أخبارأخبار رئيسيةمقالات

الضفة بين “كاسر الأمواج”و”السور الواقي2”..

التوقعات والمآلات

شبكة الهدهد
 بقلم/ هيئة التحرير

في ضوء ارتفاع حدة العمليات في الضفة الغربية، عقد رئيس وزراء العدو يائير لبيد (الخميس) جلسة لتقييم الأوضاع بغية بلورة أدوات وخطوات فورية من شأنها تحقيق الاستقرار في الضفة الغربية ووقف التدهور الأمني.

أحلام اليقظة التي يسعى لبيد لتسويقها للصهاينة قبيل شهرين من الانتخابات الخامسة خلال السنوات الثلاث الأخيرة في الأول من نوفمبر، والإنجازات التي يعتقد جيش العدو أن “كاسر الأمواج” حققها، حيث اعتقل 1500 فلسطيني وفقا لتصريح قبل عدة أيام لكوخافي، وأحبط مئات العمليات ضد الجيش والمستوطنين مع فاتورة دم ثقيلة على أكتاف الفلسطينيين من شهداء وجرحى تدعونا للوقوف على حقيقة ما يجري، وهذا الإنجاز العام والوردي والمتفائل من وجهة نظر صهيونية يحتاج إلى تفصيل:

  1. “كاسر الأمواج” العملية المتواصلة في الضفة الغربية والتي انطلقت بعد عمليات بطولية في إلعاد وبني براك في نهاية مارس2022، هرب عبرها العدو من التورط في عملية عسكرية على شاكلة السور الواقي 2، عبر اجتياح الضفة الغربية مثلما حدث في 2002م حيث كان العدو بين خيارات أحلاهما مر، عملية عسكرية كبيرة تثير ضجيجاً اقليمياً ودولياً وتدفع الفلسطينيين إلى الانخراط في مواجهة متعددة الساحات مثلما حدث في سيف القدس 2021.
  1. اعتمد العدو على “كاسر الأمواج” ككرة ثلج متدحرجة بديل عن عملية عسكرية واسعة كالسور الواقي 2في ظل رعب انتشر في أركان العدو ومفاصله الأمنية والعسكرية والأمنية قبل رمضان 2022، ومسيرة الأعلام واقتحامات الأقصى والتوتر ودرجة الاستنفار العالية جدا على جبهات مختلفة أهمها جبهة غزة والقدس والضفة فكان على العدو ألا يقع في عش الدبابير عبر عملية عسكرية واسعة أو محدودة مناطقياً في الضفة الغربية خصوصاً جنين في ظل تهديدات المقاومة الواضحة وربطها لساحات الضفة وغزة حينها بشكل واضح لا لبس فيه.
  2. “كاسر الأمواج” منذ عدة أسابيع بدأت تأخذ منحى مغاير للاعتقالات أو الاقتحامات أو جمع المعلومات الاستخبارية بل اتخذت منحى تحت بند الاغتيال وتصفية منفذي عمليات تحت شعار (طنجرة الضغط) وضمن اقتحام مناطق ساخنة ومتوترة مثل جنين ونابلس بأعداد كبيرة جدا وبأعداد كبيرة من الآليات ومن محاور مختلفة.
  3. مع التأكيد على ما نشرته قناة كان من استخدام العدو الطائرات المسيرة في عمليات الاغتيال والاستطلاع وهي أدوات مشهورة في عمليات الجيش في قطاع غزة.

 ولكن رغم تفاخر جيش العدو بكاسر الأمواج إلا أن خمسة شهور منذ انطلاقها أبرزت عدة ظواهر مثيرة للانتباه وهذا باعتراف كتاب ومحللين وقادة أمنيين في كيان العدو نجملها فيما يلي:

  • “كاسر الأمواج” تميزت ليس بزيادة معدل الاعتقالات بل في فرض قواعد اشتباك جديدة حيث يقابل أي اقتحام لقوات العدو مدن وبلدات بالضفة الغربية اشتباك مسلح بشكل يومي بالتوازي مع الحجارة والزجاجات الحارقة وهذا الذي أشارت إليه الإحصائيات حول أكثر من 120 عملية إطلاق نار منذ انطلاق العملية تقريبا خلال 5 شهور فقط وهذا رقم كبير جدا مقابل ذات الفترة في الضفة الغربية من العام الماضي.
  • يرى العدو أن روح المقاومة في الضفة الغربية تم إحياؤها وإعادة تموضعها بقوة بفضل جهود حركتي الجهاد الإسلامي وحماس وانضمام كتائب الأقصى الفتحاوية لعمل نضالي مشترك مع الانسلاخ شبه الكامل عن منظومة السلطة الأمنية والحكومية الفاسدة، وهناك نتائج عكسية لما يقوم به العدو من اعتقالات واغتيالات وهدم للمنازل فالروح النضالية الوثابة عادت تسرى في الضفة الغربية بعد فترة طويلة من “جز العشب” المشترك من السلطة والعدو للمناضلين وأركان المقاومة حتى الفردية منها.
  • ضعف السلطة الفلسطينية الذي يرجع لعدة عوامل أبرزها معركة ما بعد عباس والصراع على السلطة والمصالح الشخصية الاقتصادية المرتبطة بالعدو وأجهزته الأمنية والتي حولت السلطة مفاصلها وكبار مسئوليها لوكيل أمني مرتبط بعلاقة تبعية انهزامية ابتزازية، وهذا انعكس بانحسار كبير لنفوذ السلطة في مناطق كبيرة في الضفة الغربية، أبرزها جنين ونابلس والخليل وكثير من المناطق، والتي كان للعدو وإدارته المدنية ومن ورائها منسق حكومة العدو دور أساسي في تحويل السلطة لخيال مآتة، بربط كل مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والطبية والمواصلات والطاقة والمياه والزراعة والصناعة وكل شيء تقريباً بمكتب التنسيق للعدو.
  • في حين أن المراهنة الصهيونية على حسين الشيخ – الذي لا يملك تاريخا عسكريا نضاليا ثقيلا أو علاقات عشائرية مثل غيره من المنافسين على خلافة عباس – هو رهان خاسر جدا في ظل حالة الاستقطاب وكسر العظم بين المتنافسين على منصب الرئيس، وما الردح بين الطيراوي من جهة وحسين الشيخ من جهة أخرى -وتدخلات عباس للجم الطيراوي – إلا قمة جبل الجليد للصراع الداخلي المندلع داخل السلطة وفتح الرسمية.
  • هذه الحالة خلقت جيلا متمردا محبطا من الشبان يبحث عن ذاته ويفجر غضبه على منصات التواصل الاجتماعي والذي لم يسلم من قمع السلطة والعدو وملاحقتهم، وكان آخرها نزار بنات وغيره من النشطاء والصحفيين؛ مما دفع هذا الجيل إلى التقدم مبادرا وسط وفرة السلاح والذخيرة من تصنيع محلي أو مهرب ليتحول الرصاص هو الأسلوب والأداة الأنجع لتأديب جيش العدو ومستوطنيه وفرض قواعد جديدة للاقتحامات وتحرك العدو ومكوناته في أزقة ومفارق الضفة الغربية.
  • ولم تكن العمليات الفردية السابقة إلا رأس الجبل الجليدي لحالة الإحباط واليأس في ظل انعدام أي أفق سياسي أو تحرري مع سلطة فاسدة تعيش تحت بساطير الاحتلال وتعمل وكيلا أمنيا له، وبدلاً من أن تتحول اقتحامات العدو لرحلة صيد سفاري تحولت إلى جحيم لا يطاق، فيها قتل ضباط كبار، وأصيب العديد من الجنود خلالها.
  • إضافة إلى أن الاقتحامات واستخدام القوة المفرطة عبر قصف المنازل بالصواريخ المضادة للدروع ضمن مفهوم “طنجرة الضغط” جعل الشباب الفلسطيني لا يملكون أي خيار سوى المقاومة حتى آخر نفس؛ لأنه لا مفر أمامهم غير ذلك.
  • هذا الجيل من الشبان الفلسطينيين (17-25 سنة) الذين يشاركون بالمئات في التصدي لاقتحامات جيش العدو بأسلحتهم وعبواتهم الناسفة والزجاجات الحارقة وصفتهم وسائل إعلام صهيونية: “بجيل غاضب محبط تجددت داخله الروح النضالية، ضمن قادة ميدانين مؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، يبحثون على أن يكون لهم بصمة وتأثير في العمليات ضد العدو، فرموز النضال الوطني يولدون كل يوم، ويستقر الشعور بالقدرة وإمكانية الكفاح المسلح في القلوب وفي الوعي الجماعي لدى جيل الشباب، ويغذي الدافعية لديهم للانضمام إلى النضال.
  • كما أنهم غير مرتبطين ضمن هرم تنظيمي نمطي معروف، وهم مجموعات محلية يجمع كثير منهم إطار العائلة والصداقة والارتباط الجغرافي مع دعم وإسناد وتشجيع من فصائل المقاومة كحماس والجهاد الإسلامي وفتح، ويتحركون من منطقة الإعجاب للتقليد ثم للتنفيذ وللصمود والموت رغم “طنجرة الضغط” وانتهاء الذخيرة، وهذه الحالة هي الأخطر والمتوقع أن تزداد قوةً وانتشارًا رغم موجة الاعتقالات والاغتيالات الكبيرة.
  • يعزو كبار المسؤولين في كيان العدو الانتفاضة في معركة الوعي النضالي لجيل الشباب في الضفة الغربية إلى الضائقة الاقتصادية معتقدين بأن اللفتات الاقتصادية ستخفف من موجة اللهب المتصاعدة في الضفة الغربية، ولكن هذا خطأ كبير؛ فالضائقة الاقتصادية في حد ذاتها ليست عاملاً يفسر الظاهرة، لكن الحديث يدور عن وعي نضالي يتوسع ضمن عوامل ذاتية وموضوعية وتأثر كبير بما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي، والذي يدفعهم للتقليد وتغذية زيادة مستوى الاحتكاك العنيف مع قوات جيش العدو من خلال الشعور بالنجاح وخاصة الفراغ الحكومي الناتج عن ضعف السلطة الفلسطينية.

التوقعات والمآلات

  1. رغم التحذيرات الصهيونية والضخ الإعلامي الصهيوني (تهيئة الرأي العام الداخلي والتحريض) لتنفيذ عملية واسعة في شمال الضفة الغربية (نابلس، جنين) إلا أن جيش العدو يعتبر أن “كاسر الأمواج” ناجحة جدًا على مستوى إحباط مئات العمليات واعتقال المئات والتنقيط بعمليات الاغتيال والتصفية وجمع المعلومات الاستخبارية، إضافة للأدوات الاقتصادية والمصالح الاقتصادية لمراكز القوى للسلطة وأجهزتها الأمنية بعكس أي عملية عسكرية واسعة قد تثير ردود فعل عالمية وإقليمية.
  2. تكليف هارتسي هاليفي قائد أركان جيش العدو خلفًا لكوخافي، والذي سيبدأ في منصبه في يناير 2023، قد يكون له دلالة على الوضع في الضفة الغربية كونه قائد سابق للواء “منشيه” الإقليمي (جنين)، وهي المنطقة الأكثر سخونة شمال الضفة الغربية، ولا يُعتقد أن تعيينه سيغير في قواعد إطلاق النار أو سيكون له تغيير جدي أو مختلف في عمليات جيش العدو في الضفة الغربية، سوى أنه اليد اليمنى لكوخافي وواضع سياسات وخطط عملياتية لجيش العدو في الضفة وغيرها من الساحات.
  3. وحتى كونه قائدًا للأركان فستكون يداه مقيدة من قبل المنظومة السياسية من جهة، وطبيعة المنصب المكلف به من جهة أخرى، والذي تتداخل فيه السياسة والأمن والمصالح الذاتية.
  4. إضافة إلى أن ترابط الساحات – حتى لو كان شكليًا – بين غزة والضفة والقدس والداخل المحتل، وحالة غزة النضالية والعسكرية صنعت الدافعية العالية جدًا والمحفز لحس وطني كبير تشير نتائجه إلى تقدم الكثير من أبناء فتح لساحات الاشتباك، والمواجهة وتنفيذ العمليات بالتنسيق مع حماس والجهاد الإسلامي وليس ضمن غرفة جنين المشتركة فقط، بل ميدانيًا أو ارتجاليًا كان العمل أو مخططًا له مسبقًا.
  5. حالة الحكومة الانتقالية قد تدفع حكومة غانتس لبيد لتكرار مغامرة العدوان على غزة في 5-7 أغسطس الماضي، بمغازلة قواعدهم الانتخابية بدماء الفلسطينيين أيضًا في الضفة الغربية، وهذا غير مستبعد في ظل حالة النشوة التي يشعر بها قادة الكيان الأمنيين والسياسيين بعد عدوان أغسطس والشعور بالإنجاز السريع والخاطف، وما يسمى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك مع الفلسطينيين، خصوصًا لبيد والذي يفتقر إلى تاريخ عسكري مميز مع شعوره بعقدة النقص أمام غانتس وقادة عسكريين ضمن منظومة العدو السياسية الحالية.
  6. في ظل الظروف الحالية لن يكون هناك تغيير في حالة ضعف وتراجع مكانة السلطة الفلسطينية، فالاعتداءات الصهيونية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والتي من ضمنها الاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات ستؤدي حتمًا إلى زيادة أخرى في الاحتكاك وفي ارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين، وسيقترب كيان العدو بخطوات كبيرة أقرب إلى المعضلة الاستراتيجية وهي: الاختيار بين جهد متجدد ومبادرة سياسية نحو الانفصال، حتى لو كان محدودًا بسبب غياب إمكانية للتسوية الدائمة في المستقبل المنظور أو التسويق لمبادرة سياسية حتى لو كانت غير واقعية بهدف إحراج الفلسطينيين، وهذا مستبعد في المنظور القريب، لأن نتنياهو وحكومة لبيد غانتس وحتى من سيأتي بعدها يتعاملون مع القضية الفلسطينية كـ”إدارة وقائع” فقط لا غير، وليس ضمن أفق وحلول سياسية متوسطة أو بعيدة المدى.
  7. معركة أغسطس الماضي اندلعت نتيجة ربط الساحات، وليس هناك أي محاولة صهيونية لرفع وتيرة “كاسر الأمواج” إلى درجة “عملية اجتياح” حتى لو كانت محدودة قد تمر بسلام، بل هناك اعتقاد بأنها قد تفجر مواجهة متسارعة مع جبهة غزة، وحتى لو كانت محدودة أيضًا، ضمن فرض قواعد جديدة للاشتباك وتعزيز وحماية المنجزات السابقة.
  8. جبهة الشمال مازالت ملتهبة في ظل ترحيل أزمة الغاز بين لبنان والكيان إلى نهاية أكتوبر القادم، والمتوقع ترحيلها أيضًا لما بعد تشكيل حكومة العدو في يناير 2023، لكسب مزيد من الوقت وزيادة الجهوزية وتفريغ تهديدات حزب الله من مضمونها أمام قاعدته الشعبية والإقليمية، إضافة لزيادة الضغط الشعبي على المقاومة اللبنانية للرضوخ لأي مستوى صفقة مع العدو في ظل أزمة الطاقة والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها لبنان مع اقتراب فصل الشتاء القاسي.
  9. لا يستبعد أن يستغل الكيان مجموعة البؤر الملتهبة الكثيرة التي سبق ذكرها، في المبادرة بمعركة تعمل على خلط الأوراق في المنطقة وتوريط إدارة بايدن مع الإيرانيين قبيل التوقيع على الاتفاق النووي أو حتى بعده، وفي ضوء الانتخابات النصفية الأمريكية في الثاني من نوفمبر القادم (اليوم الثاني لانتخابات العدو) وسط تراجع شعبية بايدن في شهر مارس المنصرم، انخفضت نسبة تأييد الرئيس بايدن بصورة تدعو للقلق. فالاستطلاع الذي أجرته “رويترز/‏ إيسوس” أشار إلى أن 54% من المستطلعة آراؤهم لا يوافقون على أداء بايدن الوظيفي، كما يلقي 40% من المستطلعة آراؤهم باللوم عليه بخصوص أزمة الطاقة جراء الحرب الروسية الأوكرانية.

وتبقى الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت على جبهات كثيرة، ولكن تسونامي الوعي النضالي في الضفة الغربية يتقدم مكتسحًا “كاسر أمواج” العدو مفرقاً ومحطماً في طريقه روح الوهن والخور والذلة والتبعية التي زرعتها سلطة دايتون على مدار عقود بين الفلسطينيين.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى