أخبارأخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

ما مدى جهوزية “إسرائيل” للتعامل مع التهديد المتزايد للطائرات بدون طيار؟

ترجمة الهدهد

 معهد أبحاث الأمن القومي

المقال يعبر عن رأي كاتبه

إن الاعتراض الناجح للطائرات بدون طيار التي كانت في طريقها إلى منصة الغاز “كاريش ” يشير بالفعل إلى استعداد عسكري ضد التهديد المتزايد باستمرار، ولكن يجب ألا تكتفي إسرائيل بالرضا عن الذات: فأعداؤها – إيران وحماس وحزب الله – يعملون ليل نهار على تحديث وتسليح نظام الطائرات بدون طيار التي بحوزتهم؛ ولذلك يجب عليهم في المنظومة ومختلف السلطات المحلية الاستعداد للوضع على جميع المستويات – العسكرية والمدنية على حد سواء. 

لقد برز تهديد الطائرات بدون طيار في عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، بعد أن أطلقها  حزب الله في تموز 2022 على منصة الغاز الإسرائيليةفي حقل الغاز “كاريش”؛ والنشر حول مشروع تطوير الطائرات بدون طيار التابع لحماس، ومهاجمة قاعدة التنف الأمريكية في سوريا باستخدام طائرات بدون طيار؛ وحتى تقارير عن شراء روسي لطائرات مسيرة إيرانية، يبدو أن وجود مثل هذه الترسانة في أيدي عناصر معادية يمثل تهديدًا متزايدًا لإسرائيل. على أساس الافتراض بأن الطائرات بدون طيار، وخاصة الهجومية منها، ستكون طبقة إضافية إلى جانب الصواريخ التي تطلق على “إسرائيل”.

احتل موضوع الطائرات بدون طيار عناوين الأخبار مرارًا وتكرارًا في الآونة الأخيرة، ففي بداية شهر تموز/يوليو الماضي  أطلق حزب الله ثلاث طائرات مسيرة على منصة الغاز “الإسرائيلية” “كاريش” شرقي البحر الأبيض المتوسط.

الطائرات بدون طيار  التي ذكرت التقارير أنها لم تكن تحمل متفجرات  تم رصدها من قبل نظام الكشف والدفاع الجوي التابع للجيش “الإسرائيلي” في الوقت المناسب، وتم اعتراضها بصواريخ منظومة “باراك 1” المنصوبة على سفن سلاح البحرية وبطائرات “باراك” ( F -16).

حزب الله الذي اعترف بإطلاق الطائرات المسيرة، زعم أن “المهمة قد اكتملت”، يضاف إلى ذلك تقارير عن مشروع تطوير الطائرات بدون طيار لكتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة حماس والتي كشفت عن تطوير طائرات بدون طيار تم بمساعدة عنصر التنظيم الذي تم اغتياله في  عملية “حارس الأسوار”.

وفي الوقت نفسه انتشرت أنباء عن هجوم آخر على قاعدة التنف الأمريكية في سوريا، باستخدام طائرات مسيرة يبدو أنها أطلقت من قبل “ميليشيات” مدعومة من إيران، وجاء هذا الهجوم – بحسب التقديرات – ردًا على هجوم منسوب “لإسرائيل” نفذ  في بداية  الأسبوع؛ يضاف إلى كل ذلك تطورات مقلقة في الساحة العالمية: صفقة بمئات الطائرات بدون طيار الإيرانية من شأنها أن تسمح لروسيا بزيادة عدد  طائراتها بدون طيار التي تضررت بشدة في الحرب ضد أوكرانيا.

على الرغم من أن حادثة يوليو يُنظر إليها عمومًا على أنها رد ناجح من الجيش “الإسرائيلي”، إلا أنه من السابق لأوانه استخلاص أي استنتاجات منها حول قدرة “إسرائيل” على التعامل مع التهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات بدون طيار من قبل  الدول والمنظمات المعادية.

وتحول هذا التهديد في السنوات الأخيرة من ظاهرة هامشية إلى إحدى الأدوات الأكثر أهمية في يد حماس وحزب الله، وكذلك في أيدي “الميليشيات” المدعومة من إيران، ما يُمكنهم من مضايقة “إسرائيل” وحلفائها، هذا بالإضافة إلى التهديد الدراماتيكي من إيران نفسها والتي يبدو أنها قوة عالمية صاعدة في هذا المجال.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها طائرات بدون طيار تابعة لحزب الله اختراق حدود “إسرائيل”، فالمحاولات الأولى للتنظيم لإطلاق طائرات مسيرة إيرانية الصنع باتجاه “إسرائيل” حدثت بالفعل خلال حرب لبنان الثانية، حيث تم اعتراضها بنجاح من قبل سلاح الجو “الإسرائيلي”.

منذ ذلك الحين تعلم حزب الله من بين أمور أخرى بناءً على تجربة المنظمات “الإرهابية” الأخرى في الشرق الأوسط أن الطائرات بدون طيار حتى الصغيرة منها وغير الفتاكة هي أداة فعالة لمجموعة متنوعة من المهام، بما في ذلك لاستخدامها في إرسال رسائل ضمن المعركة على الوعي.

وهكذا  كان الحال في عام 2012، عندما تسللت طائرة بدون طيار في محاولة للقيام بمهمة جمع معلومات عن منشأة أمنية في جنوب “إسرائيل”. كما أفادت التقارير أنه في السنوات 2019-2021، نفذ حزب الله عملية جمع معلومات روتينية خلف  حدود “إسرائيل” باستخدام ما معدله 74 حوامة في السنة، في العام الماضي  أطلقت المنظمة طائرة هواة ثابتة الجناح، بقيت في الأجواء “الإسرائيلية” لمدة نصف ساعة وتمكنت من العودة إلى لبنان دون أن يعترضها  الجيش.

إن إطلاق حزب الله للطائرات المسيرة في أوائل تموز / يوليو 2022 باتجاه منصة الغاز “كاريش” هو تصعيد في الحرب على الوعي لدى حزب الله، ويبدو أن الهدف من الطائرات المسيرة هو تحسين صورة التنظيم وإظهار قدراته العملياتية على خلفية المفاوضات بين “إسرائيل” ولبنان بخصوص إنتاج الغاز في البحر الأبيض المتوسط.

يؤكد استخدام المنظمة المتزايد للطائرات بدون طيار على التركيز على هذه الوسائل متعددة المهام في المعركة الشاملة مع “إسرائيل”، وفي المعركة التي بين الحروب.

صحيح أن الطائرات بدون طيار تُستخدم بشكل روتيني لأغراض جمع المعلومات والاستخبارات، لكن مهام الهجوم هي الهدف الرئيسي لبرنامج الطائرات بدون طيار إلى جانب الجهد الرئيسي لتقوية وتحسين ترسانة الصواريخ والقذائف الصاروخية، كما أشار حسن نصر الله في تصريحاته إلى الإعلام إلى قدرة الإنتاج الذاتي التي طورتها المنظمة في السنوات الأخيرة بمساعدة إيرانية.

في عام 2019، أيضا صرح أنه في عام 2006 كان لدينا (طائرات بدون طيار) القليل وحاولنا فعل شيء ما لكننا كنا في البداية”. وعلى الحدود الجنوبية أيضًا “إسرائيل” عرضة لمحاولات اختراق أراضيها بطائرات مسيرة بعضها إيراني الصنع.

ومع ذلك، فإن برنامج الطائرات بدون طيار الإيرانية هو التهديد المحتمل الأكثر خطورة على “إسرائيل”، في السنوات الأخيرة  أظهرت إيران جرأة كبيرة فيما يتعلق بهجمات الطائرات بدون طيار على أهداف في الشرق الأوسط، في الوقت نفسه هي  تساعد “وكلاءها من التنظيمات” في مختلف الجبهات وتنقل إليهم المعرفة لتطوير هذه الترسانة، وتُنسب إلى هذه التنظيمات مجموعة متنوعة من الهجمات في الشرق الأوسط منها: الهجمات على القواعد الأمريكية في سوريا والعراق أشهرها التي وقعت في تشرين الأول (أكتوبر) 2021 وأدت إلى أضرار في  الممتلكات، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، وحتى شن هجمات على سفن تملكها أو تديرها “إسرائيل”.

وبرز في هذا السياق هجوم  سفينة “ميرسر ستريت ” في تموز (يوليو) 2021 والذي تسبب في مقتل اثنين من أفراد الطاقم. هجوم الطائرات بدون طيار الذي وقع في 15 آب / أغسطس على قاعدة التنف في سوريا هو استمرار للسياسة نفسها الموجهة من إيران.

هذه الأحداث – وتركيز الجهود في مجال الطائرات بدون طيار من قبل جهات فاعلة غير حكومية، والتي تم تعزيز قدراتها بدعم من إيران – تشير إلى تفاقم التهديد الجوي “لإسرائيل”، استخدام البعد الجوي  في مجموعة متنوعة من الأدوات المخصصة كان  في السابق حكرا  للدول القوية وأسلحة الجو الرسمية.

ينضم التهديد غير المأهول أو الذي يتم التحكم فيه عن بعد أو المستقل إلى تهديد الصواريخ والقذائف الصاروخية والذي لا يزال هو الأكثر شيوعًا وأهمية ويمكن دمجه فيه. نعم، قد ينضم إلى تهديدات أدنى من هذه – البالونات المتفجرة والطائرات الورقية الحارقة (من قطاع غزة)، والتي انخفض استخدامها بمرور الوقت.

في السنوات الأخيرة، كان هناك انشغال متزايد في “إسرائيل” والعالم في موضوع التهديدات المتنوعة للطائرات بدون طيار من مختلف الأنواع كنظام أسلحة مهم ورخيص ومتوفر في مجال جمع المعلومات والهجوم إلى جانب الصواريخ.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى صياغة ردود أو حلول فعالة لهذه التهديدات، السؤال هو كيف يجب أن تستعد “المنظومة الأمنية  الإسرائيلية”  – في مجالات العقيدة  والتطوير والتشغيل – من أجل تمكين المواجهة الكافية لها، هذا بعد سنوات عديدة من تركيز المنظومة الأمنية على تهديد الصواريخ ومؤخرًا بشكل خاص في مواجهة الاتجاه المتزايد للصواريخ الدقيقة.

يجب أن تفترض “إسرائيل” أن  طبقة الطائرات بدون طيار  وخاصة الهجومية منها، ستكون بمثابة طبقة إضافية إلى الصواريخ. ويتطلب هذا التهديد المشترك ردودا تقنية وتشغيلية تم تطويرها وتنفيذها ضد التهديد المألوف وضد إطلاق عدد أكبر من  الصواريخ، ولكن أيضًا إجراءات أو ردود  فريدة، خاصة كتلك التي تتناول سيناريو إطلاق مجموعات أو أسراب من الطائرات بدون طيار التي سيتم تشغيلها أو إرسالها في وقت واحد أو بشكل منفصل عن رشقات الصواريخ، يتمثل التحدي الرئيسي في الأعداد الكبيرة المتوقعة من التهديد الجوي المشترك أو المدمج، والذي سيسمح بشن هجمات بوسائل مختلفة ضد البنى التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية والأمنية، وكذلك ضد التجمعات السكانية المدنية؛ لذلك يتوجب بناء قدرات متطورة للدفاع الكثيف في مواجهة الهجمات المحتملة المتنوعة لا سيما في ظروف الصراع الواسع والمستمر.

في غضون ذلك، يجب أن تتناول المنظومة الأمنية المسائل المعقدة المتعلقة بتحديد أولويات المناطق التي سيتم الدفاع عنها، وكذلك زيادة حجم قوة الدفاع أمام التهديد المتزايد، سواء من حيث عدد القوات أو من حيث أنظمة الدفاع المطلوبة. أيضا، يجب أن نتذكر أنه لا يوجد حل يوفر حماية محكمة وبالتالي من الضروري تحسين حلول الحماية أو الاحتماء في الجبهة الداخلية، والتي هي اليوم غير كافية بالفعل في جزء كبير من المستوطنات في البلاد. لذلك يجب أن يشمل الاستعداد المستقبلي أيضًا الجوانب المدنية وعلى رأسها  الحماية أو التحصين، وخطط إجلاء السكان وإنشاء أنماط مرنة وتفاضلية ومحدثة للسلوك المطلوب من قبل مجموعات مختلفة أثناء المواجهة.

عند بناء القوة الدفاعية المتكاملة ضد الطائرات بدون طيار، وكذلك ضد الصواريخ، يجب الأخذ في الاعتبار حقيقة أنها أرخص بكثير في التطوير والتصنيع والتشغيل  مقارنة بأنظمة الاعتراض الموجودة.

لذلك، تُعلق أهمية خاصة على الاختراق في تطوير أنظمة الاعتراض القائمة على الليزر، والتي من المفترض أن تصل إلى مرحلة التشغيل في السنوات القادمة وتوفر حلاً رخيصًا نسبيًا مع عائدات عالية.

لا ينبغي أن تحل هذه الأنظمة محل الأنظمة الحركية الحالية، والتي أبرزها  “القبة الحديدية”، بل يجب أن تضاف كطبقة إلى القدرات في التعامل مع التهديدات المختلفة، نشير أيضًا إلى أن الليزر الذي تم تطويره اليوم يهدف أساسًا إلى اعتراض الصواريخ وقذائف الهاون، ولتدمير الطائرات بدون طيار ليس هناك حاجة إلى نظام اعتراض الليزر قوي لهذه الدرجة، يجري حاليًا تطوير أجهزة ليزر ذات قوة أقل وبأسعار معقولة في الولايات المتحدة وأوروبا وبعضها متوفر الآن، من بينها  نظام اشترته الحكومة الفرنسية لحماية  الألعاب الأولمبية من الحوامات مستقبلا والتي ستقام في عام 2024.

في الختام: من المناسب أن تقوم “إسرائيل” بصياغة نهج أو مفهوم شامل للتعامل مع التهديد المتنامي للطائرات بدون طيار، ويجب أن يشمل هذا  النهج أيضًا الردود الفعالة  في مواجهة السيناريوهات المتطرفة، والتي يمكن أن ينظر إلى تحققها الآن   كاحتمال منخفض ولكنها تنطوي على مخاطر عالية، مثال محتمل هو إرسال طائرة بدون طيار تحمل مادة مميتة إلى “أراضي إسرائيل” (أو من داخل أراضي إسرائيل) من قبل.

Facebook Comments

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي