى إعادة فحص دور الاستخبارات من جديد  في مواجهة التغيرات مثل تراجع موقع  الإنذار  من الحرب كمفهوم منظم  ومؤسس  لدى الاستخبارات  وتطوير قدرات عملياتية جديدة، مع التركيز على ظهور الفضاء السيبراني كإمكانية  تشغيلية جديدة.

خلال هذه الفترة، صاغت الاستخبارات لنفسها مقاربة فكرية جديدة للعمل الاستخباري. وقد مرت هذه من خلال اعتماد تحليل موسع فيما يتعلق بالسؤال كيف يجب على  الاستخبارات كمؤسسة أمنية مناقشة  هويتها والمحيط  وأنماط عملها. خلق هذا الخطاب سلسلة من الفروق والمفاهيم الهامة والجديدة، مثل “الكشف الإستراتيجي”، و”الضربة  الإلكترونية  “، و “الوسيط السري”، و “مساحة  الإنكار” “والعملية السرية “. تم تطوير هذه الأصول المفاهيمية في إطار ورش عمل وتمارين ودورات بمشاركة قادة من “الجيش الإسرائيلي” ومن شعبة الاستخبارات، حيث لعب فيها  (معهد أبحاث الاستخبارات في شعبة الاستخبارات) دورًا رئيسيًا. بمعنى آخر، حتى لو لم يكن هناك تغيير جذري في مفهوم الرئيسي  لاستخدام  للقوة في الجيش في تلك السنوات، عندما حدث هذا التغيير الكبير (وسيتم وصفه أدناه) استقر على بنى تحتية مفاهيمية وتنظيمية فنية  مكنت من تطويره. انعكس التغيير المفاهيمي في عدد من المعالم الحقيقية، مما أدى إلى أن ضرب مفهوم المعركة بين الحروب  – أو كما كان يسمى في ذلك الوقت “الحرب السرية” – جذوره  في حوار هيئة الأركان العامة. وشمل  هذا  محاولات تصميم معارك وتطوير مجموعة متنوعة من الأدوات والجهود العملياتية التي أثبتت نفسها ضد مجموعة متنوعة من الأعداء، في مجالات  إثبات التهم  وتشويه الصورة  والكشف لاستخباراتي، لأغراض مختلفة منها سياسية والحرب الاقتصادية وبداية حرب السايبر.

أوقفت حرب لبنان الثانية عام 2006 عملية التغيير في شعبة الاستخبارات، كجزء من اتجاه أوسع يتمثل في “العودة إلى الأساسيات” في “الجيش  الإسرائيلي”. أعرب قادة في شعبة الاستخبارات عن شكوكهم في فكرة المعركة السرية الخفية في ضوء النجاحات المحدودة والخوف من فقدان الأصول الاستخباراتية. والأهم من ذلك أن شعبة الاستخبارات ترجمت الشعور  بالأزمة التي عانت منها بعد الحرب إلى التركيز على مجال الطوارئ  والحاجة إلى إنشاء “مصنع أهداف”، وفي ظل عدم وجدود الشراكة  داخل الاستخبارات ومع  القوات المقاتلة ركز  لواء أو قسم التشغيل الذي تأسس بعد الحرب وكجزء من استنتاجاتها على هذه القضايا، وركز كذلك في مجال تحسين ومزامنة قدرات الجمع الاستخباري . وهكذا ، وحتى بداية العقد التالي، ظلت فكرة المعركة السرية على هامش  التفكير والعمل لدى شعبة الاستخبارات  والجيش بشكل عام، حتى لو أنه تم تبنيها جزئيًا من قبل هيئة الأركان العامة (فريق الحرب السرية في قسم العمليات ) وتم دمجها لأول مرة في  الخطة متعددة السنوات  عام 2011 ( خطة متعددة السنوات للحرب السرية).

الفترة الثانية – ترسيخ المعركة بين الحروب كنمط رئيسي لعمليات “الجيش الإسرائيلي” في الساحة الشمالية

 المعركة بين الحروب أصبحت حقيقة في بداية عام 2013، مع انطلاق الحملة العسكرية ضد تعاظم قوة حزب الله ومحاولة إيران ترسيخ نفسها في الساحة الشمالية إلى جانب  التطورات المدنية – الداخلية في سوريا، والتي عرفت باسم “يركبون الأمواج”. من الممكن تقدير ثلاث مراحل في تطور المعركة التي بين الحروب طوال الفترة، حيث أن  المصمم الرئيسي  لكل فترة والسمة الرئيسية التي تميز  بينهما  هو التغيير الكبير في بيئة عمل “الجيش  الإسرائيلي”:

المرحلة الأولى – بعد مرور عامين على اندلاع الأحداث في سوريا أدركت “دولة إسرائيل” الحاجة إلى العمل ضد  تحول سوريا إلى ساحة تستخدم للتعجيل في تعاظم  قوة  حزب الله من خلال تزويده بوسائل قتالية عالية الجودة.  وسبب هذا  – ضعف الحوكمة في المنطقة السورية، والإدراك بأن النظام في دمشق الذي يخوض صراعاً دموياً من أجل بقائه لديه مجال أو مساحة لاحتواء “الأعمال الإسرائيلية”. معلومات استخباراتية عالية الجودة عرفت الاستخبارات  كيف  تقدمها  والتي أشارت إلى فرص ملموسة لعملية على شكل السيطرة على طرق ومحاور  نقل الأسلحة في المنطقة السورية، إلى جانب الحاجة العملياتية الأساسية  لسلاح  الجو إلى منع نقل الأسلحة  التي  تخل  بالتوازن، مع التركيز على أنظمة الدفاع الجوي  والصواريخ الدقيقة.   هذه  المعركة نشأ عنها  شكل أو صورة عمل جديدة: هجومية سرية. استند هذا الشكل  الجديد إلى إرث تضمن  من بين أمور أخرى، الهجوم على المفاعل السوري، وكان مختلفًا عن فكرة المعركة السرية والخفية التي طورتها شعبة الاستخبارات  في العقد الماضي: لقد كان سلاح الجو  الجهة العملياتية الأبرز في هذه المعركة، وأنشأ مع الاستخبارات مزيجًا جديدًا من المعلومات الاستخبارية الدقيقة والنيران. في السنوات الأولى، لعبت شعبة الاستخبارات وظيفة ضابط  الاستخبارات في المعركة ووصف سلاح الجو بأنه قائدها.

المرحلة الثانية – في عام 2015 مع تحول سوريا إلى ساحة صراع دولية  وصعود داعش، أدركت “إسرائيل” الحاجة إلى ترسيخ المعركة بين الحروب  رسميًا كنمط عمل رئيسي، بما في ذلك كعنصر رسمي في إستراتيجية “الجيش الإسرائيلي”. في ذلك العام  تمت إضافة هدف  آخر إلى المعركة بين الحروب – النشاط ضد داعش، والذي يخدم أيضًا مكانة “إسرائيل” وصورتها في نظر شركائها في الغرب ويخلق لها رصيدًا إستراتيجيًا.

الخطوة الثالثة – في عام 2017  قدرت إسرائيل أن إيران ترى الأحداث في سوريا فرصة لها  لتمركز  طويل الامد فيها. على هذه الخلفية، كان هناك  تغييران مهمان  في المعركة بين الحروب  – الأول  تحول التركيز إلى معركة كان الهدف منها منع  التمركز الإيراني. لقد  كان الهدف الجديد مختلفًا عن الأهداف السابقة لأنه وضع “إسرائيل” في مواجهة مباشرة  مع إيران  وبطريقة  تتطلب خصائص  تفكير وعمل  فريدة من نوعها، خاصة بسبب وجود دولة  قوية  في سوريا. التغيير الثاني هو تحويل شعبة الاستخبارات إلى قائد المعركة تحت قيادة رئيس الأركان،بطريقة تطلبت  كمالية نظام المعركة  ” – من تحديد الأهداف  إلى تنفيذها.

الجزء 2 – التغيير التنظيمي والمفاهيمي لدى “الجيش الإسرائيلي” بعد المعركة بين الحروب

ترسيخ المعركة بين الحروب كنمط مركزي  لدى “الجيش  الإسرائيلي” في العقد الماضي أدى إلى تغييرات عملياتية  وتنظيمية ومفاهيمية. فمن وجهة نظر مفاهيمية تبنى “الجيش الإسرائيلي” على مر السنين طريقة المبادرة في مواجهة التهديدات القائمة والناشئة. علاوة على ذلك، يهدف هذا النهج إلى تشكيل واقع أفضل تُستخدم فيه القوة العسكرية “لإسرائيل” في تحسين صورتها ومكانتها والتأثير على المنطقة . من الناحية  التنظيمية، تحت قيادة رئيس الأركان كقائد للمعركة التي بين  الحروب  أصبحت شعبة الاستخبارات بقيادة قسم التشغيل   مقر القيادة  الرئيسي  الذي يشغل القوة   حتى لو كان لا يزال  لسلاح الجو الذي بقي القوة التنفيذية الرئيسية في ذلك دور ثانوي. حتى عام  2019  قادت شعبة الاستخبارات “أمان” حوالي نصف المعارك  الفرعية في المعركة بين الحروب، ولعبت  في الباقي دورًا رئيسيًا. هذه المكانة الفريدة  التي يكون فيها ضابط الاستخبارات هو مولد النشاطات وليس مجرد مقيِّم استخباراتي  أوجدت  نسيجاً  حساساً من السلوك  او التصرف  لا سيما تجاه الشريك الرئيسي للنشاط  وهو سلاح الجو الذي هو  منظمة مهيمنة جدًا في الجيش الإسرائيلي ومختلف جدًا من الناحية الثقافية عن شعبة  الاستخبارات.

داخل الاستخبارات  حدث  هناك تغيير عميق في  مراحل  العمل في الروتين  في ضوء الحاجة إلى الاستجابة السريعة؛ تم تصميم وإنشاء تقييمات منتظمة للوضع ومنتديات خاصة  ومكاتب وطواقم استخباراتية مخصصة . وتم تقصير وتيرة العمل، وأصبح التفكير والتخطيط والتجريم والتحليل لأساليب عمل العدو أكثر فعالية وجدوى.  وتغير توازن القوى الداخلي بين الهيئات المختلفة في الاستخبارات، حيث جعل قسم التشغيل المعركة بين الحروب في الواقع محور عمله، وقام بذلك كهيئة مقر عملياتية مسؤولة عن الاستخبارات بالكامل وكهيئة مسؤولة عن الوحدات التي زادت  بشكل كبير من حجم أنشطتها؛ لقد كان مطلوباً من قسم الأبحاث تركيز الجهود في الاستخبارات العملياتية أو في ضباط الاستخبارات ووضع المعركة بين الحروب  في صلب عمله، حتى على حساب قضايا لا تقل أهمية، مع التركيز على الاستخبارات الاستراتيجية السياسية؛ التغيير لوحظ  أيضا في أقسام الجمع. على سبيل المثال  في وحدة  8200، تم إنشاء ضابطات ذكاء شبكي خاصة، وطواقم متعددة المنظومات لمختلف الأنظمة، وتم تعزيز الشراكات (مع جهات الأبحاث والعمليات)، وتم تنظيم مجالات العمل والأدوات الجديدة ، وتم بناء الاستعداد للأحداث غير العادية والمتفجرة أو المندلعة.

أحدثت التغييرات في “الجيش  الإسرائيلي” بما في ذلك في  الاستخبارات عددًا من الضغوطات  التي ترافق أعمال الجيش الإسرائيلي حتى يومنا هذا:

1-  المعركة بين الحروب  كحجر شحذ  عملياتي أو ” حجر وزن ” للاهتمام والرؤية الاستراتيجية ؟

من ناحية، يرى البعض أن المعركة  بين الحروب  هي “حجر الشحذ” الذي أدى إلى تحسين حيوية وحدة  التفكير والعمل  لدى الهيئات المختلفة في  “الجيش  الإسرائيلي”: لقد أدت المعركة بين الحروب إلى تحقيق وإنجاز  المسائل التي تم التعامل معها لسنوات دون اختراق: تعزيز التكامل الداخلي (بين الأذرع ) والخارجي مع الهيئات الأمنية الأخرى. متعددة التخصصات كضرورة في العالم الحديث؛ التفكير في قوالب  منظوماتية ومرونة في العمل وتأثير كبير على الواقع. من ناحية أخرى هناك من يثير الشكوك حول التأثير الإستراتيجية للمعركة  بين الحروب ويركزون على المخاطر الكامنة في النشاطات  العملياتية والتقليل  من جدواها. علاوة على ذلك هم يزعمون أن الثمن الرئيسي الذي يدفعه “الجيش  الإسرائيلي”  في أعقاب  دخوله مجال المبادرات الإستراتيجية والعمليات المكثفة يضر بالاستخبارات الإستراتيجية والاستخبارات للحرب. وأن الانشغال المكثف بـ المعركة التي  بين  الحروب يعطي الأولوية للعاجل  على حساب المهم، وينشأ عنها حرف  أو تحويل قوى بشرية  (نحو العمليات)، ونقصًا في الاهتمام الإداري من جانب قيادة المنظمة وأنه يضعف القدرة على رؤية المشكلات على نطاق واسع وشامل مع النظر إليها من منظور أضيق.

2- العلاقة بين المعركة بين الحروب  والحرب – تنافس أم تكامل ؟

سنذكر في هذه القضية  أربع مدارس فكرية مختلفة:

  • المدرسة الأولى تقول إننا لا نتعامل مع معركة بين الحروب، بل مع معركة مستمرة.  بمعنى آخر: لا توجد فجوة مفاهمية بين المعركة بين الحروب والحرب. المعركة بين الحروب هي إجراء لتغيير واقع، وهي أداة تمكن من قيادة العمليات حتى لا ينتهي بها الأمر إلى الحرب، والحرب هي أساسًا زيادة شدة او قوة العملية  – مسألة يتم تعريفها وفهمها أحيانًا بأثر رجعي او متأخراً. يزعم مؤيدو هذا النهج أن المعنى هو أننا نستثمر القليل جدًا من مواردنا في التعامل مع المعركة بين الحروب والوسائل القتالية  والقوات  والتدريب والمال. يواصل “الجيش الإسرائيلي” بناء قوته بطريقة غير فعالة وغير مفيدة  تركز على حسم أو كسب الحرب ، وهو الشيء الذي قد لا نصل  إليه. بمعنى آخر  وفقًا لهذا النهج ، فإن المعركة بين الحروب هي الحرب نفسها.
  • المدرسة الثانية ترى أن المعركة بين الحروب والحرب مكملان لبعضهما البعض، ولا تتحدى هذه النظرة الحاجة الرئيسية للجيش لأن يكون مستعداً للحرب وهو بالتأكيد  الشيء  الذي من  روح تأسيسه ، لكنها ترى أن المعركة بين الحروب تزيد من الاستعداد للطوارئ. لذلك هي تدعي أن جعل   الأمرين يقفان ضد بعضهما البعض من أساسه خاطئ. وفقًا لهذا النهج، فإن الاستثمار في المعركة بين الحروب  صحيح لكن بالنسب الصحيحة.
  • أما المدرسة الثالثة فتعتبر المعركة بين الحروب تحرف عن الحرب”، وتنتقد المعركة بين الحروب وتعتبرها ” محدودة الأدوات “، وبهذه الطريقة تساويها بالواقع الحالي وتفوق  “الجيش  الإسرائيلي”  أو أعاقت  جهوزية  “الجيش الإسرائيلي” لحرب لبنان الثانية. أولئك الذين يؤيدون هذا الموقف يرون أن المعركة بين الحروب  هي مسألة مؤقتة تستهلك الكثير جداً من الموارد، ويحذرون من خطر التبني غير الصحيح لآليات التخطيط واتخاذ القرار في المعركة بين الحروب وتطبيقها على سيناريوهات الحرب. بعبارة أخرى  الاستثمار في  المعركة بين الحروب   في السنوات الأخيرة، مع التركيز على الجانب الاستخباراتي  غير متناسب ويخلق  إشكالية لأمن “إسرائيل”.
  • وفقًا للمدرسة الرابعة، فإن المعركة بين الحروب  هي   “لعب بالنار”، والتي بموجبها يتم تشبيه العمل الحالي بأعواد الثقاب التي يتم إلقاؤها في جميع الساحات – على أمل ألا يحدث هناك حريق كبير  ولكن مع استعداد جزئي ومحدود فقط لإمكانية حدوث حريق. بالإضافة إلى ذلك  هناك من يزعمون بأن  التوقعات من المعركة بين الحروب ضئيلة وأن القدرة على إحداث تأثير إستراتيجي من خلال القيام  بعدد منخفض نسبياً من العمليات أمر مشكوك فيه. وفقًا لهذا النهج، يعد الاستثمار في  المعركة بين الحروب خطأ إستراتيجيًا ويجب التراجع عنه او إيقافه.

      3- تشكيل  أداء  متعدد الساحات أم “الحرب” على إيران؟

  • المسألة الثالثة التي نطرحها للمناقشة هي الفجوة بين أولئك الذين يرون في المعركة بين الحروب حالة أو أداءً يسود في مجموعة متنوعة من الساحات  على  شكل الأمن الجاري في الضفة الغربية، أو العمليات في غزة أو الهجمات في سوريا – وجهة نظر متجذرة   جدا سواء في حاضر “الجيش الإسرائيلي” أو في السجلات  – وبين أولئك الذين يربطون المعركة بين الحروب  بسياق محدد للغاية، السياق الإيراني، ويرون في القصص الأخرى أنها أمور تم إلصقاها بها بشكل غير صحيح. الادعاء الواسع  في هذا الصدد هو أن المعركة بين الحروب تتغذى  وتغذي سياق أوسع من المنافسة الإستراتيجية الإقليمية أمام إيران وحلفائها. بمعنى آخر: إنها حرب  بكل ما تعنيه الكلمة ضد إيران. ولكن القتال ضد إيران والمحور هو أم المعارك الرئيسية. ولم يعد معركة بمفهوم المعركة بين الحروب.

هذه الرؤية، في وجهة نظرنا، لها آثار فيما يتعلق بتشغيل القوة وهيكليتها وتعزيز الحاجة الوطنية لإنشاء نظام علاقات وثيق ومتطور بين الجيش  الإسرائيلي والموساد. كما أنها  تضع الاستخبارات والموساد ( بمساعدة أطراف أخرى) في دور قادة المعركة، حيث إن  المشكلة معرفة  بمعايير  العمق الجغرافي على أنها معركة  تفكير وأدوات عملياتية أوسع من مناطق الراحة الطبيعية “للجيش الإسرائيلي”. بالإضافة إلى أنها تتطلب إدخال مجالات أخرى في التفكير، مثل المجال السياسي  وبُعد التأثير والسايبر الدفاعي  التي  لها تأثير على الحوار الاستراتيجي مع إيران.

ملخص ونظرة إلى الأمام  – مستقبل المعركة بين الحروب.

قبل عدة سنوات كان هناك من زعموا  بأن عصر المعركة بين الحروب قد انتهى، وأن التغيير في السياق الاستراتيجي في سوريا (عودة سيادة وحكم نظام الأسد وصراع المصالح مع روسيا) وكذلك تزايد الجرأة الإيرانية وبداية ردود الفعل حتى لو كانت في السياقات المواتية لإيران مثل المجال السيبراني إلى جانب الانتقال المتسارع باستمرار من الوسط السري إلى الوسط العلني الذي يقلل من مساحة الإنكار يغلق تدريجياً نافذة الفرص  ويجر المنطقة إلى شفا حرب أو تصعيد  أو بدلاً من ذلك غير مفيد  من ناحية  إستراتيجية.

ونحن نريد القول إن المعركة بين الحروب هي مفهوم لن يختفي على الأرجح من مشهد “الجيش الإسرائيلي”، لأن مفهوم المعركة بين الحروب أصبح مكونًا مركزيًا من مفهوم وإستراتيجية الأمن لدى “الجيش الإسرائيلي”. وهي  أيضًا أحد الأصول السياسة الخارجية “لإسرائيل” في مواجهة القوى العظمى والجهات الفاعلة الإقليمية والمجتمع الدولي. علاوة على ذلك  فإن تبني وجهة النظر القائلة بأن المعركة بين الحروب هي  صراع مستمر ضد إيران يعزز فقط من الفهم  بأن القضية أبعد من أن تنتهي .

من منظور أكثر رصانة، يمكن القول إن المعركة بين الحروب هي  أيضًا نمط يريده العديد من الجهات اللاعبة  – سواء على “الجانب الإسرائيلي” أو على جانب العدو – لأنها تسمح بخلق توازن في النظام. من نواحٍ عديدة  فهذه  منطقة مريحة إستراتيجية  – فهي مواجهة محدودة  وتدار ويتحكم  فيها  نسبيًا، وساحة  يمكن فيها استخدام القوة والردع  بأثمان  منخفضة، وقد تكون أيضًا هذه القصة الحديثة للمنافسة المستمرة وليس الأزمات الكبرى؛ لا أحد مهتم بالحرب والمعركة بين الحروب هي نموذج لـ “الحرب الباردة” بين “إسرائيل” وإيران أو حلفائها وعلى رأسهم  حزب الله.

القضية الأساسية التي ظهرت من خلال النظر إلى المحور التاريخي هي أن المعركة بين الحروب كما هي معروفة لنا اليوم وبشكل رئيسي الهجومية وفي الساحة السورية، ليست استمرارًا لفكرة المعركة السرية كساحة محتملة لمواجهات  إستراتيجية.

بالنظر إلى المستقبل من الضروري تطوير القدرات والمفاهيم والشراكات التي ستسمح بإعادة تعزيز فكرة المعركة السرية، ولا سيما في مواجهة تحدي الدائرة الثانية والثالثة الناشئتين مثل تنظيم  مختلف يدمج بين هيئات مجتمعية  بشكل أفضل.

إضافة إلى ذلك، فإن السياق الإيراني يؤثر على مفهوم حدود المعركة ويتطلب تعبئة وطنية. في مواجهة التحديات الواسعة المتوقعة لنا في عصر التكنولوجيا، ومنافسات التعلم والبيئة  والعدو سريعو التغيير هناك صعوبة في تجنيد موارد إضافية، على الرغم من أنه من المناسب القيام بذلك.  تشمل الطريقة الرئيسية لتسخير قوى إضافية لمهام الشراكات المجتمعية والدولية  التطوير المستمر للأدوات والأساليب الخاصة، وتطوير إجراءات العمل والثقافة التنظيمية التي تتضمن قيادة  وسيطرة  مرنة  وصياغة  طرق القياس وتحديد أو تعريف الإنجاز للمعركة.

تلعب علاقات الاستخبارات في “الجيش الإسرائيلي” ومع شركائه من الأجهزة الاستخبارية الشاباك والموساد  دورًا رئيسيًا في تمهيد هذا الطريق. وستظل العقبة الرئيسية أمام الثورة في هذا الشأن هي القضايا الهيكلية المفاهيمية والإنسانية والتنظيمية مثل الأنا والموارد والأخلاق.

بالنظر إلى المستقبل: هناك العديد من الأسئلة التي ستستمر في مرافقة  المعركة بين الحروب في السنوات القادمة – ما إذا كان وكيفية السماح “للجيش الإسرائيلي” بالعمل في إطار المعركة بين الحروب في المناطق التي يتمتع فيها العدو حتى الآن بـ “مساحة حصانة” نسبية؟. كيف يمكن تفادي التصعيد في الساحة الشمالية وغيرها من الساحات؟، وكيف يمكن تطوير أدوات تسمح لإسرائيل بالعمل في إطار المعركة بين الحروب  سراً؟ سؤال مهم آخر هو ما هو تأثير اتفاقيات إبراهام على المعركة بين الحروب التي قد تحد من نطاق عملها؟

ملاحظات هامشية

من المهم أن نلاحظ أن تطوير فكرة المعركة بين الحروب قد حدث بالقرب من تطور أفكار مماثلة في منظمات مجتمع الاستخبارات (خاصة الموساد)، حيث من ناحيتهم هذا لا يمثل تغييرًا عميقًا بل بالأحرى استمرارية لطرق العمل الاستباقي الوقائي والاغتيالات التي تهدف إلى التأثير على الواقع ومنع تشكيل التهديدات.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى