أخبارأخبار رئيسيةشؤون عسكريةمقالات إستراتيجية

تحليل: عملية “بزوغ الفجر” خطوة أخرى على طريق دفن المناورة البرية

ترجمة الهدهد

“إسرائيل” دفينس/ عامي روحكس دومبا 

“دفن الحمير هو مصطلح للدفن المهين للمتوفى كعقاب له على سلوكه في الحياة” هكذا كتبت حنينا بن مناحم في مقال بعنوان “دفن حمار: إذلال للميت وعقاب له”. وسأزعم في هذا المقال بأن سلاح الجو من خلال مفهوم بنك الأهداف والمعركة التي بين الحروب ينجح في قيادة السلاح البري في الطريق إلى دفن الحمار.

أساسيات القتال: الدقة والمدى ..

ماذا فعل الذراع البري ليستحق هذا؟ لقد هدد بالبدء في استخدام أسلحة دقيقة وبعيدة المدى بشكل روتيني وليس فقط في الوحدات الخاصة أو في حالة الحرب كما تم القيام به حتى الآن؛ لأن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تقلل من الحاجة إلى سلاح الجو في مهام هجومية في العمق، على مسافات تصل إلى 300 كيلومتر.

قذائف دقيقة بمحركات RamJet وصواريخ وقذائف صاروخية  وطائرات بدون طيار. كل هذه يمكن أن تقوم بمجموعة متنوعة من المهام التي تشكل ملكية حصرية لسلاح الجو.

صحيح أن الأسلحة البرية الدقيقة لا تناسب كل مهمة وأحيانًا تكون الطائرة المقاتلة مطلوبة، لكن بعض المهام الهجومية التي ينفذها سلاح الجو في المعركة التي بين الحروب، في سوريا أو غزة أو لبنان يمكن أن ينفذها الذراع البري بمفرده. وإذا أراد شخص ما مثالاً على ذلك يمكنه أن ينظر الحرب في أوكرانيا في الأشهر الأخيرة.

في “إسرائيل”، ترسخ قانون غير مكتوب في “الجيش الإسرائيلي” مفاده أن هجومًا على مسافة تزيد عن  100 كيلومتر يتم تنفيذه حصريًا من قبل سلاح الجو. ويظهر الواقع أن سلاح الجو  على مر السنين خصص لنفسه نطاقات أقصر من ذلك بكثير، حتى التكتيكية منها، تلك التي كانت في السابق من مسؤولية الذراع البري.

ويمكن رؤية مثال على ذلك في جولات القتال على مدى سنوات في غزة وكذلك في الجولة الأخيرة المعروفة باسم عملية بزوغ  الفجر.

إذا نظرت إلى جغرافية غزة ترى أن المسافة من “الأراضي الإسرائيلية” إلى البحر الأبيض المتوسط وهي المسافة التي تغطي كامل عمق غزة تبلغ حوالي 13 كم في أوسع جزء من قطاع غزة من المنطقته الجنوبية وهو  مدى  العمل الذي يعتبر في اللغة المهنية تكتيكيا. والأطر القتالية للذراع البري  قادرة على العمل بشكل مستقل والتحكم في نطاقات أكبر بكثير.

سلاح الجو  كمحتكر

ومع ذلك يختار “الجيش الإسرائيلي” استخدام سلاح الجو للقيام بمهام الهجمات الدقيقة بدلاً من استخدام أسلحة برية دقيقة.  في العملية الأخيرة كما في تلك التي سبقتها نفذ سلاح الجو ما يقرب من 100 في المائة من الهجمات أثناء القتال ودفع بالذراع البري للخروج من أي مخطط قتالي يتجاوز اعتقال المطلوبين في الضفة الغربية أو ضبط تجار المخدرات على حدود مصر أو لبنان.

في الماضي كانت هناك نكتة يتم تداولها مفادها أن الذراع البري أصبح حرس حدود ولكن بزي أخضر؛ هذا لأن كل ما يفعله الذراع عمليًا بخلاف التدريبات هو تفريق المظاهرات، والاعتقالات والقبض على مروجي المخدرات والمتسللين. المناورة شيء تم الحديث عنه لعقود  خاصة في المؤتمرات والمقابلات الصحفية فقط.

وكانت آخر مناورة برية في عام  2006، وهي أيضا اقتصرت على بضعة كيلومترات داخل لبنان. مثل هذه المناورة تختبر قدرة الذراع البري على العمل بفعالية حيث توسع خطوط الإمداد والاتصالات بعيدا عن “الحدود الإسرائيلية”.والبديل الوحيد المتبقي للذراع البري “لفرد عضلاته” هو مناورات صغيرة في غزة أو الضفة الغربية.

على الرغم من أن مثل هذه المناورات تتم بدون توسيع ومد خطوط الإمداد اللوجستي وبنطاق ترددي متواصل يوفر الدعم للحرب الشبكية المساعدة بين الأذرع، لكنها على الأقل تدرب رتب القيادة في الذراع البري في احتكاك حقيقي مع العدو. والمناورة في غزة والضفة ليس تدريب في تساليم أو مرتفعات الجولان ضد عدو وهمي.

كل شيء ممكن من الجو

كما ذكرنا حتى الاحتكاك الصغير الذي تبقى للذراع البري تم إلغاؤه من قبل سلاح الجو  من خلال الترويج لفكرة بنك الأهداف الجوي والمعركة التي بين الحروب. استثمر سلاح الجو والاستخبارات الكثير من الموارد في السنوات الأخيرة في إنشاء بنك من الأهداف المناسبة للهجمات الجوية. هذا في الوقت الذي تم فيه إهمال الاستثمار في الذراع البري.

ويقدم مفهوم بنك الأهداف رواية مفادها أنه يمكن التعامل مع جميع أنواع التهديدات سواء في المعركة التي بين الحروب أو في الحرب باستخدام الوسائل الجوية.

وخصص سلاح الجو أيضًا لنفسه الدفاع الجوي، وبالتالي هكذا هو “يغلق دائرة” كمحتكر لتشغيل النار. إنه يخلق تزامنًا بين إدارة الهجوم الجوي والدفاع الجوي، تحت سقف واحد ومحطة واحدة. بالنسبة إلى هيئة الأركان العامة التي تدير الحرب من الأسهل العمل مع مقاول تنفيذي يمنحك الحل الكامل من أوله الى آخره.
هذا بينما يوجد في العالم مفاهيم تشغيلية للدفاع الجوي، مثل  أنظمة SHORAD التي تشغلها القوة البرية. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال كان هناك تفكير لتشغيل القبة الحديدية على مثل هذا النظام، ووصفت شركة Rafael، في منشور على موقع الشركة على الإنترنت  أيضًا قدرة القبة الحديدية على استخدامها كنظام SHORAD.

نتيجة ترسيخ سلاح الجو كمحتكر لتشغيل القوة تسهم في زيادة فعالية وجدوى سلاح مقابل تراجع في فعالية وجدوى الذراع البري. وفي غياب المنافسة على الدقة والمدى من قبل الذراع البري، تمكن سلاح الجو   من تثبيت رواية مفادها أنه وحده  القادر  على تنفيذ عملية هجومية تتضمن التعامل مع العديد من الأهداف، بدقة كبيرة وبدون وقوع قتلى تقريبًا في الجبهة  الداخلية. وهذا  تقريبا حلم كل سياسي يعطي تعليمات للجيش بتنفيذ عملية.

“بزوغ الفجر”.. مزيد من التعزيز للرواية التي يقودها سلاح الجو ..

في عملية “بزوغ الفجر” هاجم سلاح الجو غزة بشكل متواصل لمدة ثلاثة أيام وتمكن من اغتيال  قادة كبار من الجهاد من خلال نافذة شقتهم، وهاجم مجموعات إطلاق صواريخ أثناء التنقل أو الحركة ومنصات إطلاق. و إذا لزم الأمر يعرف سلاح الجو أيضًا كيفية هدم مبنى.

إن إمكانية تحقيق مجموعة كاملة من الأهداف، من اغتيال شخص واحد في شقة إلى هدم مبنى بأكمله يطرح  السؤال وهو  لماذا نحتاج إذا إلى الذراع البري؟ خلافا لسلاح الجو الذي يسوق رواية “نظيف” و “موضعي “، فإن الرواية  المحيطة  بالمناورة البرية أصبحت سلبية، وتتضمن حججًا مثل عدد كبير من القتلى من جميع الأطراف، وتصعيد الصراع، والمخاطر على جنود “الجيش الإسرائيلي”،والمخاطر السياسية على صناع القرار (المشاعر العامة) وخلق احتكاك سياسي غير ضروري مع الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والأردن ودول الخليج.

وبهذه الطريقة استطاع سلاح الجو على مر السنين تحويل صورة المناورة البرية إلى شيء سلبي ومخيف بينما استخدام سلاح الجو وصف بالنظيف والموضعي  والسريع وتقريباً بدون احتكاك مع العدو.

تخيل الآن جولة في غزة مع القليل من الهجمات من قبل سلاح الجو، بينما يقود الذراع البري الحدث ويستخدم مناورة مصغرة مع استخدام مكثف للأسلحة الدقيقة في نطاقات مختلفة في غزة، بما في ذلك اغتيال  مسؤولين كبار  في الشقق.

ماذا كان سيحدث في الفكر العام والسياسي في “إسرائيل” لو انتهت هذه الجولة من ناحية القتلى والجرحى، ومن الناحية السياسية بشكل سيئ لسلاح الجو ؟ في هذا الواقع البديل سيكون صناع القرار أقل خوفًا من تشغيل الذراع البري أيضًا في المعركة التي بين الحروب  أحيانًا بدلاً من سلاح الجو. ولكان الجمهور اعتاد على ذلك ولكانت الرواية حول تشغيل القوات البرية قد تغيرت.

بالنسبة لسلاح الجو مثل هذا الواقع البديل يخلق تحديًا في الحفاظ على احتكاره لتشغيل القوة داخل “الجيش  الإسرائيلي”. بالنسبة للذراع البري كان من الممكن أن ينتج هذا الواقع البديل قيادة أكثر مهارة  وأنظمة عسكرية أكثر ملاءمة وحداثة، وأكثر من ذلك. ولو كان هذا هو الواقع، لكنا  فكرنا بشكل مختلف عن  الذراع البري والتوازن المطلوب بين القوة الجوية والبرية.

لنعود إلى الواقع الحقيقي

بعض أولئك الذين قاتلوا في عام 2006 وظلوا منذ ذلك الحين في الجيش ويحتلون اليوم مناصب قيادية عالية  لم يشهدوا  بعد مناورة واسعة النطاق، بعيدًا عن “حدود إسرائيل”. هذه المعلومات حصلوا عليها في الدراسات والتدريبات ومحاضرات عن التراث القتالي.

وماذا سيحدث في حرب متكافئة؟

في ظل هذا الواقع فإن شكاوى الذراع البري ضد الحكومة لها ما يبررها.
من دون مناورة كل بضع سنوات يتلاشى تفوق وتميز القوات البرية في “الجيش الإسرائيلي” في مواجهة تهديدات الحرب المتكافئة. أما الرواية القائلة بأن سلاح الجو  قادر على أي شيء لم تواجه بعد حربًا متكافئة حقيقية بين “إسرائيل ودولة مثل مصر على سبيل المثال”.
في بعض الحروب المتكافئة السابقة ل”دولة إسرائيل” فشل سلاح الجو في دعم الذراع البري ووثق في حسم الحرب بنفسه – والحسم في الميدان جاء فقط من خلال “الدخول البري عنما مشت البساطير  على الأرض.

إن تسويق الرواية القائلة بأنه لن يكون هناك المزيد من الحروب الكبرى من أجل تبرير عدم استخدام الذراع البري، يمكن أن ينتهي بإحباط إذا اندلعت حرب كبرى.
لا يزال البعض منا يتذكر حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي  وكان ذلك منذ وقت ليس ببعيد، بين عامي 2012-2013. بالنسبة “للجيش الإسرائيلي” والجمهور “الإسرائيلي” كان عامًا متوترًا مع وجود أفكار حول إمكانية استخدام مرسي للجيش المصري ضد “إسرائيل” لاحتياجات سياسية داخلية.

صحيح أن هناك من سيدعي أن الأمر ليس كذلك اليوم وأن سوريا تفككت وكذلك العراق وأن هناك اتفاق سلام مستقر ومزدهر مع مصر؛ واحتمال  أن تكون حرب الدبابات مع إيران   على بعد 1600 كيلومتر من “حدود إسرائيل” ستكون محتملة ولكن بنسبة صفر.

العدو الوحيد يبقى في غزة والضفة الغربية ولبنان، ويمكن لسلاح الجو أن يعمل بمفرده بدون مناورة برية، والقليل من المعركة التي بين الحروب، وبضع جولات في غزة وسنكون بخير ولا داعي للذراع البري.

إدارة المخاطر مقابل الحرب على الموارد

السؤال الأساسي في هذا النقاش هو كيف يدير “الجيش الإسرائيلي” المخاطر على الشريط الذي يفصل  بين الحرب المتكافئة ومكافحة “الإرهاب”؟
كلما زاد ميل المؤشر  نحو الحرب المتكافئة زادت الحاجة إلى المناورة البرية، وكلما زاد ميله إلى مكافحة “الإرهاب” قلّت الحاجة إليها؛ لذلك يحدد المؤشر  الموارد التي يتلقاها كل فرع من الميزانية. وتوجب الميزانية الاستثمار في الوسائل القتالية ورأس المال البشري في كل ذراع.

المؤشر هو أيضًا من يملي اللوبي “جماعة الضغط” الذي يمتلكه كل فرع في اجتماعات هيئة الأركان العامة.
ومن الذي يحدد النبرة في الجيش؟و يمكن لرؤساء الأركان أن يأتوا من الذراع البري، لكن سلاح الجو هو من  يملي النبرة.

من المحتمل أن يستمر تنفيذ جولات مثل “بزوغ الفجر ” مع وجود احتمال ضئيل لتشغيل أو استخدام مناورة برية. الدبابات والمدفعية ووحدات المشاة ستستمر في كونها كنافذة  استعراض في غزة وفي الضفة للتهديد فقط، بينما العمل الفعلي سوف يقوم به سلاح الجو.

هل سلاح الجو على حق ؟ حسنًا، حتى هذا اليوم  عندما لا تلوح هناك حرب كبرى في الأفق ويكون الخطر الأقصى بمثابة حرب في لبنان، نعم. سيدّعي سلاح الجو وهو  محق في ذلك أنه هنا حتى في حرب لبنان الثانية  قام سلاح  الجو  بكل العمل تقريبًا، وكانت المناورة هامشية بالنسبة لنتائج الحرب، وكان الضرر الذي تسبب به سلاح الجو  كبيرًا جدًا لدرجة أن حزب الله بقي هادئاً منذ 16 عامًا.

كلما أثبت سلاح الجو مزاعمه أمام هيئة الأركان العامة والحكومة زاد تخصيص الميزانيات له لتعزيز القوة الجوية على حساب البرية. تؤدي عملية تعزيز القوة الجوية هذه على حساب الذراع البري إلى الموت البطيء للذراع البري.

في غضون عقدين أو ثلاثة عقود أخرى وبضع جولات أخرى في غزة والضفة ولبنان وكلها سيتم تنفيذها جميعها من الجو، وبالتالي لن تتبقى هناك قدرة على المناورة على الإطلاق في الذراع البري، وسيكتمل دفن الحمار.
لذلك إن لم نستيقظ، مثل الدول الأوروبية فنحن أمام تهديد متكافئ غير متوقع وسنجد أن ما لدينا لا يكفي.

أضف تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى