أخبار رئيسيةأصداء الشارع "الإسرائيلي"ترجمات

“الاقتصاد الإسرائيلي” في بيئة عالمية غير مستقرة

ترجمة الهدهد
معهد دراسات الأمن القومي/ تومر فادلون- إستيبان كلور

ازداد عدم الاستقرار الاقتصادي في الأشهر الأخيرة بعد أرقام الاقتصاد الكلي التي نشرتها الاقتصادات الكبرى، وإن عودة التضخم وأزمة سلسلة التوريد والحرب في أوكرانيا تترك بصماتها على الاقتصاد العالمي وتثير القلق بين السياسيين والبنوك المركزية.

على عكس معظم دول العالم تبدو “إسرائيل” كجزيرة للاستقرار الاقتصادي، فالتضخم منخفض نسبياً، بينما تسجل الدول الغربية نمواً سلبياً، وقد تجاوزَ النمو في “إسرائيل” في الربع الثاني كل التوقعات، لكن على الرغم من البيانات الإيجابية، إلا أنه من المتوقع أن يؤثر التباطؤ بين الشركاء التجاريين الرئيسيين “لإسرائيل” على الاقتصاد المحلي، والذي سيتعين عليه مواجهة بيئة اقتصادية صعبة في الأشهر المقبلة.

في الأشهر الأخيرة بدأت تنبؤات حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي، كما يتضح من أرقام الاقتصاد الكلي المنشورة في جميع أنحاء العالم، وخاصة الولايات المتحدة والصين، فقد سجل اقتصاد الولايات المتحدة مؤخراً نمواً سلبياً للربع الثاني على التوالي؛ وانخفض الناتج المحلي الإجمالي 1.6 % في الربع الأول من عام 2022 و0.9 % في الربع الثاني، وبلغ نمو الصين في الربع الثاني من عام 2022 إلى 0.4 % فقط، مقارنة مع توقعات بنسبة 1%، وتشير أرقام يوليو إلى تباطؤ في الربع الثالث في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وارتفعت أرقام المنتجات الصناعية بنسبة 3.8% في يوليو، مقارنة مع التوقعات بنسبة 4.6 %، وارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 2.7 % فقط، مقارنة بالزيادة المتوقعة بنسبة 5 %، ورداً على ذلك اتخذ البنك المركزي الصيني خطوة مفاجئة – على عكس الاتجاه العالمي – بخفض سعر الفائدة إلى 3.65 %.

ردت المؤسسات الاقتصادية الدولية على هذه الأرقام بخفض توقعاتها للنمو العالمي مرة أخرى، وخفّض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي من 4.1 إلى 2.9 %، وخفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي من 4.9 % إلى 3.2 %؛ وخفّضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للنمو من 4.5 إلى 3 %، وإجماع هذه المؤسسات الثلاث هو أن الأرقام المتوقعة من المرجح أن تنخفض أكثر في الأشهر المقبلة، وأن هناك أسبابا للقلق بشأن الركود الطويل المحتمل.

هناك ثلاثة أسباب رئيسة لهذه الأرقام القاتمة، يتغذى كل منها على الآخر ويخلق عوامل إضافية تؤثر على الاقتصاد العالمي:

التضخم:

إن عودة التضخم إلى مركز الصدارة بعد غياب دام 40 عاماً هي نتيجة متوقعة للسياسة المالية والنقدية التوسعية المتبعة في أعقاب أزمة فيروس كورونا، ومع ذلك في حين ادعى محافظو البنوك المركزية في البداية أن التضخم كان مجرد ظاهرة مؤقتة، لم يختف التضخم في عام 2022، وكان أعلى من المتوقع، وأثر على معظم دول العالم (الشكل 1).

الشاغل الرئيسي للسياسيين وصانعي السياسة هو أن التدابير اللازمة لإبقاء التضخم تحت السيطرة لها تأثير سلبي على النشاط الاقتصادي، حيث رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة سعر الفائدة من ما يقرب من الصفر في بداية العام إلى 2.5 % اعتباراً من أغسطس، وكانت هناك خمس زيادات في أسعار الفائدة في المملكة المتحدة هذا العام، ليصل المعدل الحالي إلى 1.75 %، ويجادل بعض الخبراء بأن التدابير المتخذة ليست عدوانية بما فيه الكفاية ويمكن أن تبلغ ذروتها في الركود التضخمي – التضخم مقترناً بنمو منخفض (أو حتى نمو سلبي) مسبباً ارتفاع لمعدلات البطالة، وهم يعتقدون أن المزيد من الزيادات الدراماتيكية في أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم أمر في محله.

الحرب الروسية الأوكرانية

للحرب آثار سلبية قوية على الاقتصاد العالمي بسبب القلق من انتشار القتال إلى مناطق أخرى، والعقوبات المفروضة على الاقتصاد في العالم، والتي تضر حالياً بالاقتصاد الروسي وستستمر في ذلك، حيث تؤثر أيضاً على بقية العالم، وتسبب انخفاض صادرات النفط والغاز الطبيعي الروسية في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية، وكانت دول الاتحاد الأوروبي التي أصبحت تعتمد على الغاز الروسي الضحية الرئيسية، كما ارتفعت أسعار المنتجات الزراعية بشكل كبير بسبب النسبة الكبيرة من الصادرات الزراعية لروسيا وأوكرانيا (حوالي ثلث صادرات القمح في العالم)، حيث يثير الافتقار إلى أي احتمال لحل النزاع والاستمرار المحتمل للحرب خلال الشتاء القادم القلق من أن الأسوأ لم يأت بعد.

سلسلة التوريد:

استمرت أزمة سلسلة التوريد الناجمة عن عدم التوازن بين العرض والطلب الناتج عن أزمة كوفيد 19 جيداً حتى عام 2022، جنباً إلى جنب مع الوباء نفسه، وأدت سياسة الحكومة الصينية الخالية من كوفيد إلى سلسلة طويلة جداً من عمليات الإغلاق في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك في شنغهاي القلب الاقتصادي والمالي للصين، مما أعاقت سلاسل التوريد والتي لم تعد على أي حال إلى التوازن، كما أن لأزمة المناخ التي تجعل من الصعب نقل البضائع، فالحرب في أوكرانيا كان لها تأثيراً سلبياً على سلاسل التوريد، وتقلل هذه المشكلة من المنتجات وعناصر الإنتاج على المدى القصير، وبالتالي تساهم أيضاً في زيادة الأسعار وانخفاض الإنتاجية والنمو الاقتصادي.

دفعت هذه العوامل حالة عدم اليقين إلى مركز الصدارة في المناخ الاقتصادي الحالي، وتقويض الرفاه الاقتصادي للناس في معظم دول العالم (الشكل 2)، ومن الأمور البارزة بشكل خاص توقعات النمو المتدنية في الاقتصادات الكبرى.

أهمية “الاقتصاد الإسرائيلي”

مقارنة ببقية العالم أظهرت “إسرائيل” استقراراً اقتصادياً مدهشاً، وتبلغ توقعات التضخم لعام 2022 “لإسرائيل” 4 % فقط، ويبدو أيضاً أنه على عكس البلدان الأخرى، ظل النمو الاقتصادي “لإسرائيل” ثابتاً عند حوالي 5٪، وقد نالت هذه الإنجازات استحسان المنظمات الاقتصادية الدولية التي تستشهد بمساهمة التكنولوجيا الفائقة في الصادرات والاستثمارات الأجنبية في “إسرائيل”.

إن الشهرة تتعلق بالأرقام المتفائلة نسبياً التي نشرها “بنك إسرائيل” ووزارة المالية، حيث يتوقع “بنك إسرائيل” نمواً بنسبة 5 % في نهاية العام، ويتوقع كبير الاقتصاديين في وزارة المالية نمواً اقتصادياً بنسبة 4.9 %، أعلى من التوقعات العالمية والتوقعات للبلدان المتقدمة، وأظهرت أرقام الربع الثاني من عام 2022 نمواً مرتفعاً بنسبة 6.8٪، حيث تسلط بيانات إضافية الضوء على مرونة “الاقتصاد الإسرائيلي” في النصف الأول من العام في مواجهة حالة عدم اليقين العالمية، وبلغ معدل البطالة في يونيو 3.4 % فقط، وهو نفس المستوى الذي كان عليه قبل الوباء.

ووفقاً لـ “مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي”، ارتفعت صادرات البضائع من “إسرائيل” بشكل حاد مقارنة بالفترة المقابلة في عام 2021، نتيجة لإطلاق الطلب الذي تم قمعه بسبب أزمة كوفيد 19، والازدهار في قطاع التكنولوجيا الفائقة، والنمو في سوق العقارات، فقد كانت الإيرادات الضريبية في النصف الأول من العام أعلى بمقدار 50 مليار شيكل مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، ويتوقع كبير الاقتصاديين في وزارة المالية أن يبلغ إجمالي الإيرادات الضريبية 456 مليار شيكل، مما يعكس فائضاً متوقعاً في الميزانية يبلغ 45 مليار شيكل (يبلغ الفائض حالياً 34 مليار شيكل).

من ناحية أخرى فإن تأثيرات الوضع العالمي واضحة في مؤشر أسعار المستهلك لشهر يوليو، والذي أظهر تضخماً مرتفعاً بشكل غير متوقع بنسبة 5.2 % في الأشهر الـ 12 الماضية، وارتفع مؤشر أسعار المساكن بنسبة 17.8 %، وهي أعلى زيادة في السنوات الـ 14 الماضية، ومع ذلك، في حين أن التضخم في “إسرائيل” يعد مرتفعاً، إلا أنه لا يزال أقل مما هو عليه في العالم ككل، ويرجع ذلك إلى الشيكل القوي، مما يجعل الواردات إلى “إسرائيل” أرخص، والاعتماد على الغاز الطبيعي المنتج محلياً، مما يقلل من الزيادة العالمية في أسعار الطاقة.

إن المخاوف من خروج التضخم عن السيطرة والوصول إلى المستويات المرتفعة السائدة في البلدان المتقدمة الأخرى دفعت “بنك إسرائيل” إلى رفع سعر الفائدة مرة أخرى في أغسطس، وهذه المرة إلى 2٪، نظراً لأن الاقتصاد لا يزال في حالة تشغيل شبه كامل والنمو مرتفع ومستقر، فلا يوجد قلق في “إسرائيل” (على عكس معظم دول العالم) من أن ارتفاع أسعار الفائدة سيؤدي إلى الركود التضخمي، علاوة على ذلك وبالنظر إلى النمو المرتفع هذا العام، يُعتقد أن “بنك إسرائيل” سيرفع سعر الفائدة إلى 3 % بحلول نهاية العام، إذا ثبت أن ذلك ضروري لاحتواء الضغط التضخمي، وخفْض التضخم في “إسرائيل” مهم أيضاً بسبب السياق العام الذي حدثت فيه الزيادات الحالية في الأسعار، على الرغم من التضخم المنخفض نسبياً، فاقم ارتفاع الأسعار ارتفاع تكلفة المعيشة في “إسرائيل” حتى قبل تأثير الأحداث العالمية الأخيرة، حيث تعمل الفئات المحرومة اقتصادياً، والتي هي أكثر عرضة لأي ارتفاع في مؤشر أسعار المستهلك، في القطاعات التي كان التعافي من أزمة كوفيد 19 فيها أقل نجاحاً، سيؤدي هذا إلى تفاقم لعدم المساواة الاقتصادية في “المجتمع الإسرائيلي”، ويزيد من التوتر الاجتماعي، لا سيما في فترة الحملة الانتخابية وعدم الاستقرار السياسي.

لا شيء يدوم إلى الأبد وباعتبارها اقتصاداً صغيراً يعتمد على التجارة الدولية، فإن “إسرائيل” معرضة للشعور بآثار عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي بقوة أكبر بحلول نهاية العام، حتى لو كانت مؤشرات الاقتصاد الكلي “لإسرائيل” مدهشة في الوقت الحالي، فمن المعتقد أن الركود العالمي سيبدأ في التأثير بشكل واضح على “الاقتصاد الإسرائيلي” في عام 2023، حيث من المرجح أن يتسبب التباطؤ في أوروبا في انخفاض “الصادرات الإسرائيلية” في عام 2023 إلى هذا السوق، الذي يمثل حالياً ثلث “الصادرات الإسرائيلية”، ومن أجل مواجهة هذه التحديات، يجب على “إسرائيل” الاستمرار في تنفيذ سياسة اقتصادية مسؤولة، بينما تسعى أيضاً إلى التوسع في أسواق جديدة حيث لا تزال تفتقر إلى وجود قوي.

لا تتأثر دول الخليج المنتجة للطاقة بالركود العالمي، ومن المتوقع أن تحقق معدل نمو يقارب 6٪ في عام 2022، ومن الأفضل “لإسرائيل” الاستفادة من العلاقات الدبلوماسية التي أقامتها مع بعض هذه الدول من خلال اتفاقيات أبراهام لتوسيع العلاقات الاقتصادية.

وتظهر أرقام التجارة الدولية لعام 2022 أن “إسرائيل” تدرك هذه الفرص، حيث ارتفعت التجارة مع الإمارات العربية المتحدة إلى 1.2 مليار دولار في النصف الأول من عام 2022، بزيادة قدرها 117 % عن الفترة المقابلة في عام 2021، وبدأت التجارة مع البحرين، التي لم تكن موجودة قبل عام 2021، في التطور، علاوة على ذلك في عام 2022 زادت “إسرائيل” من تجارتها مع مصر (إلى 49٪ أكثر من عام 2021) ومع الأردن (إلى 48٪ أكثر من عام 2021)، وإن تكثيف روابطها الاقتصادية في الأسواق الجديدة سيجعل اقتصاد “إسرائيل” أكثر استقراراً ويزيد من الرفاهية الاقتصادية لسكانها.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى