أخبار رئيسيةمقالات إستراتيجية

السعودية و”إسرائيل”: التطبيع بخطى حلزون

ترجمة الهدهد
معهد دراسات الأمن القومي/ يوئيل جوزانسكي

منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، وخاصة مع زيارة بايدن إلى المنطقة، جادل البعض بأن المملكة العربية السعودية ستكون الدولة التالية لتطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، ومع ذلك فإن التطبيع الكامل بعيد كل البعد عن الحدوث، ما أسباب ذلك وكيف تتصرف “إسرائيل” تجاه المملكة العربية السعودية؟.

في السنوات الأخيرة ظهر تغيير مهم، مهما كان بطيئاً وتدريجياً، في المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالعلاقات مع “إسرائيل”، في حين أن هناك علامات على تنازلات محتملة من جانبها فيما يتعلق بعلاقتها بـ “إسرائيل”، فمن المقدر أن التحسين المحتمل للعلاقات سيتبع نموذجاً مختلفاً عن اتفاقات أبراهام، فاختارت السعودية العلاقات مع “إسرائيل” كخيار استراتيجي، لكن من وجهة نظرها، لا يتوقع التطبيع الكامل إلا بالتقدم في حل القضية الفلسطينية، وأي محاولة لحث المملكة على تحسين علاقاتها مع “إسرائيل” في المدى القريب، وبالتأكيد لإعلان العلاقات القائمة، يمكن أن يقوض احتمالات النجاح، في هذه المرحلة فإن بقاء الرياض خلف الكواليس في قضية التطبيع، بينما تساعد في دفء علاقات “إسرائيل” مع الدول العربية والإسلامية، هو في الواقع الخيار المفضل.

وضعت زيارة الرئيس بايدن “لإسرائيل” والمملكة العربية السعودية في يوليو 2022 مرة أخرى مسألة تطبيع العلاقات بين البلدين على جدول الأعمال، في وقت مبكر من عام 2020، كان من الواضح أن الرياض كانت تسعى إلى نوع من “التطبيع الزاحف” لتمهيد الطريق للعملية، التي من شأنها أن تتوج بانفتاح متزايد بشأن “إسرائيل”، منذ ذلك الحين تغيرت إدارة الولايات المتحدة واستؤنفت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العودة إلى الاتفاق النووي، وتغيير الحكم في “إسرائيل” حيث تعمقت العلاقات بينها وبين الدول المركزية في المنطقة كجزء من اتفاقيات أبراهام – تطورات من شأنها قد تؤثر على موقف السعودية من العلاقات مع “إسرائيل”.

خاصة منذ أن تولى محمد بن سلمان منصبه كولي للعهد ظهر تغيير بطيء وتدريجي في المملكة فيما يتعلق بمسألة العلاقات مع “إسرائيل”، وهناك بوادر على حلول وسط محتملة في هذا الشأن، كانت هناك تقارير عن زيادة مشاركة “القطاع الخاص الإسرائيلي” في صفقات التكنولوجيا والزراعة في المملكة، وحتى عدة اجتماعات بين “شخصيات أمنية” لتعزيز التعاون الاستخباراتي العملياتي وتعزيز مبيعات الأسلحة بين البلدين، من أجل جعل العلاقات علنية وتمكين توسعها، سيتعين على العائلة المالكة السعودية التغلب على الحساسيات الداخلية والخارجية المرتبطة جزئياً بالطبيعة الفريدة للمملكة والتأثير على مكانتها، لا سيما بصفتها “وصية على الأماكن المقدسة للإسلام”، أيدت المملكة العربية السعودية اتفاقات أبراهام “من الخارج” وقادتها، وعلى رأسهم ولي العهد، الذين يعبرون عن أنفسهم بطريقة أكثر اعتدالاً مما كانت عليه في الماضي تجاه “إسرائيل”، ومع ذلك هناك العديد من القضايا التي تحافظ على الحواجز أمام التغيير الجوهري في موقف الرياض من التطبيع.

العلاقات مع الولايات المتحدة:

إن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة هو مصلحة سعودية عليا مرتبطة أيضاً بمكانة بن سلمان المحلية، ففي السنوات الأخيرة كانت هناك شكوك بين النخبة السعودية بشأن استعداد الولايات المتحدة للوقوف إلى جانبها في الأوقات التي تتعرض فيها المصالح السعودية للتهديد وخاصة من قبل إيران، وربما يحتمي السعوديون من خلال تنازلات محتملة تجاه “إسرائيل” كتعويض عن تغيير في الموقف تجاه المملكة من جانب واشنطن والذي قد يشمل، عدة أمور، ضمانات تجاه إيران وفتح صفحة جديدة مع بن سلمان، الذي يتوقع أن يعزز شرعية حكمه، لذلك، يبقى أن نرى ما إذا كانت التفاهمات التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية خلال زيارة الرئيس بايدن للمملكة قد تحققت أم لا، وكانت الرسالة الأساسية التي سعى بايدن إلى إيصالها في “قمة دول مجلس التعاون الخليجي + 3″ التي عقدت خلال زيارته للسعودية هي أن الولايات المتحدة تعود وتتولى دوراً قيادياً وحتى وساطة إقليمية، على حساب الصين وروسيا، اللتين حاولتا في السنوات الأخيرة على تعزيز موطئ قدمهم في المنطقة، هذه الرسالة قوبلت بتشكك من جانب الأنظمة العربية غير المقتنعة بأن واشنطن استوعبت مصاعبها الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بإيران، وأنها مستعدة للاستثمار في حماية مصالحها، من وجهة نظرهم، الرسالة التي نقلها بايدن تعكس مصلحة أمريكية فورية – الحاجة إلى تعديل سعر النفط، ومع ذلك سعى السعوديون إلى إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، مع زيادة التعاون العسكري وتلقي الضمانات الأمريكية في السياق الإيراني، كشرط لتعاونهم في كبح جهود الصين لتوسيع وجودها في المنطقة، و”إسرائيل” من جانبها لها مصلحة في التوجه العربي الموالي لأمريكا، حيث تؤثر العلاقات بين الدول العربية وواشنطن بشكل مباشر على قدرتها / واستعدادها للمضي قدماً في التطبيع مع “إسرائيل”.

القضية الفلسطينية:

في مارس 2022، قال بن سلمان: “إن إسرائيل لا يُنظر إليها على أنها عدو، بل كحليف محتمل، وسيتعين عليها أولاً حل المشاكل مع الفلسطينيين”.

من ناحية أخرى يتبنى والده الملك سلمان الموقف الأكثر تقليدية تجاه “إسرائيل” والصراع، ويربط التطبيع مع “إسرائيل” بمعايير مبادرة السلام العربية، وعشية زيارة بايدن للمملكة أكد عادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية التزام القيادة السعودية بتنفيذ مبادرة السلام العربية وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية:

“أوضحنا أن السلام يأتي في نهاية العملية وليس في بدايتها”، كما يترك هذا الموقف للمملكة مساحة لإجراءات تطبيع بطيئة وصغيرة الحجم، قبل حل القضية الفلسطينية بشكل كامل، ربما تريد الرياض أن ترى ذلك بالتأكيد كشرط للعلاقات الرسمية مع “إسرائيل”، على الأقل ببداية “الحوار الإسرائيلي الفلسطيني” – وبالتأكيد كشرط لتقارب مدروس مع “إسرائيل”، فمن المحتمل أن تكون الاختلافات المسموعة في الرسائل تعبر عن رغبة في الحفاظ على التأخير في التطبيع، حيث استهدفت تصريحات بن سلمان الرأي العام الأمريكي بشكل أكبر، على أي حال من المرجح أن تزداد احتمالية التطبيع مع “إسرائيل” بعد وفاة سلمان، وفي نفس الوقت تشير التقديرات إلى أن موقف بن سلمان سيتأثر بفهمه لتداعيات التقارب مع “إسرائيل” على الشرعية الداخلية لخلافته.

التغيير الداخلي ضروري:

بصرف النظر عن السياسة الداخلية في المملكة العربية السعودية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه يطرح نفسه، إلى أي مدى المجتمع السعودي، وهو في الغالب محافظ، منفتح على التطبيع مع “إسرائيل”، في السنوات القليلة الماضية، وبصرف النظر عن بعض الانتقادات، كان المجتمع السعودي قادراً على استيعاب عمليات التغيير الاجتماعي والاقتصادي الهامة، ومع ذلك لا يعني ذلك بالضرورة أن الإعلان عن العلاقات مع “إسرائيل”، وبالتأكيد توقيع اتفاقية التطبيع معها، سيحظى بمثل هذا الدعم، لا سيما في أوساط التيارات السلفية، التي لا تزال تتمتع بمكانة مهمة، في حين ظهور حديث أكثر تسامحاً تجاه الأديان الأخرى، بهدف فحص استجابة الشارع وغرس رسائل التعايش في الخطاب العام، حيث واجه هذا الجهد انتقادات، على الرغم من أن معظمهم من المنفيين السعوديين، ومعظمهم من المعارضين للنظام، وليس ممن يخشى من التعبير الصريح عن آراء معارضة لآراء العائلة المالكة من المواطنين، في ظل أن الرأي العام في الغالب ضد التطبيع مع “إسرائيل”.3

وفقاً لاستطلاعات الرأي العام الأخيرة، يعارض حوالي 80% من مواطني المملكة اتفاقيات أبراهام،

على الرغم من وجود انفتاح معين على العلاقات التجارية مع “إسرائيل” من قبل الأفراد، على أي حال، فإن التقييم هو أنه بقدر ما يشعر بن سلمان أنه قادر على السيطرة على الخطاب العام، فإنه سيكون لديه ثقة متزايدة في اتخاذ خطوات نحو التقارب مع “إسرائيل”.

الوقوف في العالم الإسلامي:

هذه القضية هي مصلحة حيوية للسعودية، ويمكن أن تتضرر من انتقادات من جانب أولئك الذين يسعون مثل إيران إلى احتواء القضية الفلسطينية وانتقاد السعودية لكيفية استخدامها، قد يؤدي تحسين علاقات المملكة مع قطر وتركيا إلى تلطيف الانتقادات الخارجية لتحسين علاقاتها مع “إسرائيل”؛ بسبب ثقل المملكة في العالم الإسلامي، فإن الاتفاق معها من شأنه أن يمنح “شرعية دينية” للعلاقات مع “إسرائيل” وربما حتى تمكن “إسرائيل” من تحسين علاقاتها مع العالم الإسلامي بأسره.

إيران:

على مر السنين كان التهديد الذي تشكله إيران على دول المنطقة أساساً للتقارب الهادئ بين “إسرائيل” والسعودية، رغم أن “إسرائيل” تؤكد على التهديد النووي، بينما ترى السعودية إيران قوة تكافح من أجل الهيمنة الإقليمية وتؤكد على صواريخ إيران والطائرات بدون طيار ووكلائها بأنهم التهديد الأكبر الحالي، فالعلاقات مع “إسرائيل” لها مزايا عدة للمملكة: التنسيق على المستوى السياسي – الاستراتيجي فيما يتعلق بالتحديات المشتركة، وإحباط التهديدات على مستوى المخابرات العملياتية، بما في ذلك الوصول إلى “التكنولوجيا الإسرائيلية” ذات الصلة بالدفاع المضاد للصواريخ، في حين أن الاتصال “بإسرائيل” يمكن أن يعزز صورة الردع السعودية ضد إيران، وهناك خوف بين دول الخليج من أن يُنظر إليها على أنها بمثابة نوع من “القاعدة الأمامية” “لإسرائيل”، والسعودية التي تحافظ على حوار مستمر مع إيران، ليست استثناء في هذا الصدد.

يبدو أن المملكة العربية السعودية ستستمر في تمهيد الطريق تدريجياً لانفتاح أكبر في العلاقات مع “إسرائيل”، حتى لو كان في ظل نموذج مختلف عن نموذج اتفاقات أبراهام، سواء في عمق الانفتاح أو في وتيرة التغيير، وفقاً للسياسة السعودية، خلال زيارة الرئيس بايدن للشرق الأوسط، أعلنت هيئة الطيران السعودية أنه وفقاً لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، ستسمح الآن أيضاً “للطائرات الإسرائيلية” بالتحليق عبر مجالها الجوي، حيث تمت صياغة الإعلان بطريقة غامضة وتم تقديمه على أنه حاجة اقتصادية وطنية لتحسين الربط الجوي للمملكة كمحور رئيسي، وفي الواقع وسّع التصريح الحالي “للطائرات الإسرائيلية” للطيران عبر المجال الجوي السعودي إلى الإمارات العربية المتحدة والبحرين، لكن نائب سفير المملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة “محمد العتيق”، أكد في نقاش لمجلس الأمن حول القضية الفلسطينية أن تمكين “الطائرات الإسرائيلية” من التحليق في أجواء المملكة ليس خطوة في اتجاه التطبيع، وهناك خطوة أخرى يرى البعض أنها مرتبطة بالتطبيع هي الاتفاق السعودي الأمريكي على خروج القوة المتعددة الجنسيات والمراقبين في سيناء (MFO) من جزيرتي تيران وصنافير (التي أعادتها مصر إلى السيادة السعودية في عام 2017) وتمركز نظام المراقبة الذي سيحل محل القوة وسيتم من خلاله ضمان حرية الملاحة في مضيق تيران.

الاستنتاج المستخلص من العملية التي أفضت إلى اتفاقيات إبراهام هي أن دول الخليج في ظل الحافز والضغط المناسبين ، قد تتخذ خطوات تنحرف عن الإجماع العربي وعن مواقفها في السياق الفلسطيني، لذلك من الممكن أن تعزز الرياض علاقاتها مع إسرائيل دون صلة مباشرة بالتقدم في “القناة الإسرائيلية الفلسطينية” ولكن بالنظر الي المقابل الذي ستحصل عليه من الولايات المتحدة. في الواقع العلاقة بين واشنطن والرياض ، والأهم من ذلك – اهتمام امريكا بالمنطقة وقيادتها للتطبيع في الشرق الأوسط له أهمية حاسمة، إذا قدرت القيادة السعودية أن الاقتراب من “إسرائيل” سيساعدها على تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وتحسين صورتها المتطرفة التي ترافقها والفوز بمكاسب اقتصادية وسياسية ، فقد تتخذ خطوة أخرى تجاه “إسرائيل”.

إن استمرار وتوسيع اتفاقيات التطبيع الحالية مهم للربط بين “إسرائيل” والمملكة العربية السعودية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها تهدف إلى إضفاء الشرعية على توسعها اللاحق، ومع ذلك فإن البقاء خلف الكواليس مع المساعدة في تحسين علاقات “إسرائيل” مع الدول العربية والإسلامية هو في الواقع أفضل من الرياض في هذه المرحلة، وإن دفع العلاقات وإبرازها وجعلها بالتأكيد” قضية سياسية إسرائيلية داخلية”، كما حدث مع زيارة الرئيس بايدن للشرق الأوسط، سيخلق توقعات غير واقعية ويزيد الضغط على السعوديين ويقوض العملية، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية كانت تمر بتغييرات اجتماعية ثقافية غير مهمة في السنوات الأخيرة، إلا أن مسألة علاقاتها مع “إسرائيل” لا تزال مرتبطة بمكانتها وحتى باستقرارها، لذلك في الوقت الحاضر، يُنظر إلى اتفاقية التطبيع الكامل في المملكة على أنها خطوة في وقت مبكر جداً.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى