أخبارأخبار رئيسيةالملف الإيرانيمقالات إستراتيجية

صعوبات في المفاوضات بشأن الاتفاق النووي وتداعيات ذلك على “إسرائيل”

ترجمة الهدهد
معهد أبحاث الأمن القومي/ إلداد شبيط وسيما شاين
بينما وصلت المناقشات في فيينا إلى طريق مسدود وتراجع احتمال التوصل إلى اتفاق، تواصل إيران تسريع برنامجها النووي، ووفقًا لأحد التقديرات ستكون قادرة خلال شهر على تخصيب كمية كافية من اليورانيوم إلى المستوى العسكري لثلاث قنابل. في ضوء الوضع المعقد يجب على “إسرائيل” أن تضع على الفور إستراتيجية جديدة ضد إيران، بالتعاون الكامل مع الولايات المتحدة.

اصطدمت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول إحياء الاتفاق النووي بصعوبات خطيرة، بسبب معارضة الإدارة الأمريكية والشركاء الأوروبيين لمطالبة إيران بأن تغلق الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملفات المفتوحة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني قبل تنفيذ الاتفاق (بعد 120 يومًا من التوقيع)، وفي الوقت نفسه تواصل إيران تسريع الخطة بما في ذلك تخصيب اليورانيوم باستخدام مجموعات من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة.

وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. حل الأزمة وتوقيع الاتفاق.
2. مراوحة الاتصالات في مكانها وبوتيرة منخفضة الكثافة، وانهيار المفاوضات.
3. السيناريو الخطير بالنسبة ل “إسرائيل” هو استمرار الوضع القائم، فيه قد تقوم إيران في وقت قصير بتجميع ما يكفي من المواد الانشطارية لتخصيبها إلى المستوى العسكري لعدد من المنشآت النووية، بينما يزداد إغراء الانطلاق نحو الأسلحة النووية.

لذلك يجب على “إسرائيل” أن تصوغ على الفور إستراتيجية جديدة تجاه إيران، وفي هذا الإطار سيكون من الأفضل أن تستمر الحكومة في حوار سري مع الإدارة الامريكية وتركز على مقترحات تهدف إلى تعزيز احتياجاتها العسكرية والإستراتيجية بما في ذلك تأسيس تعاون مشترك سري، والتعاون الفعال مع دول المنطقة تحت رعاية الولايات المتحدة.

تواصل الولايات المتحدة وإيران تبادل الاتهامات بشأن الالتزامات المتبادلة التي ستسمح بالعودة إلى الاتفاق النووي، بناءً على الوثيقة التي قدمها الاتحاد الأوروبي إلى الطرفين قبل بضعة أسابيع، وقالت الإدارة الأمريكية إن رد إيران غير مشجع، وفي بيان نشرته فرنسا وبريطانيا وألمانيا في 10 سبتمبر/أيلول جاء أن مطالب إيران تثير شكوكًا كبيرة بشأن نواياها والتزامها باتفاق نووي متجدد.

جوهر الخلاف هو المطلب الإيراني بإغلاق ملفات تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل يوم من إعادة إحياء الاتفاقية من جديد (في اليوم الـ 120 بعد التوقيع)، فيما أكدت الإدارة الأمريكية والشركاء الأوربيون أن العودة إلى الاتفاق النووي لا يمكن أن تكون مشروطة بوقف تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية غير المتعلقة بالاتفاق النووي.

ومن جهة أخرى صرّح الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بأنه بدون حل قضية ملفات التحقيق المفتوحة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا طائل من العودة إلى الاتفاق النووي، وأوضح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، أنه لن يغلق الملفات حتى تقدم إيران تفسيرات معقولة للأدلة التي تم العثور عليها في ثلاثة مواقع غير معلنة.

في الوقت نفسه تواصل إيران التقدم في برنامجها النووي، وبدأت في الأيام الأخيرة في تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 5 في المائة في السلسلة الثانية من ثلاثة من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة (IR-6)، والتي تم تركيبها في مجمع تحت الأرض في نطنز، وينضم هذا التخصيب الذي بدأ العام الماضي باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة إلى مستوى 60 في المائة في المنشأة التي على سطح الأرض في نطنز، وفي الشهر الماضي تم تنشيط سلسلة ثانية من أجهزة الطرد المركزي ذات (IR-6) في منشأة تحت الأرض في بوردو، وجاء في أحدث تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية (7 سبتمبر) قبل اجتماع منتدى المحافظين الذي سيعقد هذا الأسبوع، أن إيران تمتلك 55.6 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي كمية كافية لتخصيب قنبلة واحدة.

ووفقا لتقرير المعهد الكبير في واشنطن (ISIS) الذي يراقب تقدم البرنامج النووي الإيراني فإنه في ظل الوضع الحالي للمخزون يمكن لإيران خلال شهر تخصيب اليورانيوم المخصب إلى المستوى العسكري بما يكفي لثلاث قنابل، وفي غضون أربعة أشهر لخمس قنابل، علاوة على ذلك، ووفقًا لهذا التقرير تكتسب إيران خبرة مهمة تتعلق بقرار الانطلاق إلى القنبلة في كل ما يتعلق بالتخصيب المباشر إلى مستوى عالٍ مع التخلي عن المراحل الوسطى.

كذلك فإن إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي تم تقليصه بشكل كبير على الأرض وعدم جدية طهران في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقضايا المفتوحة بينها وبين الوكالة، يجعل من الصعب تعقب أي تحويل أو تسريب محتمل للمواد المخصبة. وهاجم المتحدث باسم هيئة الطاقة النووية الإيرانية التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية بقوله إن هذا تكرار مدفوع بمصالح سياسية لأحداث سابقة إثر ضغوط تمارسها دول وعلى رأسها “إسرائيل”.

قضية تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي صخرة الخلاف الأساسي، هذا بالإضافة إلى صداها العلني، ما يجعل من الصعب للغاية على الولايات المتحدة وإيران الاتفاق على صياغتها الغامضة كما ظهرت في المسودة الأوروبية الأولية والتي كانت تهدف إلى السماح بتوقيع الاتفاقية والبدء في تنفيذها مع تأجيل الحل لما بعد.

من الصعب أن نرى كيف يمكن تجسير المواقف المستقطبة لواشنطن وطهران فيما يتعلق بالموضوع، لكن يبدو أنه في المرحلة الحالية لا مصلحة لجميع الأطراف المعنية – الولايات المتحدة وإيران والدول الأوروبية – في إعلان انهيار المفاوضات، أما بالنسبة للإدارة الأمريكية فإن المصلحة تبقى كما هي، تحقيق حل دبلوماسي يوقف تقدم إيران في البرنامج النووي، من الواضح أيضًا للولايات المتحدة أن البدائل إشكالية للغاية، في الأشهر المقبلة ستشارك الإدارة بقيادة الرئيس بايدن في حملة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (بداية نوفمبر 2022)، لذا فمن المحتمل جدًا أن تكون الإدارة مهتمة بتأجيل التعامل مع الموضوع بعد الانتخابات، خاصة عندما تواجه حاليًا معارضة متزايدة من نواب من الحزب الديمقراطي في هذا الصدد.

وترى طهران أيضًا أن الوضع الحالي هو أفضل الخيارات؛ إذ يسمح لها بمواصلة التقدم في برنامجها النووي دون ضغوط جديدة عليها، ولهذا صرح وزير الخارجية الإيراني أن المفاوضات جارية وأجرى محادثات مع نظيريه في عُمان وقطر حول الموضوع، بل ومارس ضغوطًا غير مباشرة على الشركاء الأوروبيين في المحادثات، مع التلميح إلى قدرة إيران على تلبية احتياجاتهم من الغاز إذا تم رفع العقوبات، وهذه الدول من ناحيتها منغمسة بشكل أساسي في الأزمة المحيطة بأوكرانيا والقضايا الاقتصادية الداخلية وليسوا مهتمين بإعلان انتهاء المفاوضات، الأمر الذي سيتطلب منهم مواجهة تدهور محتمل، والشريكان الآخران في الاتفاق النووي – روسيا والصين – اللذان يقضيان نوعًا من “شهر العسل” في علاقاتهما مع إيران غير منزعجين من التقدم الإيراني في البرنامج، وغير مهتمين بإنجاز للرئيس بايدن، وروسيا ليست مهتمة حتى بضخ المزيد من النفط والغاز في السوق.

على هذه الخلفية، هناك ثلاثة سيناريوهات ممكنة:
• حل الأزمة وتوقيع الاتفاقية.
• استمرار المراوحة في المكان، اتصالات بوتيرة منخفضة.
• انهيار المفاوضات والإعلان عن فشل مساعي العودة للاتفاق النووي.

يبدو أن التوصل إلى اتفاق يمثل إشكالا في الوقت الحالي، لكن الطرفين يواصلان التأكيد أنهما يريدان تحقيقه، حتى إذا تم إحياء الاتفاقية وتنفيذها فإن الإنجازات الرئيسية ستكون سحب كميات اليورانيوم المخصب من أيدي إيران، وخفض مستوى التخصيب، وكذلك تجميد عملية تركيب أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وعملياً إبعاد إيران لنحو ستة أشهر من القدرة على التقدم نحو سلاح نووي، بالإضافة إلى تجديد الرقابة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية على البرنامج النووي، ومن ناحية أخرى لا يمكن محو المعرفة الكبيرة المتراكمة في إيران، وستبقى أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في إيران وستتمكن في المستقبل من العودة للتخصيب في وقت قصير بينما تتمتع من رفع الحظر عن مئات الملايين من الدولارات خارج أراضيها ومن وأرباح تصدير النفط والغاز.

إن استمرار المراوحة في المكان وعدم التقدم وإن كان تحت ستار مفاوضات قد تفضي إلى اتفاق هو الأكثر خطورة من وجهة نظر “إسرائيل”، في هذا السيناريو صحيح أن العقوبات المفروضة على إيران ستستمر، لكن إيران ستستمر وإذا استطاعت ستسرع من التقدم في البرنامج النووي، مع الاستمرار في التأكيد على أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق فستكون قادرة على التراجع عن التقدم في البرنامج، في هذا السيناريو قد تصل إيران في وقت قصير لتكديس ما يكفي من المواد الانشطارية لتخصيبها إلى المستوى العسكري للعديد من المنشآت النووية، ومن هناك من المرجح أن يتزايد إغراء التقدم نحو سلاح نووي.

إن انهيار المفاوضات واعتراف واشنطن والأوروبيين بذلك سيُنظر إليه بالفعل من قبل معارضي الاتفاقية على أنه إنجاز كبير، لكن من المشكوك فيه أن يكون لدى أي منهم رد فعال على تقدم إيران المستمر في تكديس اليورانيوم عالي التخصيب، فضلًا عن التطوير المستمر والنهوض بالقدرات الأخرى في البرنامج النووي، صرحت الإدارة الأمريكية بأنها مستعدة أيضًا لاحتمال أن تكون هناك حاجة إلى تنفيذ بدائل في حال عدم العودة إلى الاتفاق، لكن يبدو أنه بخلاف التصريحات العامة ليس لديها خطة منظمة للتعامل مع إيران، إذا ما انهارت المحادثات الحالية، علاوة على ذلك، حتى بعد الانتخابات النصفية ستستمر إدارة بايدن في مواجهة الحاجة إلى الاستجابة لسلسلة طويلة من المشاكل الداخلية (الوضع الاقتصادي، وزيادة الاستقطاب الاجتماعي، وما إلى ذلك) بالإضافة إلى التحديات الخارجية التي تهدد المصالح الأمريكية، وعلى رأسها المنافسة مع الصين والمعركة في أوكرانيا.

هذا الواقع الخطير يتطلب من “إسرائيل” أن تصوغ فوراً إستراتيجية جديدة ضد إيران، صحيح أن “إسرائيل” تشجع على عدم العودة إلى الاتفاقية، لكنها لم تقدم حتى الآن بديلاً إستراتيجيًا قابلاً للتطبيق للتعامل مع هذا الوضع، من المشكوك فيه ما إذا كان رد فعل النظام الدولي ولا سيما الولايات المتحدة على انهيار الاتفاقية سيلائم طموحات “إسرائيل” وأهمها تشديد العقوبات بشكل كبير وبناء “خيار عسكري ذي مصداقية” من أجل فرض اتفاقية أقوى وأطول على إيران، في الولايات المتحدة، هناك اتفاق ساحق بين الحزبين على أنه يجب تجنب التورط في حروب غير ضرورية، خاصة في الشرق الأوسط، حيث يتم حاليًا استثمار مواردها في التعامل مع آثار وتبعات الحرب في أوكرانيا والاستعدادات ضد الصين، في ظل هذه الظروف فإن احتمال بناء تحالف فعال ضد إيران ضعيف طالما أنه يركز بشكل أساسي على تطوير التخصيب ولن يكون هناك دليل قاطع على أنها تتجه إلى القنبلة.

بافتراض أن سيناريو الاتفاق قريب، فهو أقل احتمالية من السيناريوهين الآخرين، سيكون من الأفضل لو واصلت “الحكومة الإسرائيلية” حوارًا استراتيجيًا سريًا مع الإدارة الأمريكية وتركز تحركاتها على الترويج لمقترحات لا تهدف إلى تخريب الفرص الضئيلة للتقدم نحو اتفاقية بل احتياجاتها العسكرية والإستراتيجية، بما في ذلك إنشاء نظام تعاون سري وفعال مع دول المنطقة تحت رعاية الولايات المتحدة، وذلك في ظل احتمال أن يؤدي الفشل في التوصل إلى اتفاق إلى تشجيع إيران على الشروع في تحركات عدوانية ضد جيرانها مع التركيز على الوجود الأمريكي في المنطقة الذي تهاجمه طهران بشدة، يجب على “إسرائيل” أن تأخذ في الاعتبار أنه حتى لو لم تفز الإدارة الأمريكية في انتخابات التجديد النصفي بأغلبية في كلا المجلسين التشريعيين فلا يزال هناك عامان متبقيان في ولايتها، وتولى أهمية كبيرة لقدرة “إسرائيل” على الحفاظ على علاقة جيدة معها فيما يتعلق بمجموعة القضايا السياسية والأمنية المطروحة على جدول الأعمال.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى