أخبارشؤون دولية

التطبيع بين تركيا و”إسرائيل”: هل سيصمد؟

ترجمة الهدهد

معهد أبحاث الأمن القومي/ غاليا ليندنشتراوس، رامي دانيال

عملية تطبيع العلاقات بين تركيا و”إسرائيل” التي بدأت في نهاية عام 2020 اكتملت هذا الشهر عندما أُعلن عن عودة السفراء إلى البلدين بعد سنوات كانت فيها مكاتب كبار الدبلوماسيين في أنقرة و “تل أبيب” فارغة، ومع ذلك فإن التحديات التي تعقد العلاقة بين الطرفين لا تزال كثيرة – ولكن الفرص أيضًا كذلك.

إن قرار تركيا و”إسرائيل” بتطبيع العلاقات بينهما نابع من عدد من الخطوات التي دفعت الجانب التركي للدفع من أجل التطبيع و”الجانب الإسرائيلي” للرد بشكل إيجابي، بصرف النظر عن الدوافع الكبيرة لكلا الطرفين لمواصلة هذا الاتجاه، من الممكن أيضًا تحديد القضايا التي قد تكون عائقًا في المستقبل، من بين هذه القضايا التطورات بين “إسرائيل” والفلسطينيين، والعلاقات التركية الأمريكية، وانضمام تركيا المحتمل إلى العمليات المتعلقة بـ “اتفاقيات إبراهام”، وطبيعة خطط “إسرائيل” المستقبلية فيما يتعلق بصادرات الغاز، ومع ذلك فإن التعامل مع التحديات المتعلقة بهذه القضايا سيكون أسهل عندما يكون هناك تمثيل دبلوماسي رفيع في كلا البلدين.

في 17 آب (أغسطس) أعلنت تركيا و”إسرائيل” قرارهما بإعادة السفراء والقناصل، وبالتالي التوصل إلى تطبيع كامل للعلاقات بينهما، على النقيض من جهود التطبيع السابقة ولا سيما تلك التي جرت بين عامي 2013 و2016، يبدو أن تركيا هذه المرة هي التي دفعت للتقدم في العملية بينما تصرفت “إسرائيل” بحذر، وجاءت موافقة “تل أبيب” على التوجه التركي بعد أن أظهرت تركيا جديتها على خلفية سلسلة أحداث ساعدت في تجاوز بعض رواسب أو بقايا الشبهات التي ما زالت قائمة بين الطرفين، من ناحية الجانب التركي جرى التقدير أيضًا إلى أنه من الأفضل استكمال الخطوة قبل انتخابات الكنيست المقبلة. كما أن توقيت قرار تجديد العلاقات الدبلوماسية يترك وقتًا كافيًا حتى الانتخابات في تركيا المقرر إجراؤها في يونيو 2023، حتى لا يكون للتطبيع تأثير كبير على اعتبارات الناخبين حيث تسود بين الجمهور التركي المشاعر المعادية ل “إسرائيل”.

يعتمد التحسن الحالي للعلاقات بين أنقرة و”تل أبيب” على عدة خطوات، كما توجد تحديات إلى جانب نقاط الربط المحتملة:

في ضوء التوترات العديدة في العلاقات بين واشنطن وأنقرة ترى تركيا فائدة في تحسين العلاقات مع تل أبيب كوسيلة أيضًا لتحسين العلاقات مع إدارة بايدن، على الرغم من أن إدارة بايدن مقارنة بإدارة أوباما كانت أقل نشاطًا في جهودها للمساعدة في تحسين العلاقات بين تركيا و”إسرائيل”، فمن الواضح أن تحسين العلاقات بينهما أمر مرغوب فيه بالنسبة له، حتى إن مستشار الأمن القومي “جيك سوليفان” وكذلك السفارة الأمريكية في تركيا غردوا بالتهنئة على تطبيع العلاقات بين أنقرة و”تل أبيب”، ومع ذلك قد تربط أنقرة لاحقًا تدهورًا محتملاً في العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقاتها مع “إسرائيل”، في يوليو من هذا العام تم تمرير تشريع في الكونجرس بشأن تحفظات على بيع طائرات F-16 لتركيا ووضع عقبات في طريق الترويج للصفقة من قبل إدارة بايدن، ثم انضمت اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC) إلى منظمة الشتات اليوناني في رسالة إلى أعضاء الكونجرس أعربوا فيها عن دعمهم لتمرير قانون التحفظات على البيع، وأبعد من ذلك، على الرغم من أن واشنطن تدرك الدور الإيجابي للوساطة التركية في سياق الحرب في أوكرانيا، فإن السخط الأمريكي على شراء تركيا لأنظمة الدفاع الجوي S-400 من روسيا وكذلك المساعدة التركية لروسيا في التحايل على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها لا يزال قويًا وقائمًا.

في السياق الإقليمي، يتناسب التطبيع مع “إسرائيل” بشكل جيد مع عمليات التطبيع التي تروج لها تركيا مع دول أخرى في الشرق الأوسط من بينها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر. على الرغم من أن تركيا عارضت “اتفاقيات إبراهام”، إلا أنها تسعى جاهدة من نواحٍ عديدة إلى الاستفادة من الفرص الكامنة في هذه الديناميكية الإقليمية. وتجدر الإشارة إلى أن الإشارات الإيجابية التي أرسلتها أنقرة تجاه بشار الأسد مؤخرًا بعد سنوات من التوتر الشديد بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره السوري هي أكثر دراماتيكية من تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، يُنظر إلى الخطوتين على أنهما وجهان لعملة واحدة – إعادة تشغيل من جديد للسياسة الإقليمية التركية. جهود التطبيع المختلفة تغذي بعضها البعض، وطالما تهنأ تركيا بثمارها وعلى رأسها الثمار الاقتصادية فمن المتوقع أن تستمر فيها، في الوقت نفسه تُظهر تركيا مزيدًا من التشدد في اتصالاتها مع اليونان وقبرص، ويثير التدشين الأخير لسفينة التنقيب التركية الرابعة مخاوف بشأن عودة محتملة لأنقرة إلى السلوك الحازم والمتشدد في شرق البحر المتوسط​​، كما في 2018-2020 وهو سلوك له تداعيات تتجاوز علاقات تركيا مع هذين البلدين.

قد تؤثر القضية الفلسطينية أيضًا على استمرار التطبيع، وتحاول تركيا موازنة علاقاتها مع “إسرائيل” وعلاقاتها مع الفلسطينيين، وقد قام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بزيارة تركيا بعد أيام قليلة من إعلان التطبيع بين تركيا و”إسرائيل”، في العقد الماضي حاول أردوغان تقديم نفسه على أنه أبرز زعيم مسلم يدافع عن حقوق الفلسطينيين وحياة ووجود المسلمين في القدس، وجدت هذه السياسة تعبيرًا في التصريحات القاسية ضد “إسرائيل” التي وصفها بأنها إرهابية. لكن خلال شهر رمضان الأخير وحتى خلال عملية “بزوغ الفجر”، كان رد الفعل التركي الرسمي تجاه “إسرائيل” أقل سلبية مما كان عليه في الماضي، وبحسب أردوغان وأنصاره، فإن التطبيع مع “إسرائيل” ليس تنازلاً عن الموقف التركي من القضية الفلسطينية، وحسب زعمهم، فإن العلاقات الجيدة مع “إسرائيل” تسمح لتركيا بالتعبير عن موقفها بشكل مباشر وبالتالي حماية حقوق الفلسطينيين، مع اعتبار القدس والأقصى “خطًا أحمر”، موقف تركيا من حماس التي يوجد عدد كبير من أفرادها على أراضيها سيكون أيضًا اختبارًا وتحديًا لاستمرار عملية التطبيع، على الرغم من وجود مؤشرات على حدوث تغيير معين في السلوك التركي تجاه حماس، ولا سيما طرد عدد من نشطاء حماس من أراضيها، فمن المشكوك فيه ما إذا كان أردوغان سيرد بشكل إيجابي على جميع “المطالب الإسرائيلية” المتعلقة بالتنظيم.

في السياق الاقتصادي وصلت بيانات التجارة بين الدول إلى ذروة تاريخية في عام 2021، بزيادة تجاوزت مليار دولار مقارنة ببيانات التجارة لعامي 2019 و2020، وبلغت التجارة المتبادلة نحو 7 مليارات دولار (منها 4.7 مليارات دولار صادرات من تركيا إلى “إسرائيل” و1.9 مليار دولار من “إسرائيل” إلى تركيا). تركيا هي من بين أهم خمسة شركاء تجاريين ل “إسرائيل”، و”إسرائيل” من جانبها من بين أكبر عشر وجهات تصدير لتركيا. في سبتمبر من المتوقع أن تجتمع لجنة مشتركة لمناقشة الحواجز التجارية التي لا تزال قائمة بين الطرفين، وكذلك لأنه يلزم تحديث اتفاقية التجارة الحرة بين الطرفين والتي دخلت حيز التنفيذ في عام 1997. ومع ذلك، حتى لو تم تحديث الاتفاقية التجارية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل يمكن أن تنمو العلاقات التجارية بشكل أكبر من ذلك؟ اتفاقية الطيران الموقعة بين الطرفين في يوليو 2022 وحل الخلاف القائم منذ عام 2007 بشأن الترتيبات الأمنية ل “شركات الطيران الإسرائيلية” على رحلاتها من تركيا يمهد الطريق لتجديد الرحلات الجوية لهذه الشركات بالشكل الذي يحل حتى جزئيًا عدم التكافؤ الذي كان موجودًا في اتصالات الطيران بين الدول، لكن في ضوء المنافسة الشديدة المتوقعة مع شركات الطيران التركية على خطوط الطيران المختلفة بين “إسرائيل” وتركيا، من المشكوك فيه أن تكون هذه الطرق مربحة بالنسبة ل “الشركات الإسرائيلية”.

من القضايا التي ترغب تركيا في الدفع بها في إطار تحسين علاقاتها مع “إسرائيل” تصدير “الغاز الإسرائيلي” إلى تركيا أو عبر تركيا، يذكر المسؤولون الأتراك أن بناء خط أنابيب غاز إلى تركيا كان الخيار الأول الذي درسته “إسرائيل” عند النظر في كيفية تصدير غازها، ويرون في استعادة العلاقات بين البلدين فرصة جيدة لإحياء المشروع، هذا خاصة في ظل الصعوبات التي تواجه مشروع البديل “هيستميد” بين “إسرائيل” وقبرص واليونان، يمكن لخط أنابيب ينقل “الغاز الإسرائيلي” إلى تركيا أن يساعد أنقرة على تنويع مورديها وتقليل اعتمادها الشديد على الغاز الروسي، وكذلك لديه القدرة على تعزيز مكانة تركيا كنقطة انتقال للغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، في الوقت نفسه هناك عدم تكافؤ بين “إسرائيل” وتركيا في درجة الاهتمام بتعزيز التعاون في هذه القضية ولم يتعهد “الجانب الإسرائيلي” علنًا بهذا الشأن، من الناحية الجيوسياسية، قد يؤدي مشروع بناء خط أنابيب غاز إلى تركيا إلى توترات بين “إسرائيل” وشركائها الإقليميين: اليونان وقبرص وحتى مصر، التي يتم تصدير بعض “الغاز الإسرائيلي” من خلالها حاليًا، علاوة على ذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كان لمثل هذا المشروع قيمة اقتصادية بالنظر إلى كمية “الغاز الإسرائيلي” المتاح، وسعر إنتاجه و”الالتزامات الإسرائيلية” القائمة تجاه الدول الأخرى.

فيما يتعلق بالاتجاهات المستقبلية في العلاقات بين البلدين، يمكن طرح سيناريوهين: سيناريو إيجابي يركز على حقيقة أن الانتقال إلى العلاقات الطبيعية بين “إسرائيل” وتركيا يسمح لكليهما بتركيز الانتباه على التحديات أو التهديدات الرئيسية التي تواجههما: إيران وحزب الله وحماس في “الحالة الإسرائيلية”، والمسألة الكردية في السياق التركي، مع استعادة العلاقات بين البلدين تفتح أيضًا فرص التعاون التي يمكن أن تكون مثمرة، سيكون من الضروري التفكير في كيف يمكن بالتنسيق مع حلفاء “تل أبيب” دمج أنقرة في المنتديات الإقليمية الجديدة إذا تم إنشاؤها، ويمكن لتركيا أيضًا أن تلعب دورًا مهمًا في “السياسة الإسرائيلية” المتمثلة في التسهيلات للفلسطينيين، مثلما سينعكس ذلك في المشروع التجريبي للرحلات الجوية للفلسطينيين من الضفة الغربية عبر مطار رامون، والتي من المتوقع أن يتم تشغيلها مع شركات الطيران التركية. إن الحفاظ على آلية الحوار القائمة بين أردوغان و”الرئيس الإسرائيلي” “يتسحاق هرتسوغ” سيسمح للبلدين بحل الخلافات خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية دون تصادم مباشر، هناك أيضًا إمكانية للتعاون في مجال المناخ ولا سيما في تقنيات الإدارة الفعالة لقطاع المياه، والتي يمكن أن تكون أساسًا للمشاريع التي ستنضم إليها البلدان الأخرى.

من ناحية أخرى، ينبع القلق من أن التطبيع الحالي هش، على غرار التطبيع الذي حدث في 2016-2018 من عدة أسباب: إن تشكيل حكومة جديدة في “إسرائيل” بعد انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) لا تستمر في سياسة التسهيلات حتى لو كانت محدودة تجاه الفلسطينيين سيكون إشكالية من ناحية أنقرة، وقد يكون أيضا للاعتبارات الانتخابية لأردوغان وحزبه استعدادًا لانتخابات يونيو 2023 تأثير سلبي على طبيعة العلاقات بين “تل أبيب” وأنقرة، ومن المتوقع أيضًا أن يؤدي التدهور المستقبلي في ساحة الصراع “الإسرائيلي” الفلسطيني وهو أمر مرجح إلى تشويش العلاقات، أحداث اعتقال السياح القادمين من تركيا، بسبب الخوف من التعاون مع “الجهات الإرهابية” كما حدث عدة مرات قبل اندلاع أزمة كورونا قد تتكرر، يجب التأكيد أنه في حالة تحسين العلاقات على وجه التحديد، قد يكون هناك ضغط من جانب تركيا على “إسرائيل” للسماح بمبادرات تركية تجاه الفلسطينيين وكذلك داخل “إسرائيل” والقدس، والتي قد يُنظر إلى بعضها من قبل “إسرائيل” على أنها تحمل إشكالية.

على خلفية عملية التطبيع الحالية نشأت إمكانية زيارة أردوغان ل “إسرائيل”، يجب التخطيط لمثل هذه الزيارة بعناية بحيث تساعد في تحسين العلاقات ويجب ألا يُنظر إلى الأحداث أثناءها على أنها تعزز الاتجاهات السلبية في العلاقات الثنائية بين البلدين. ومع ذلك سيكون التعامل مع جميع التحديات أسهل عندما يكون هناك تمثيل دبلوماسي رفيع في كلا البلدين، وبالتالي فإن عملية التطبيع أينما ستقود فهي في حد ذاتها لها تأثير معتدل.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي